دراسات وأبحاث

الميثولوجيا بين الواقع والخيال

الميثولوجيا بين الواقع والخيال
تفسير غوامض الكون والإنسان
 

الجزء الثاني
بقلم المهندس جوزف خوجا

 

 

 

File:Hesiod and the Muse.jpg - Wikimedia Commons

Hesiode and the Muse
By Gustave Moreau

 

نظريات أخرى لتعليل نشأة الأساطير اليونانية:

كنا ذكرنا في القسم الأول من المقالة أن البعض من المفكرين صنف جذور قصص الأساطير، إلهامًا مشتقاً من كتب منزلة أو دين سماوي… ويقول المفكرون قد يكون مصدراً دينياً موغلاً في القدم، قد تكون تبدّلت معالمه أو ربما اندثر وانتهى ليصبح مادة أدبيّة في فكر الناس بذلك نفسر كيف بنى أهل اليونان المعابد لآلهتهم وكرموها وجعلوا من أعمالهم معجزات فنيّة في العالم القديم…

ثم قال البعض الآخر بوجود نظرية تقول إن الإغريق إرتقوا بأساطيرهم من خرافات تقوم على الخيال والعاطفة إلى ملحمة فكرية تاريخية … تناولت فيها أيضاً مشكلة الوجود ونشأة الكون، من البداية أي الخواء Chaos الذي يسبق الأزل، ومن ثم أسباب الولادة والموت وما بعد الموت (ولنا عودة لهذا التكوين).

… بينما آخرون قالوا هذه أساطير هي لبشر وقد صنعوا تاريخاً جليلاً للإنسانية أو لمجتمعاتهم ونالوا مع الزمن الإكبار والتكريم وبقيت أخبارهم تتناقلها الناس، فجعلوهم من مصاف الآلهة معتقدين أنهم سيبعثون بعد موتهم في صُوَرُهُم الإلهيّة الجديدة، لهذا كانوا يقدمون لهم القرابين وينشدون لهم الأناشيد”…

مهما يكن من جواب، يجمع النقاد والمؤرخون ومنهم الوزير ثروت عكاشة بالقول “… لا يستقيم تفسير الأسطورة على أنها قصة مجازية، غير أن ذلك لا ينفي وجودها.”

تطور الفكر الديني والحريّة الدينية عند الإغريق في القرون الأولى ما قبل الميلاد:

كما ذكرنا سابقاً، لم يتقبل جميع المفكرين العقيدة الدينية للأساطير وكل ما فسرت من وجود الكون والإنسان بل إن البعض اعتبرها قصصاً مجازية من صنع الخيال، فتناولوها بالنقد، وحتى في التشكيك بصحتها ثم تجاوزوا هذه الشكوك لينادوا بفلسفات روحيّة عميقة، عن القوة الموجدة، نشأة الكون والوجود الإنساني، وكان ذلك بدءًا من القرن السادس ق.م…

فذهب إكسنوفانيس ( 570– 480 ق.م) إلى أن الآلهة ليست سوى أساطير، ونادى “برب واحد يختلف عن البشر صورة وفكرا”… وأشاعت هذه التعاليم مع الوقت قدراً من اللاأدرية بين المفكرين والناس…
وأما فلسفة برمنيدس ( 540 ق.م.- 480 ق.م) فتقول ” … بأن الحقيقي قد يكون غير المنظور، والمنظور قد يكون غير حقيقي، وأن البداية والنهاية، المولد والموت لا تصيب إلا الأشكال والصور، أما الواحد الحق فلا بداية له ولا نهاية، وليس ثمة صيرورة…”
وأن أيضاً الحركة غير حقيقية لأنها تفترض إنتقال شيء من المكان الذي هو فيه إلى مكان لا يوجد فيه شيء، أي إلى الفراغ … وليس ثمة فراغ قط، لأن الواحد يملأ كل ركن وكل شق في العالم وهو ساكن سكوناً أبدياً” …

وهكذا فإن الحواس لا تمدنا إلا بالمعلومات أو الآراء العامة، فصور الأشياء تنشأ وتزول في موكب لا نهاية له… أما المعرفة الحقة فلا سبيل إليها إلا البحث والتفكير!

ولم يتصور هرقليطس(535 – 475 ق.م) الإله في شكل بشري وقال أيضاً أن الحواس خِداع لا يتفق مع الحقيقة والواقع.
بينما الموسيقي الفيلسوف والأديب بندار (518-438 ق.م) فوصف الإنسان كحلم يحوم حول خيال، ما أقصر الحياة!…

لقد آمن بندار بالأساطير اليونانية ووضع لها أناشيد موسيقيَّة ونادى بأن الروح البشرية من أصل إلهيّ وأن مآلها إلهيّ ، ففي الأغنية السادسة يقول بندار:

“من أصل واحد
انحدر الآلهة والبشر
من رحم أم معاً جئنا،
ولكن ما أبعد ما بيننا،
لا حول لنا ولا قوى
على حين يتربّع الآلهة هناك
على عرشهم الخالد في السماء”


لقد كان بندار موسيقياً، فيلسوفاً، وأديباً وقد وصف يوم الحساب، والجنة والنار وصفاً يعد من أقدم أوصافها ” وقال بعد الموت مباشرة تعاقب الروح الخارجة على القانون وينظر في الخطايا وتصدر الأحكام التي لا تنقض”.

ولما أُرسِل إلى مهبط وحي أمون في مصر يُسأَل: “ما أحسن الأشياء للإنسان؟” فكان جواب الوحي في بلاد اليونان كجواب الوحي في مصر “الموت” ص 245 (سفر الجامعة يصف الموت كذلك كجواب الوحي في أمون مصر ودلفي اليونان)…

ويذكر المؤرخون الفيلسوف أنبادوقليس 490 إلى 430 ق.م. يقول إن القوة الخالقة الأساسية كلها عقل لا غير، عقل مقدس لا بنطبق عليه وصف، يومض في طيّات العالم كله وميض الفكر الخاطف، ولا يمكن أن يدركه عقل إنسان” ..وكان يعتقد أن الناس جميعا كانوا آلهة لكنهم سقطوا لارتكابهم المعاصي، وكان يؤمن بعقيدة تناسخ الأرواح… فقال إنه كان ” … في سالف الأيام شاباً، وفتاة، طائراً وغصنا مزهراً…” وهكذا كان يقول الفيثاغوريين…

أما سقراط ( 470-399 ق.م) ، فقد سئل مهبط الوحي في دلفي سؤال “هل في الناس من هو أعقل من سقراط” وكان الجواب “لا أحد” وعزا سقراط هذا الجواب إلى اعترافه هو بجهله… على أن أعظم ما تركه لنا من حكمة تلك التي تقول “إعرف نفسك” وقال إن المعرفة أسمى الفضائل والرذيلة جميعها من الجهل… وبالمعرفة الحقّة يكون العمل الصالح أمراً محتوماً لا مفر منه.

Socrates, his two Wives, and Alcibiades - Wikipedia

Socrates, His Two Wives, and  Alcibiades

Reyer van Blommendae¹


وكان يقول إن في الكون من الأمثلة الدالة على التناسق المدهش العجيب، ومن الخطة الواضحة المرسومة ما لا يصح معه أن يعزى وجود العالم إلى الصدفة المحضة أو إلى أية علة غير عاقلة …


وكان يعترف بأنه يقبع في جميع قراراته الهامة والسلبية روح داخلي كان يصفه بأنه إشارة من السماء، وبأنه لن يمتنع عن إبلاغ الناس هذه الرسالة أيًا كان ما يهدد به.

لقد كان له إيمانه الخاص به ، لقد آمن بإله واحد، وآمن باعتدال بأن الموت سوف لا يقضي عليه، وأدرك أن هناك شريعة أخلاقية أبدية لا يمكن ان تقوم على دين ضعيف كالدين الذي آمنت به آثينا في ذلك الوقت…” كما قال ول ديورانت في كتابه قصة الفلسفة.

أما معارضوه فكانوا يعيبون عليه أنه يهدم ولا يبني، وأنه أفسد الأخلاق وشلَّ التفكير لأنه يرفض كل جواب ولا يُجِب هو بشيء من عنده… وقد حكم على سقراط بالموت لأنه لا يعترف بالآلهة الذين تعترف بهم الحاضرة وأنه أفسد الشباب… ويقال وإن لم يعبدها بقلبه!، لكنه كان يعبد آلهة المدينة بلسانه، ويشارك أيضاً في احتفلاتها الدينية…

 

 

Socrates Finds his Student Alcviad at Heterai - Henryk Siemiradzki -  WikiArt.org

Socrates Finds his Student Alcviad at Heterai – Henryk Siemiradzki²


وبذلك نكون قد أضفنا أيضاً قانوناً أو عُرفاً لا يليق بتاريخ اليونانيين القدماء وهو المحاكمات بتهمة الكفر.


بينما أفلاطون ( 427 – 347 ق.م) في نظريته الأفكار فيقول بأن الله المحرك الأول الذي لا يتحرك أو روح العالم، يحرك كل شيء وينظمه حسب القوانين والأشكال الأزلية…

 

Plato's Academy mosaic - Wikipedia

Plato’s Academy Mosaic³


وتصور أرسطو ( 384-322 ق.م)، الله بوصفه العقل الخالص والمحرك الأول للأمور.


بينما ديوجين فقد كان يرى أن الحضارة لا خير فيها كما إن الميتافيزقيا عَبَثٌ عقيم وابتعد كثيراً عن فكر خير “معرفة” سقراط وأفكار أفلاطون وعقول أرسطو والفلاسفة واقترب من حكمة بوذا ومعه كونفوشيوس القائلة “لا أعلم شيئا عن سر الإله لكني أعلم أشياء عن بؤس الإنسان”.

File:Waterhouse-Diogenes.jpg - Wikimedia Commons

Diogenes

 John William Waterhouse⁴


وقال إن الفلسفة الوحيدة الحقّة هي فلسفة الأخلاق، والغرض من الحياة هو السعادة، ولكن هذه السعادة لا تكون في طلب اللذة ولا التلهف للترف … والثروة تفسد الطمأنينة والسلام، والشهوة الحاسدة تأكل النفس كما يأكل الصدأ الحديد…
فطلب من أتباعه أن يستمسكوا بالحياة البسيطة والرجوع إلى الطبيعة، وكان يحمل شمعة أو مصباحًا في النهار ويقول إنه يبحث بهما عن رجل، وأعلن بأنه مواطن عالمي… كان كل شيء في الدين عنده من طقوس وتقاليد وأمور خفيَة، يبدو أوهامًا وخرافات، عدا الإستمساك بالفضيلة ..
وأصبح أشهر رجل في بلاد اليونان بعد الإسكندر…

لكن من الطبيعي طبعاً ألاّ تثير هذه الأفكار ونقصد آراء جميع هؤلاء الفلاسفة، حماس الكثيرين وخاصة العامّة، لإختلافها مع مفاهيمهم التقليدية عن الألوهية، ولعجزهم عن تصور إمكان قيام علاقة بينهم وبين إله يختلف عنهم حتى في التفكير، فلم تنتشر سوى عند القلة من العقول النيِّرة ..


لكن اليونان والرومان لم يتوقفوا في بناء معابد لآلهتهم، بالرغم من هذه الأفكار، فأنشأوا رائعة البانتيون عام 27 ق.م. في شكل معماري بديع يليق بالآلهة (ويعني معبد كل الآلهة ) ويتحول لاحقاً كنيسة تليق بمقدسات المسيحيين…وكان أيضاً معبد غارني معبداً لإله الشمس في القرن الأول الميلادي في أرمينيا، The Temple of Garni ، وغيرهم الكثير..
وبقيت الطقوس والممارسات الدينية تقام وأحتفالات تليق بالآلهة لزمن غير قصير في كل أوروبا والشرق، ولم يترك المسيحيون هذا الإرث بل أخذوا منه الكثير الكثير ولنا عودة لبعضه في مقالات قادمة…

 

 

المراجع:
قصة الحضارة ديورانت الجزئين 7 و 8 حياة اليونان
قصة الفلسفة تأليف ول ديورانت
الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع تإليف ثروت عكاشة
مسخ الكائنات الشاعر أوفيد، ترجمة ثروت عكاشة راجعه عن اللاتينية د. مجدى وهبه
قصيدة الأعمال والأيام لهسيودس دراسة د. محمد سليم سالم
أنساب الآلهة هسيود ترجمة صالح الأشمر منشورات الجمل.
أساطير الحب والجمال عند اليونان تإليف دريني خشبة
مجلة الرسالة العدد 92 دريني خشبة
الأساطير اليونانية والرومانية أمين سلامة
Britannica Sources of myths: literary and archaeological internet
Britannica type of myths in Greek culture

اللوحات :

1 لوحة فنيّة لسقراط وزوجتيه للفنان Reyer Jacobaz van Blommendael:
Alcibiade تلميذ سقراط القريب منه فكرياً وإنسانيًا، يظهر مع زوجتي سقراط، منهم Xanthippe والتي تصور دائماً كالمرأة المشاكسة لا بل المزدرية لسقراط أمام عامة الناس، تسقط الماء على رأسه غير مبالية…
أما الثانية Myrtho وكان قد تزوجها دون بائنة لفقرها وكان له منها ولدين Sophronisque and Menexene تقف مع الأولى المشاكسة بمشهد يظهر معاناة سقراط من كلتا المرأتين…

Socrates finds his student Alcibiades at : Henryk Siemiradzkiheterai
وفيها نشاهد سقراط يبحث عن تلميذه الشاب الجميل والمثقف Alcibiades في مكان لبنات الهوى ليبعده عن حياة اللهو…

3 لوحة موزاييك لأفلاطون أو الحكماء السبعة.

Seven Wise Men was the title given by ancient Greek tradition to seven early 6th-Century philosophers. Plato’s Academy Mosaic in the villa of T.Siminius Stephanus in Pompeii, around 100 BC to 100 CE, square 86 cm x 85 cm, David Sedley identifies  figures as Plato, Eudoxus of Cnidus, Speusippus, Xenocrates, Aristotle, Archytas,Heraclidus Ponticus.

4 (لوحة فنيّة لديوجين بفرشاة John William Waterhouse):
تنقسم اللوحة إلى جزئين رئيسيين يفصل بينهما جدار الدرج، ولكل جزء مِحور أو بؤرة أساسية.
القسم الأول من اللوحة وبؤرته الفيلسوف ديوجين ويظهر في مسكنه أنبوب من الطين، مرتدياً ألبسة ترمز إلى الحياة الفطرية البسيطة وبجانبه بضع بصلات… وأمامه المصباح الذي كان يحمله باحثاً عن الرجل الفاضل، في وضح النهار، وبيده رسالة المعرفة…
أما المحور الثاني أو البؤرة الثانية يحتوي على فتيات ثلاث في ربيع الحياة، أنيقات المظهر ويحملن مراوح، مبهجة في تكوينها وألوانها، وتوحي بثراء واضح… يقفن على درج يؤدي إلى مرتفع حيث نجد بناء رائع في تفاصيله المعمارية وجمال الطبيعة وزوّار يتنزهون حوله ولا يكترثون مما يحصل ولا من الحدث الأساسي..
بينما على الدرج وضعت سلّة تحتوي على وريقات الورود، ببهجتها الآنية والقصيرة، وضوء اللوحة يزيد من هذا الفرح أو ربيع الحياة القصير…
أما إيماءات وخاصة حركات وجوه الفتيات الجميلات، فتوحي بالسخرية والإستهزاء من ديوجين، بينما إحداهن تنظر من علو إلى الأسفل حيث يجلس المفكر…
اللوحة تحمل في خطوطها، ألوانها، في تفاصيلها وبؤرتيها فناً أكاديمياً وفلسفة ديوجين كاملة، وضعها الرسام الموهوب والمفكر الإنجليزي John William Waterhouse

 

error: Content is protected !!