الافتتاحية



وُجدت المعرفة لتُشارك

​


ها قد أتى فصل الخريف حاملاً بجعبته أجواءً أكثر اعتدالاً وأمطاراً ملطّفة تهوّن على العديد من الناس وطأة الحرّ الحارق وما يرافقه من مخاطر الجفاف والحرائق. وعمّا قريب، ستتغيّر ألوان أوراق الشجر ثم تسقط، تاركةً وراءها أشجاراً عارية تستعدّ للدخول في مرحلة سباتٍ عميقٍ خلال فصل الشتاء، قبل أن تعود إلى الحياة مجدداً في الربيع بكامل حسنها وبهائها.

إن حلقة الولادة والموت جزءٌ لا يتجزّأ من حياة جميع الكائنات. ونحن، كبشر، نولدُ في رحاب عالم الطفولة الساحر غير عالمين من أين أتينا، ثم نمرّ بمراحل الشباب، فمنتصف العمر والشيخوخة، لننتقل بعد ذلك إلى حياةٍ أخرى لا تقلّ غموضاً في أسرار ولادتها وكيانها.

لماذا نولد؟
وما هو المغزى من الحياة؟

هذه أسئلةٌ قديمةٌ قدم الزمان تناولتها الفلسفات والأديان، ومع ذلك لم يتمكّن أيّ منهم من تقديم إجاباتٍ شافية وكافية.

​إن معظم الأديان التقليدية لا تتطرّق إلى مسألة من أين أتينا، كما أنّها على قدرٍ كبيرٍ من الغموض في تناولها لما يأتي بعد الموت؛ إذ يعتمد الكثير منها على تفسير نصوصٍ تعود إلى آلاف السنين وتتّسم بالقطعية والطرح الحاسم في نتائجها: إمّا أن نذهب إلى الجحيم وإمّا إلى النعيم. كما يرفض العديد من طبقة المتعلّمين هذه الأفكار مفضّلين انتهاج فكرة أننا جئنا من العدم وسوف ننتهي إليه.

وبغضّ النظر عن إيمان أيّ فرد—حتى وإن كان بالعدم—يجب علينا احترام إيمانه ومعتقده. فهدفنا ليس الإدانة أو إجبار الآخرين على تغيير معتقداتهم، إذ إنّ حقّ الفرد في الإيمان بما يشاء هو حقّ مقدّس.

تقدّم الداهشيّة رؤية أكثر شمولاً لمغزى الحياة وأسباب الوجود والغاية الأخيرة التي نصير إليها. ورغم إيماننا بعدم إمتلاك المعرفة المطلقة أو الإجابات النهائية، إلا أنّ الداهشية تُعدّ ثورة في كيفيّة مقاربة مسائل الحياة والوجود، كما أنّها توفّر خارطة طريق جامعة تبني على ما وضعته الأديان التقليدية والعلوم الحديثة من أسس؛ وهي تعزّز إيمان الفرد وتقويّه بدلاً من أن تستبدله بآخر.

​إنّ التسلّح بالمعرفة التي تمنحها العقيدة الداهشية يحمل في طياته مسؤوليةً عظيمة؛ فهدفها ليس مرتبطٌ فقط بالمنفعة الفرديّة الخاصة، بل بما يتعيّن فعله من خلالها لخدمة الإنسانيّة جمعاء.

يقول الدكتور داهش في إحدى كلماته: «من العار أن تموت قبل أن تقوم بأعمال الخير نحو الإنسانيّة»¹؛ وهذا هو الهدف الأساس من هذه المجلة الإلكترونية، إذ عبرها نتشارك مع الجميع مبادئ العقيدة الداهشيّة المبنيّة على المحبّة، والرحمة، والعطف، والاحترام المتبادل، والعدل، والمساواة بين الأعراق والأجناس، والأخوّة الإنسانية، ونبذ العنف، وحريّة التعبير والمعتقد، والسعي وراء المثل العليا في هذه الحياة.

إنّ المقالات والآراء والقصائد الموجودة في هذه المجلّة تعكس التعاليم الداهشيّة والايمان بها كما يفهمه كلّ كاتب على حدة وحسب وجهة نظره، لأن كّل شيء في الحياة تقريباً هو نسبيّ. فبإمكان شخصين قراءة نصٍّ معين والتوصل إلى نتائج مختلفة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن أحدهما على صواب والآخر على خطأ، إذ إنّ «الحقيقة» نفسها في هذا العالم نسبيّة.

ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ الواجب يدعو الى بذل كل ما في المستطاع لإلقاء الضوء على مبادئ المثل العليا ونشرها على أمل أن تعود بالمنفعة والخير على روح الفرد بشكل خاصٍ وعلى روح المجتمع والإنسانيّة جمعاء بشكلٍ عام.

​هيئة التحرير


1: الدكتور داهش، كتاب “كلمات الدكتورداهش”، دار النّار والنُّور، بيروت، صفحة 170.

error: Content is protected !!