أفكارٌ و أرآء

في ذكرى ميلاد نبيّنا الحبيب الهادي

بقلم الكاتب منير مراد

 

 

إنّ ما ندركه على أنّه “الحقيقة” ليس في الواقع سوى بضع خيوطٍ من نور اذا ما قيس بنجمٍ متوهجٍّ ساطع.

فمعرفتنا، رغم التقدّم السريع في العلم، لا تزال في مستوى رياض الأطفال—إن لم يكن أقلّ—مقارنةً بمعرفة العوالم الأرقى في هذا الكون الواسع أو أيّ كونٍ آخر. فحتّى لو استطعنا السفر بسرعة الضوء، سيبقى استكشاف الفضاء محدودًا بتلك النجوم التي يمكن بلوغها خلال فترة أعمارنا، مثل بروكسيما سنتوري ألفا، التي تبعد نحو 4.3 سنةٍ ضوئيّة عن الأرض. أمّا عبور مجرّتنا فيتطلّب 90,000 سنة ضوئية، والانتقال إلى أقرب مجرّة يتطلّب 3,000,000 سنة ضوئية. كما يحتوي كوننا على نحو 125,000,000,000 مجرّة، ناهيك عن أيّ أكوانٍ موازية. لذا، فإنّ القول بأنّنا مجرّد حبّة رمل على الشاطئ أو قطرة ماء في محيط ليس مبالغةً على الإطلاق.

إنّ كلّ ما ذكرتُه صحيحاً إذا ما نظرنا إليه بعيون البشر وبحسب فهمنا لقوانين الفيزياء. ولكن ماذا لو وُجدت كائناتٌ أكثر تقدّمًا في الكون تستطيع السفر مسافاتٍ شاسعة بطريقة غير خطيّة عبر ثني الزمكان؟ ماذا لو وُجدت كائناتٌ تسافر بسرعاتٍ تفوق سرعة الضوء؟ كيف يمكن للطاقة الهائلة التي تحوّلت إلى مادّة خلال الانفجار العظيم—وبذلك خلقت هذا الكون—أن تكون قد وُجدت من العدم في مخالفةٍ لقانون حفظ الطاقة؟ كيف يمكن للماضي والحاضر والمستقبل أن يكونوا واحدًا بالنسبة لأفراد مُنحوا قوىً روحيّة، مثل السيّد المسيح؟

لن تتمكّن البشرية من الوصول إلى مثل هذه الإجابات دون تدخّل قوىً تفوق مستواها بكثير.

ولكن كيف تتجلّى هذه القوى للبشريّة؟

تتميّز الداهشيّة بين الأديان بقدرتها على ربط جميع أشكال الوجود في هذا الكون وفي الأكوان الأخرى بعضها ببعض وبالعوالم الروحيّة التي خلقتها. صحيحٌ أنّ هذه المعرفة مرتبطةٌ باستحقاقنا الروحي، وهي لا تزال بدائية جدًا مقارنةً بمعرفة العوالم الأسمى، ولكن رغم ذلك، فهي رؤية أشمل بكثير ممّا تُقدّمه الأديان أو الفلسفات التقليديّة.

يحكم هذا الكون الواسع آلاف السيّالات الروحية التابعة للكيان الروحيّ الأعلى في العوالم الروحية، وهو دون الله، ومعروفٌ بـ“الآب السماوي”، والذي يتجلّى في أعلى مستويات العالم المادّي باسم “المسيح”. هذا الكيان العظيم هو مصدر الأنبياء والمرشدين والمصلحين، وهو أيضًا المحرّك الأساسي المؤدّي الى تقدّم العلم والفلسفة والأدب والموسيقى والفنّ. فشخصياتٌ مثل أينشتاين وسقراط وأفلاطون وبيتهوفن وموزارت وشيكسبير وغيرهم، يمكن اعتبارهم مرشِدين أتوا بمهمّات محدّدة تهدف الى تنمية نوعٍ معيّن من المعرفة للبشرية.

وسيّالات المسيح هي التي أعلنت لنا وبشّرتنا باليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية وغيرها. فكلُّ دينٍ جاء في فترة محدّدة، لشعب محدّد، بحسب استحقاقه الروحي. وهذا الكيان العظيم نفسه هو الذي تجلّى للبشرية تجلّيًا جديدًا في القرن العشرين على هيئة نبيٍّ وهادٍ لتتمّ عبره نبوءات الماضي وليأتي بنبوءاتٍ جديدة للمستقبل.

لقد تنبّأ أنبياء اليهوديّة بقدوم المسيح المنتظر. واليوم، لا يزال اليهود ينتظرونه. فقبل نحو 2000 عام، رفضوا السيّد المسيح لأنه لم يتوافق مع الصورة التي رسموها للمسيح المنتظر، إذ كان ابن نجّار وعاش حياةً زاهدة. كانوا يتوقّعون مسيحًا ملِكًا قويًا يخلّصهم من الحكم الروماني ويعيد لهم مجد إسرائيل كما كان في عهد داوود وسليمان. أمّا المسيحيّون والمسلمون فينتظرون المجيء الثاني للمسيح. يتوقّع المسيحيون أن يكون مجيئه الثاني مشهدًا مهيبًا، حيث يأتي على سحابةٍ حاشدًا المؤمنين به. كما يترقّب معظم المسلمين أن يعود المسيح ليبشّر بالإسلام. أمّا الشيعة، إحدى فرق الإسلام، فينتظرون المهدي ليأتي مع المسيح في آخر الزمان.

ويربط العهد الجديد والقرآن بين المجيء الثاني للمسيح ونهاية العالم ودمار الأرض. في العقود الأولى للمسيحيّة، أنذر المسيحيّون بأنّ النهاية قريبة، وها قد مرّ ألفيّتان على تلك الإنذار! وكذلك فعل القرآن قبل أكثر من 1400 عام. لكنّ الأحداث أثبتت أن التوقّعات شيءٌ والواقعُ هو شيءٌ آخر. فمن يدري ما معنى “قريب” في المفهوم الروحي؟

مع نهاية العصور المظلمة، شهد العالم عصر النهضة، حيث ازدهر الأدب والفلسفة والفن والموسيقى والعمارة. وفي الوقت نفسه، مهّدت الاكتشافات العلمية الكبرى للثورة الصناعية ووضعت العلم والدين في مسارٍ تصادمي. فلا يمكن لأحد أن ينسى معاملة الكنيسة الكاثوليكية القاسية لغاليليو، أو الجرائم المروّعة لمحاكم التفتيش.

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لعبت اختراعات توماس إديسون دورًا أساسيًا في تقدّم المعرفة العلمية. وفي 1901، أرسل ماركوني رسائل تلغرافية عبر مسافات بعيدة، وفي 1903، قام الأخوان رايت بأوّل رحلة طيران، وفي 1905، قدّم أينشتاين النظرية النسبية الخاصّة، ثم طوّر النظرية العامة. وفي 1907، ابتكر لوميير التصوير الملوّن. وفي 1908، أنتج فورد أول سيارة موديل T. وفي 1910، أنهت ماري كوري كتابها “أطروحة في الإشعاع”.

لم يشهد التاريخ فترةً تضاهي القرن العشرين في الإنجازات العلمية، والتي جلبت التنوير العلميّ، ولكن في الوقت نفسه أدْنت العالم من الفناء.

جاء المجيء الثاني للمسيح في لحظةٍ حاسمةٍ للبشرية، ليس فقط لتأكيد وتثبيت الاكتشافات العلمية، بل لوضعها في إطارٍ روحيّ. كما جاء ليحذّر من الخطر المحدق بالفناء ما لم تعتنق البشرية مبادئ المحبّة والفضيلة بدل الحسد والجشع والانحلال؛ والاخوّة الإنسانيّة بدل الاستغلال والظلم؛ والروحانيّة بدل النزعة المادّية.

وهكذا، في 1 يونيو 1909، وُلد سليم موسى العشي لأسرةٍ مسيحية مهاجرة إلى الأرض المقدّسة، ليكبر ويصبح الدكتور داهش، نبيّنا الحبيب الهادي، المسيح العائد، وهبةُ السماء للبشرية.

خلال فترة طفولة وشباب الدكتور داهش، كانت شهرة جبران خليل جبران تتصاعد في الولايات المتحدة والعالم. ويَعتبر الداهشيّون جبران بمثابة المبشّر بقدوم الدكتور داهش، كما كان يوحنّا المعمدان—تجسيد النبي إيليا—مبشّرًا بقدوم المسيح.

نشر جبران “الأرواح المتمرّدة” عام 1909، “المجنون” عام 1918، النبي عام 1923، و”يسوع ابن الإنسان” عام 1928، وتوفّي في 10 أبريل 1931. و قد توفّي نبيّنا الحبيب في 9 أبريل 1984، قبل يومٍ واحد من الذكرى الثالثة والخمسين لوفاة جبران. كان الدكتور داهش في الحادية والعشرين عند وفاة جبران، ولم يلتقيا شخصيًا. لكنه تأثّر بكتاباته تأثّرًا عميقًا. وفي كتابه “أسرار الآلهة”، يمدحه ويصفه بـ“أخي” في إحدى قصائده. وليس ذلك غريبًا، فبعض الداهشيّين يرون أنّ جبران مُنح سيّالاتٌ معيّنة من المسيح.

نشأ الدكتور داهش في زمنٍ مضطرب. كانت الحرب العالمية الأولى حربًا مروّعة قُتل وهجّر فيها الملايين، كما دُمّرت مدنٌ عظيمة. وبعد سنواتٍ قليلة، توفّي والده ووُضع في ميتمٍ لفترة قصيرة، حيث تلقّى بضعة أشهر فقط من التعليم. لم يلتحق بالمدرسة رسميًا، ومع ذلك بلغت كتاباته أكثر من 100 كتاب.

وفي 1930، استقرّ في لبنان، وفي 23 مارس 1942 أُعلنت الرسالة الداهشية، فجذبت مجموعةً فكريًة متنوعة. ظهرت الداهشية في وقتٍ كان العالم غارقًا في الحرب العالمية الثانية، التي فاقت سابقتها دمارًا ووحشيةً وانتهت بإبادة هيروشيما وناغازاكي. وفي مطلع 1946، كتب الدكتور داهش “مذكّرات دينار”، حيث تنبّأ بفناء الأرض بالأسلحة النووية. أمّا موعد ذلك، فلا أحد يعرفه. وقد علمنا من رسالةٍ روحية أنّ الداهشية يجب أن تنتشر أوّلًا، وإليك المرجع:

“…واعلموا أنّ الاديان المتعدّدة الموجودة بين الشعوب قد وُجدت لغايةٍ روحية وإلّا لما كانت. فالبوذيّ يملك سیّالات يستحقّ عليها أن يكون بوذيًّا والكونفوشيوسي أيضًا ومثله المسلم والمسيحي وهكذا. إذًا فالأديان المختلفة ما كانت لتوجد لو لم يكن لها غاية – واعلموا أنّها ستكون لها أيضًا نهاية. 
لأنّ بوتقة السيالات ستكيّفها بالصورة الواجب أن تكون عليها. وإذ ذاك تجدون أنّ ديانة واحدة وعقيدة واحدة يسودان هذه الأرض من أقصاها إلى أدناها. وليكن كلٌّ منكم متأكِّداً بأنّ هذا الأمر سيتمّ إن عاجلًا أم آجلاً.
وربّ متسائل وكيف هذا وعمر الأرض سينتهي بعد وقتٍ قصير لا تتمكّن فيه البشرية من تكييف سيّالاتها وجعلها بدرجةٍ واحدة كي يتمّ هذا الانقلاب الهائل في نفوس البشر فأجيب المتسائل أنّه عند دنوّ ساعة انتهاء دور هذه الأرض، ينضمّ كلّ من أصبح مؤمنًا وسائرًا على الطريق الحقيقيّة وهؤلاء عددهم لا بأس به، وينطلقون إلى عالمٍ أرقى من عالمهم الأرضي الدائم الآلام، أمّا أولئك الذين لم يستطيعوا أن يسيروا مثلما كان واجبهم يقضي عليهم أن يسيروا عليه فإنّهم يُعطون أرضًا غير هذه الأرض ولا تعود الشمس لتشرق عليهم ولا يعودون ليستطيعون مشاهدة تألّق النجوم فيحيون حياةً مظلمة خالية باردة رهيبة يكونون قد استحقّوها عن جدارة تامّة فلا الشكوى تجديهم نفعًا وليست الصيحات العنيفة الممزّقة لصدورهم تستطيع أن تعيدهم الى عالمهم الذي فقدوه.”

وهذه الرسالة منسجمة مع الكتاب المقدّس والقرآن في الحديث عن الأيام الأخيرة ويوم الدينونة ويوم الحشر. فقد كتب بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي:

“”وَأَمَّا الأَزْمِنَةُ وَالأَوْقَاتُ فَلَا حَاجَةَ لَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هَكَذَا يَجِيءُ. لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: «سَلاَمٌ وَأَمَانٌ»، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلَا يَنْجُونَ.”
(تسالونيكي 5: 1–3)

ويقول القرآن:

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (الأعراف: 187).

لقد جاء نبيّنا الحبيب ورحل، وأصبح واجبنا أن نحمل الشعلة التي أشعلها للبشريّة. وها نحن نطوي سريعًا القرن الثاني على ميلاده، ولا يسعنا إلا أن نأمل أن تُظهر السنواتُ القادمة نورَ رسالة الحبيب للعالم؛ ،فتعاليمه في المحبّة والرحمة والاستنارة الروحية ستصبح منارةً تهدي من ضلّوا عن طريق الحقّ.

نعم، سيأتي يوم الربّ، لكنّ ذلك لا يعني أن نحزن أو نيأس أو نتقاعس. بل يجب أن ننظر إلى ما تبقّى لنا من عمرٍ كفرصةٍ لترك أثرٍ إيجابي على البشرية وللارتقاء روحيًا. فليكن هذا اليوم المبارك، نقطة تحوّل في حياة كل إنسان.

 

 

error: Content is protected !!