أدب

عَرُوسُ آذَارَ

بقلم الكاتب عبد الرحمن اليماني

 

             

أَيْ عَرُوسِ آذَارَ السَّمَاوِيَّةِ،
الْهَابِطَةُ مِنَ الْفَرَادِيسِ الْعُلْوِيَّةِ،
أَيَّتُهَا الْحُورِيَّةُ الْبَدِيعَةُ الْجَمَالِ،
الْفَاتِنَةُ السَّاحِرَةُ،
أَيَّتُهَا الشَّمْسُ الْبَهِيَّةُ،
الَّتِي أَشْرَقَتْ فَبَدَّدَتِ الظَّلَامَ.

لِلَّهِ مَا أَبْهَاكِ وَمَا أَجْمَلَكِ،
وَمَا أَبْهَى وَأَجْمَلَ عَيْنَيْكِ النَّيِّرَتَيْنِ،
اللَّتَانِ تُشِعَّانِ بِنُورِ الْحَقِيقَةِ،
تِلْكَ الْحَقِيقَةِ الَّتِي نَشَدَهَا الْفَلَاسِفَةُ،
وَتَغَنَّى بِهَا الشُّعَرَاءُ، وَاسْتَجْدَاهَا
وَبَحَثَ عَنْهَا الْمُفَكِّرُونَ.

أَيَّ فَاتِنَةَ قَلْبِي، وَمَحَجَّةَ رُوحِي،
عِنْدَمَا وَصَلَتْنِي أَخْبَارُ وُصُولِكِ إِلَى أَرْضِنَا الْبَائِسَةِ الشَّقِيَّةِ،
وَمَا تَحَدَّثَ بِهِ الرُّكْبَانُ عَنْ رَوْعَةِ فِتْنَتِكِ، وَبَهَاءِ تَأَلُّقِكِ، وَعُذُوبَةِ أَنْغَامِكِ وَضِيَاءِ طَلْعَتِكِ،!!
اشْتَعَلَ خَيَالِي جَاهِدًا كَيْ يَرْسُمَ وَيُصَوِّرَ بَعْضًا مِنْ رَوْعَةِ هَذَا الْحُسْنِ،
لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ أَعْلَنَ عَجْزَهُ، وَعَدَمَ قُدْرَتِهِ،
فَكَيْفَ لَهُ أَنْ يُصَوِّرَ مَا لَمْ يَسْبِقْ أَنْ رَأَتْهُ الْعَيْنُ وَسَمِعَتْهُ الْأُذُنُ أَوْ أَدْرَكَتْهُ الْأَحَاسِيسُ.
لِذَا وَجَدْتَنِي أَشُدُّ الرِّحَالَ قَاطِعًا الْبَرَارِيَ وَالْقِفَارَ هَابِطًا إِلَى الْأَوْدِيَةِ، صَاعِدًا إِلَى الْجِبَالِ مُيَمِّمًا حَيْثُ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ وَجْهِكِ الْمَلَائِكِيِّ.

وَمَا أَنْ شَاهَدْتُكِ، وَتَمَلَّيْتُ حُسْنَكِ الْإِلَهِيَّ، وَسِحْرَ جَمَالِكِ الْفِرْدَوْسِيَّ، حَتَّى وَجَدْتُنِي أَجْثُو بَيْنَ يَدَيْكِ مُبْتَهِلًا، وَأَسْجُدُ خَاشِعًا مُتَعَبِّدًا.
كَيْفَ لَا!؟ وَقَدْ شَاهَدْتُ فِي عَيْنَيْكِ جَمَالَ الْكَوَاكِبِ، وَبَهَاءَ السَّمَاءِ، وَسَمِعْتُ فِي صَوْتِكِ أَنْغَامَ الْهُدَاةِ، وَحَقَائِقَ الْأَنْبِيَاءِ، الْهَابِطَةَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَلَاءِ.

فَأَنْتِ الْقَصِيدَةُ الَّتِي كَتَبَتْهَا الْآلِهَةُ، وَنَطَقَ بِهَا وَحْيُ السَّمَاءِ،
أَنْتِ قِيثَارَةُ دَاوُدَ وَتَرْنِيمَةُ سُلَيْمَانَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَآيَاتُ أَحْمَدَ، وَمَحَبَّةُ جُبْرَانَ، وَتَقَشُّفُ غَانْدِي وَسِلْمِيَّتُهُ، وَصَوْتُ دَاهِشْ الَّذِي أَعْلَاهُ فِي أَذَانِ الْكَوْنِ، فَأَسْمَعَ بِهِ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ، وَخَشَعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْعَنَاصِرُ، وَجَثَتْ لَهُ الْعَوَالِمُ، وَانْقَادَتْ لَهُ الْخَوَافِي وَالْأَسْرَارُ.

أَيْ مَعْبُودَةَ رُوحِي، وَإِلَهَةَ قَلْبِي،
أَيْ مُلْهِمَةَ فِكْرِي، وَنُورَ دَرْبِي،
يَا مَنْ تُشِعُّ الْحَقِيقَةُ بِنُورِهَا مِنْ جَبِينِكِ الْمُتَلَأْلِئِ بِالنُّجُومِ،
سَأَظَلُّ رَاكِعًا بَيْنَ يَدَيْ قَدَاسَتِكِ الْكَوْنِيَّةِ، مُبْتَهِلًا لِنَعْمَائِكِ الْعُلْوِيَّةِ،
مُسَبِّحًا بِاسْمِكِ الْمُذْهِلِ، شَادِيًا مَعَ الْأَطْيَارِ، مُتَرَنِّمًا مَعَ تَغْرِيدِ الْبَلَابِلِ، رَاقِصًا مَعَ الْجَدَاوِلِ، مُنْسَابًا مَعَ الْأَنْهَارِ، حَالِمًا مَعَ الْقَمَرِ، مُشْرِقًا مَعَ الْأَنْوَارِ،
وَسَأُغَنِّي لَحْنَكِ الْفِرْدَوْسِيَّ الْهَابِطَ مِنْ كَوَاكِبِ الْفَنِّ وَالْإِبْدَاعِ.
وَسَأُخْبِرُ عَنْكِ الْوُجُودَ، وَأُعْلِنُ آيَاتِكِ الْعَجِيبَةَ لِكُلِّ مَوْجُودٍ،
وَسَوْفَ أُحَدِّثُ الْوُرُودَ عَنْ نَسَائِمِ عِطْرِكِ، وَالطَّبِيعَةَ عَنْ سِحْرِ مُوسِيقَاكِ، وَالْأَشْجَارَ عَنْ بُرُودِ ظِلَالِكِ، وَالْأَنْغَامَ عَنْ عُذُوبَةِ كَلِمَاتِكِ، وَالْقَمَرَ عَنْ سُكُونِ مَسَائِكِ، وَالشُّمُوسَ عَنْ سُطُوعِ أَنْوَارِكِ.

وَسَوْفَ أَجْثُو بَيْنَ يَدَيْ رَبَّةِ الشِّعْرِ وَالْإِلْهَامِ مُبْتَهِلًا أَنْ تَمُدَّنِي بِآيَاتِ الْفَصَاحَةِ لِأَكْتُبَ لَكِ مِنَ الْأَدَبِ مَا يُطْرِبُ الْأَذَانَ، وَيَعْلَقُ بِالْأَذْهَانِ.
وَسَوْفَ أَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ الْبِحَارِ بَاحِثًا عَنِ الْكُنُوزِ مُفَتِّشًا عَنِ الدُّرَرِ الْيَتِيمَةِ وَاللَّآلِئِ الْعَجِيبَةِ أُقَدِّمُهَا قَرَابِينَ بَيْنَ يَدَيْ مَحَبَّتِكِ.

كَيْفَ لَا وَقَدْ أَتَيْتُكِ مَيِّتًا فَأَحْيَيْتِنِي، وَصَحْرَاءَ اسْتَبَدَّ بِهَا الْجَفَافُ فَأَمْطَرْتِنِي، وَضَالًّا لَا أَعْرِفُ الطَّرِيقَ فَهَدَيْتِنِي، وَقَانِطًا اسْتَبَدَّ بِهِ الْيَأْسُ فَأَمَّلْتِنِي، وَسَقِيمًا هَدَّهُ الدَّاءُ فَشَفَيْتِنِي، وَشَقِيًّا عَبَسَتْ فِي وَجْهِهِ الْحَيَاةُ فَأَسْعَدْتِنِي.

أَيْ عَرُوسَ الرَّبِيعِ، وَعَبَقَ وُرُودِهِ، وَتَغْرِيدَ عَنَادِلِهِ، وَأَنْغَامَ طُيُورِهِ،
وَعُذُوبَةَ نَسَائِمِهِ، وَخَرِيرَ أَنْهَارِهِ.
يَحْتَفِلُ آذَارُ، وَتُشَارِكُهُ الْمَجَرَّاتُ وَالْكَوَاكِبُ، وَتُشْرِقُ لَهُ الشُّمُوسُ وَتُضَاءُ النُّجُومُ، وَتَثْمَلُ الطَّبِيعَةُ، وَتَبْتَهِجُ الْعَنَاصِرُ، وَتَتَغَنَّى قُلُوبُنَا، وَتَنْتَشِي أَرْوَاحُنَا، بِيَوْمِ مَوْلِدِكِ الْمَجِيدِ، الَّذِي أَنْهَى تَارِيخَ الظَّلَامِ، لِيَبْدَأَ تَارِيخُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلَامِ، فَكُلُّ عَامٍ وَأَنْتِ يَا نِعْمَةَ السَّمَاءِ فِي  عُلُوٍّ وَ ازْدِهَار.



error: Content is protected !!