المصلحون الأبطال ومسيرة التغيير
المصلحون الأبطال ومسيرة التغيير
(١٤٩٧- ١٦٣٣)
من سافانوريلا إلى غاليليو
بقلم الأستاذ سامي واصاف
حقٌّ علينا أن ننصف المصلحين الأبطال باستحضار مسيرة بطولاتهم، وهذا أضعف الإيمان.
وفي هذه العجالة، نستعرض بعض الصفحات من حياة الراهب الثائر سافانوريلا، مرورًا برائد الإصلاح مارتن لوثر، ثم الراهب اللاهوتي الصلب جوردانو برونو، وصولًا إلى العالم غاليليو غاليلي.
زمن العتمة ومحاكم التفتيش
جرى كل ذلك في زمن العتمة، حيث كانت محاكم التفتيش تفترس ضحاياها، وكان البابا إسكندر بورجيا وحاشيته يعبثون بالإيمان المسيحي وينتقمون من معارضيهم دون رحمة، فيحرقونهم أحياءً ويعرضونهم لأبشع فنون التعذيب.
في تلك الظلمة وقف سافانوريلا، راهبًا فتيًا شجاعًا لا يعرف الخوف، صلبُ الإيمان في وجه سلطة عاتية، ذئابها الجائعة حاضرة للانقضاض على كل من يهدد مكانة أسيادها.
في ديره، دير سان ماركو الدومينيكي في مدينة فلورنسا، جمع رهبانه ووقف فيهم واعظًا:
“نحن لا نحتاج إلى الذهب أو الفضة لنعيش،
تكفينا بعض قطع من النحاس،
علينا أن نعيد الذهب والفضة إلى الرعية والى محتاجيها وناكل خبزنا بعرق جبيننا.”
وهكذا فعل.
كان صوته المجلجل بين جدران كنيسته في فلورنسا يتردد صداه ويتجاوب بين جدران كنائس روما ويقضّ مضاجع ساداتها.
وكان الحضور كثيفًا، يصغي إلى وقع عباراته النارية بتأثر كبير.
ندّد بفساد الكنيسة الرومانية التي ينتمي إليها،
وصفها بـ “عاهرة بابل”،
هاجم مسؤوليها من قمة الهرم إلى قاعدته، واصفًا إياهم بأنهم رفعوا برقع الحياء وأمعنوا في الانحلال والإثم.
وصف روما بأنها أصبحت مركزًا للرذيلة والفساد الذي لوّث العالم المسيحي، ودعا إلى تطهيرها جذريًا.
انهمرت عليه الإشعارات المهددة فلم تلن عزيمته، ولم تُخفه الإنذارات، وكان صلباً يجيب ناقليها:
“بين تحذيرات البشر وإنذاراتهم وبين تعاليم السماء، سأنحاز إلى السماء.”
لم ترعبه سطوة البابا ولا رهبة محاكم التفتيش،
لم يُخفه إحراق المعارضين أحياءً في الساحات العامة،
ولا التعذيب بالآلات الشيطانية في الأقبية المظلمة.
اتخذ الايمان العميق بتعاليم وتضحيات يسوع درعاً تخطّى به الخطر المحدق واستمر في خطبه النارية يسوط الفاسدين المتربعين على عرش الكنيسة…
أدت هذه الانتقادات اللاذعة وتحديه للسلطة البابوية إلى إلقاء الحرم عليه وكان ذلك في زمن إسكندر بورجيا، أحد أكثر بابوات روما فسادًا.
وانتهى الأمر بإلقاء القبض عليه عام ١٤٩٧ وتعذيبه على “المخلّعة” لعدة أيام، حيث شُدَّ عليها لتفكيك مفاصله وتمزيق عضلاته ثم شنق وأُحرق في ساحة ديلا سينيوره عام ١٤٩٨.

آلة تعذيب سافانوريلا
وامعاناً في الكيد جمع رهبان روما رماده وذَرّوه في نهر الأرنو، الذي يمر في فلورنسا، حتى لا يبقى له أثر يزوره المريدون.
ومقابل ذلك كان المتربعون على عرش المسؤولية في روما، يمعنون في غيّهم فيدعون العصمة عن الخطأ ويضربون بعرض الحائط ما قاله السيد المسيح لتلاميذه وقد دعوه بالمعلم الصالح فانتهرهم قائلاً:
“لماذا تدعونني صالحا لا صالح إلا الله” إنجيل مرقص ١٠/١٨.
يا لك من بطل شجاع أيها الفتى، يا لك من صوت صارخ قضى انتصارًا لتعاليم ووصايا حبيبه يسوع، ودفاعًا عن الفضيلة والتعاليم المقدسة.
لكن جذوة الإصلاح لم تنطفئ، فقد اشتعلت مع ثورة الراهب المصلح مارتن لوثر.
في عام ١٥١٧، علّق أطروحاته الخمس والتسعين على باب كنيسة فيتنبرغ.
لم يدعُ إلى قلب الكون، بل إلى إصلاح المؤسسة الكنسية، ورفض صكوك الغفران ومزقها، عمل على ترجمة الكتاب المقدس وطباعته فانتشر بين الناس بعد أن كان وقفاً على رجال الدين.
استُدعي إلى مجمع ” فورمس”، للإغراء وإلا فالمحاكمة لكنه رفض ورفض التراجع وقال:
“هنا أقف، ثابت في مكاني ولا أستطيع غير ذلك.”
ونجا من مصير من سبقوه، إذ كانت أوروبا قد تغيّرت، وظهرت الطباعة، ووجد من يحميه. وحرر الكتاب المقدس من قبضة رجال الدين وجعله مباحا للرعية.
وبعد مئة سنة تقريباً على محرقة سافانوريلا، يطل في مسيرة الإصلاح بطل آخر، هو الراهب اللاهوتي والعالم جوردانو برونو، ليُعدم حرقًا على وتد، في قصة مشابهة من حيث النهاية، لكنها مختلفة في المضمون.

جوردانو برونو
ففي حين تناول سافانوريلا الفساد الديني في روما، تناول برونو الفساد الفكري.
ظهر برونو لا واعظًا أخلاقيًا، بل فيلسوفًا كونيًا، آمن بأن الكون لا نهائي، وأن النجوم شموس، وأن العوالم متعددة، وأن الإله لا يُحصر في هندسة لاهوتية ضيقة بين جدران عقول مظلمة.
هذا الفكر تجاوز حدود اللاهوت التقليدي وأدى إلى محاكمته من قبل محاكم التفتيش، حيث عُذّب وأُحرق حيًا في ساحة كامبو دي فيوري عام ١٦٠٠.
لكن عجلة الإصلاح لن تتوقف، فإذا بها بعد ثلاثين عامًا تطلّ بعالم جليل سيكون له أثر محوري في تطور علم الفضاء والفلسفة، هو غاليليو غاليلي الذي أخذ بما ذهب إليه كوبرنيكوس، وما أكده برونو، بأن الأرض ليست مركز الكون، بل كوكب يدور حول الشمس.

غاليليو
فأسقط مع من سَبقَهُ فكرة المركزية: فلا الإنسان سيد الكائنات، ولا حبر روما سيد الناس.
اهتزّت العقيدة المبنية على المركزية والعصمة،
وارتعدت أوصال رجال الكنيسة من هذا الفكر المتجدد، فأَلقت القبض على غاليليو عام ١٦٣٣
وساقته أمام محاكم التفتيش، وبين يديه ذاكرة حية لأدوات التعذيب ونار المحرقة التي التهمت برونو.
فتراجع العالم المسنّ، ابن السبعين عامًا، ووقّع مُكرهًا إقرارًا بخطأ أفكاره، فنال حكمًا مخففًا بالإقامة الجبرية حتى وفاته.
الخلاصة
نحن أمام قوس تاريخي يمتد:
من نار الواعظ (سافانوريلا)
إلى مطرقة الراهب (لوثر)
إلى رماد الفيلسوف (برونو)
إلى همس العالم (غاليليو)
قوسٌ شكّل تحولًا عميقًا في تاريخ أوروبا إذ كان فيه الفكر مضطهدا وحملته قرابين؛ بل أبطال مهّدوا لبداية عصر جديد.
هكذا تُنحر ألاجساد وتبقى الكلمة.
” فيا اعواد المشانق، كم لك من ضحايا بريئة شريفة
وكم من أثمة لم يتأرجحوا بحبالك القوية
ولؤماء لم تطلهم يد الأحكام العدلية
إن دموع الاباء والأبناء تشق الفضاء
وصرخاتهم العميقة تخترق السحاب فالسماء
لا كنت يا احكام! وتباً لك ايتها القوانين السخيفة”
(من كتاب بروق ورعود الدكتور داهش ص:٢٢).
المراجع:
https://www.britannica.com/biography/Girolamo-Savonarola
https://www.britannica.com/biography/Martin-Luther
https://www.britannica.com/biography/Giordano-Bruno
https://www.britannica.com/biography/Galil
https://youtu.be/Gzo2TrEY3MY?si=4UsNpdKFZ0KwmHl6eo-Galilei