تفسير الظاهرات الداهشية
بقلم الشاعر حليم دمّوس لقد واظب الشاعر والأديب المعروف حليم دموس على مراسلة عددٍ كبيرٍ من المجلّات بما يخصّ الدكتور داهش ومعجزاته والعقيدة الداهشية المُلهمة الداعية الى الوحدة الدينية الجوهرية وعودة الانسان الى حظيرة المثل العليا والفضائل. كما جابه إضطهاداً غاشماً مدافعاً ببسالةٍ عن عقيدته ومبادئها الفاضلة.
وقد خصّ “مجلّة الدبّور “التي كان تربطه بمؤسّسها يوسف مكرزل صلة صحافية وأدبية، بعددٍ من هذه المقالات القيّمة. وقد تناول جزءٌ منها موضوع تعليل الظاهرات الداهشية ومصدرها ودحض التفسيرات العشوائية التي يطلقها البعض من إيحاء وتنويم مغناطيسي وغيرها.
وإيماناً بأهميّة وفائدة هذه المقالات على الأفراد والمجتمع، تبادر مجلّة “النار والنّور” الى إعادة نشرها مقسّمة في ٦ أجزاء.
الجزء الأوّل: مقدّمة ودحض حجة التعليل بالإيحاء الجزء الرابع: تفسير الظاهرات الداهشية الظّاهرةُ الثّانيةُ
وهنا نَسْرُدُ للقارئِ ظاهرةً، بل ظاهراتٍ من نوعٍ جديدٍ تُقْفِلُ بابَ التَّفَلْسُفِ في وجهِ كلِّ مَن أراد أن يُراوِغَ ويُحَلِّلَ بتحليلاتٍ سَمِجَةٍ يَمُجُّها الذَّوْقُ السَّليمُ. وهذه الظّاهراتُ هي نَقْلُ الأغراضِ بصورةٍ فُجائيّةٍ غيرِ منظورةٍ من مكانٍ إلى مكانٍ آخر دون مُحرِّكٍ مادّيٍّ.
فقد ذكرنا سابقًا كيف أضاعَ الأستاذُ إدوار نون قلمًا ذهبيًّا عندما كان يتزحلقُ على الثّلجِ في جهاتِ صوفر وضهر البيدر، وإذا بهذا القلمِ المفقودِ تُعيدُهُ إليه إحدى الأرواحِ بعد أن تَعَرَّفَ بالدكتور داهش وذلك في جلسةٍ روحيّةٍ.
وذكرنا أيضًا حادثةَ نقلِ الاتّفاقيّةِ التجاريّةِ المخطوطةِ، وقد نُقِلَتْ من صندوقٍ حديديٍّ في حلب إلى منزلِ الدكتور داهش في بيروت. وهذه المعجزةُ تمَّتْ للسّيّد جوزف حجّار بعد أن تَعَرَّفَ بالدكتور داهش بلحظات. وذكرنا أيضًا حادثةَ نقلِ مُفَكِّرَةِ جيبٍ من باريس إلى بيروت، وكان الدكتور خبصا قد أضاعَ هذه المفكّرةَ الشخصيّةَ منذ سنواتٍ، فإذا بروحٍ تجلبُها له في إحدى الجلساتِ الروحيّةِ التي عُقِدَتْ له في منزلِ الدكتور داهش بحضورِ كثيرين. ولو أردنا أن نُفَصِّلَ كلَّ ظاهرةٍ من هذا النوع لاحتجْنا لتدوينِها في عدّةِ مُجلّداتٍ، فنكتفي بذكرِ ما جرى أمامَ المستر أوليفر الذي نُقِلَتْ له إحدى الأرواحِ كتابًا ثمينًا كان مُحْتَفَظًا به في صندوقِه الحديديّ في رأس المتن، ثم نَقَلَتْهُ الروحُ على الأثرِ إلى منزلٍ آخر في بيروت.
وهكذا جرى للسّادةِ أمين نمر، والشيخ خليل طوبيا، وميشال العُمّ، والشيخ عبد الله العلايلي، وتوفيق إيراني، ومحمّد علي الحوماني، والشيخ أحمد العجوز، وصبري بك حمادة، والدكتور شاهين الصليبي، وأنور سالم، والدكتور توفيق رزق، والسّيّد شاتنيو، والسّيّد هرفه ولاتوان، والسّيّد جورج أنجلو بولو، وغيرهم وغيرهم ممّن كان لهم الحظُّ في مشاهدةِ مثلِ هذه الخوارقِ العجيبةِ.
وعندما تعلمُ أيّها القارئُ أنّ كُلًّا من هؤلاء الناسِ ما كانت تربطُه بالدكتور داهش أيّةُ صِلَةِ تَعارُفٍ أو صداقةٍ سابقة.
وعندما تعلمُ أنّ جميعَ هؤلاء الناسِ قد أتَوا لمشاهدةِ هذه الظّاهراتِ وهم مُحاطون بألفِ حَذَرٍ وحَذَرٍ خوفًا من حصولِ أيّةِ خديعةٍ أو حيلةٍ.
وعندما تعلمُ أنّ هذه الظّاهراتِ كانت تجري في كلِّ مكانٍ، أي في منزلِ الدكتور داهش أو في أيِّ منزلٍ آخر.
وعندما تعلمُ أنّها كانت تجري في وضحِ النّهارِ دون ستائرَ وبهلوانيّاتٍ وغيرها من أدواتِ النَّصْبِ والتَّغريرِ.
وعندما تعلمُ أنّ هذه الظّاهراتِ تثبُتُ بعد حدوثِها، فيبقى القلمُ أو الكتابُ أو سَنَدُ الاتّفاقيّةِ أو غيرُها من الأغراضِ التي كانت تجلبُها الروحُ، فتأخذُه بيدِكَ وتذهبُ به إلى منزلِكَ وتتحقّقُ بنفسِكَ من صحّتِه وماديّتِه بالطريقةِ التي تختارُها أنت بعيدًا عن الدكتور أو عن أيِّ شخصٍ آخر، مُستعينًا إذا شئتَ بأشخاصٍ يجهلون الدكتور داهش أو بآلاتٍ ميكانيكيّةٍ صمّاء، أو بأيِّ شيءٍ من الأشياء.
فعندما تعلمُ كلَّ ذلك أيّها القارئُ، ألا ترى نفسَكَ مُضطرًّا مثلي إلى القولِ بأنّ هذه المعجزاتِ الخارقةَ لجميعِ نواميسِ الطبيعةِ بقوّةٍ غيرِ منظورةٍ حكيمةٍ مُدْرِكَةٍ تستطيعُ أن تَتسلّط على هذه النواميسِ والعناصرِ وتُبَدِّلَ مَجْراها وتُسَيِّرَها حسبَ مشيئتِها بحكمةِ الأزليِّ السَّرمديِّ وإرادتِه؟
حقًّا إنّها قوّةٌ فوق جميعِ القُوّاتِ البشريّةِ. تلك هي قوّةُ الروحِ التي تخترقُ الحواجزَ ولا تعرفُ في قاموسِها كلمةَ (المستحيل). فالمستحيلُ يتحوّلُ أمامَها ويستحيلُ إلى حقيقةٍ ويخضعُ لها خاشعًا صاغرًا.
وعَبَثًا فَتَّشْنا في المكتباتِ العربيّةِ والأفرنجيّةِ.
ولم نشهدْ أخيرًا إلّا رجلًا واحدًا، ألا وهو الدكتور داهش مؤسّسُ الرسالةِ الداهشيةِ.
فليس من المستغرَبِ إذا التففْنا حولَه.
عندما شاهدْنا الظّاهراتِ العجيبةَ التي تمّت على يدِ الدكتور داهش أخذَتْنا الحيرةُ في إدراكِ كيفيةِ حدوثِها، فهذه المعجزاتُ لا تتّفقُ بتاتًا مع القوانينِ الطبيعيّةِ والمقاييسِ المادّيّةِ التي نعرفُها والتي كنّا نظنُّها ثابتةً لا تتغيّر، فإذا بها مَنْقوضةٌ من أساسِها.
فَنَأْخُذُ مثلًا ظاهرةَ نقلِ الأغراضِ من مكانٍ إلى مكانٍ. فهذه الأغراضُ كانت تنقلُها القوّةُ غيرُ المنظورةِ بسرعةٍ فائقةٍ مُجْتازةً بها الحواجزَ والجدرانَ، فتنقلُ مثلًا من صندوقٍ حديديٍّ مُقْفَلٍ، ثم تظهرُ بعد لحظةٍ في غرفةٍ مغلقةٍ بعيدةٍ عن الصندوقِ الحديديّ مئاتِ الكيلومتراتِ. وهذا طبعًا أمرٌ غيرُ عاديٍّ لم نَأْلَفْه، وكان علينا أن نفهمَ كيفيةَ حدوثِه. وقد أعطتْنا الروحُ عنه شرحًا فقالت:
إنّ المادّةَ هي في جوهرِها فَرْدٌ سيّالٌ روحيٌّ حيٌّ دَرّاكٌ ومسؤولٌ. وهذا الجوهرُ الروحيُّ الفردُ هو الذرّةُ.
فعندما يُرادُ إتمامُ معجزةِ نقلِ غرضٍ مادّيٍّ تُطلِقُ الروحُ سَيّالَها على هذا الغرضِ وتُغَلِّفُه به، فتحوِّلُ المادةَ إلى جوهرِها الأصليِّ، فتصبحُ المادةُ سَيالًا روحيًّا ينتقلُ بسرعةِ الفكرِ إلى أبعدِ المسافاتِ مخترقًا كلَّ حاجزٍ يجدُه في طريقِه.
وعندما تَسْحَبُ الروحُ سَيالَها عنه تتكتّلُ هذه الذرّاتُ الروحيّةُ على بعضها في الشكلِ المعيّنِ لها.
ويتمُّ هذا التكتّلُ بفضلِ الناموسِ الطبيعيِّ السائدِ على الأرضِ والذي تخضعُ له جميعُ الموجوداتِ الأرضيّةِ. وهكذا يظهرُ الغرضُ في المكانِ المقصودِ بمظهرِه وشكلِه ووزنِه دون أيِّ تغييرٍ.
وهذا شرحٌ آخرُ عن معجزةٍ من نوعٍ مختلفٍ كنّا قد شاهدْناها مرارًا وتكرارًا:
فقد حدث أن أخذَ الدكتور داهش بُزورًا وغرسَها في الترابِ ثم رشَّ عليها الماءَ، وفي لحظاتٍ معدودةٍ نَمَتْ هذه البذورُ وازدهرتْ وأعطتْ كلُّ واحدةٍ منها ثمرَها حسبَ جنسِها، وقد تمّت هذه المعجزةُ في فصولٍ مختلفةٍ لا تُثْمِرُ فيها تلك البذورُ في الحالةِ الاعتياديّةِ. وقد ذُقْنا ثمارَ تلك البذورِ فإذا بها كالثمارِ المعتادةِ لا يُفَرِّقُ بينها فارقٌ.
ولا حاجةَ إلى القولِ إنّ هذه الظاهرةَ أدهشتْنا كما أدهشتْ كثيرًا من المشاهدينَ الزائرينَ الذين أكلوا من ثمارِها.
أمّا الشرحُ لهذه الخارقةِ فقد أعطتْنا إيّاه الروحُ إذ قالت:
إنّكم تتعجّبون عندما ترون أنّ البذورَ نَبَتَتْ وأثمرتْ في لحظاتٍ قليلةٍ. ولكنّكم لا تتعجّبون عندما تنبتُ البذرةُ وتُثْمِرُ بأشهرٍ عديدةٍ، مع أنّ المعجزةَ هي هي في كلتا الحالتين. إذ إنّ البذرةَ هي هي، والأرضَ التي تُزرَعُ فيها البذرةُ هي هي، والموادَّ والعناصرَ التي تتغذّى منها البذرةُ هي هي. فما الفرقُ إذن بين المعجزةِ الطبيعيّةِ والمعجزةِ الخارقةِ إلّا فرقُ المدّةِ.
وهنا شرحتْ لنا الروحُ أنّ البذرةَ تحتاجُ إلى مقاديرَ من موادِّ الأرضِ وعناصرِها، ومقاديرَ من أشعّةِ الشمسِ وأشعّةِ النجومِ كي تنمو وتزدهر.
أمّا القانونُ الطبيعيُّ الذي خلقَه اللهُ فقد جُعِلَ لينفحَ هذه البذرةَ ما تحتاجُ إليه من موادَّ في أوقاتٍ لا تتغيّرُ.
وعندما يُرادُ أن تتمَّ المعجزةُ الروحيّةُ، تَنْفَحُ الروحُ لتلك البذرةِ نفسَ الموادِّ والعناصرِ والأشعّةِ فجأةً أو بلحظاتٍ أو بدقائقَ حسبَ مشيئتِها، فتنمو تلك البذرةُ فجأةً أو بلحظاتٍ أو بدقائقَ.
وقد ذكّرتْنا الروحُ بما يجري في الزراعةِ حاليًّا، إذ يوفّرون لتلك البذورِ بطريقةٍ اصطناعيّةٍ العناصرَ والموادَّ التي تحتاجُ إليها تلك البذورُ، فتنبتُ وتزدهرُ وتُثْمِرُ في أوقاتٍ وأوضاعٍ تشذُّ عن الأوقاتِ والأوضاعِ الطبيعيّةِ المعتادةِ.
ثمّ أضافتِ الروحُ قائلةً:
إنّ تعجّبَكم من حدوثِ المعجزاتِ لا مبرّرَ له إلّا بأنّ المعجزاتِ خوارقُ نادرةٌ تحدثُ في فتراتٍ متباعدةٍ من تاريخِ الأرضِ وفي أثناءِ الرسالاتِ الإلهيّةِ. ولكنّكم لو فكّرتم قليلًا لشاهدتم في أحقرِ الأمورِ وأكبرِها معجزاتٍ رائعةً تتجلّى بقدرةِ الخالقِ الجبّارِ عزّ وجلّ.
فهذا الحجرُ أو هذا المعدنُ المتماسكُ الأجزاءِ بفعلِ قوّةٍ لا يتصوّرُها عقلُكم، وهذا النباتُ المتنوّعُ الألوانِ الحاملُ في ذاتِه عناصرَ تجدّدِه الدائمِ، وذلك الحيوانُ على اختلافِ أجناسِه، وذلك الإنسانُ على اختلافِ ألوانِه، وتلك العناصرُ الجبّارةُ بتنوّعِها العجيبِ، وهذه الموجوداتُ كلُّها بأنظمتِها الدقيقةِ وبقوانينِها الصامتةِ التي تسيطرُ عليها وتسهرُ على بقائِها وثباتِها، هي معجزةُ المعجزاتِ، بل هي نقطةٌ من محيطٍ لانهائيٍّ زاخرٍ بالكائناتِ والعوالمِ، وكلٌّ منها له مخلوقاتُه وقوانينُه وأنظمتُه التي لا تتغيّرُ ولا تتلاشى، بل تبقى ثابتةً على مدى العصورِ والدُّهورِ، مُتَمِّمَةً عملَها في دائرتِها الخاصّةِ التي حدّدَتْها لها قدرةُ العليِّ المُهَيْمِنِ على كلِّ شيءٍ والمُثَبِّتِ كلَّ شيءٍ بإرادتِه السَّرمديّةِ القادرةِ.
وهذه كلُّها من معجزاتِ اللهِ عزّ وجلّ.
ولكنّ الإنسانَ المسكينَ الغارقَ في جهلِه وغرورِه كثيرًا ما يتناسى تلك الحقائقَ، وما إن يُكتَبَ له أن يكتشفَ شيئًا من تلك القوانينِ والعناصرِ والقوّاتِ التي أوجدتْها القوّةُ الخالقةُ حتّى تَعْصِفَ به رياحُ الغرورِ فيظنَّ نفسَه أنّه أصبح خالقًا وموجِدًا، وما هو في حقيقتِه إلّا مخلوقًا تافهًا تائهًا عن هدفِه، ومُحَقِّرًا لذاتِه بسخافتِه التي لا حدَّ لها.
ولأجلِ هذا يتعجّبُ الناسُ عندما تحدثُ خارقةٌ تظهرُ لهم شعاعًا من تلك القدرةِ غيرِ المنظورةِ، فينتبهون إليها، وسرعان ما تَعْصِفُ بهم عواصفُ شرورِهم وكبريائِهم فيُشَكِّكون بالمعجزةِ ويُنْكِرونها لأنّها ليست من حدودِ مقدرتِهم، وهذا الأمرُ بنظرِهم من المستحيلِ.
أمّا المستحيلُ الحقيقيُّ فهو أن يصبحوا حكماءَ عقلاءَ، فيعرفوا حدودَهم ويتفهّموا حقيقةَ وجودِهم على الأرضِ، فيعملوا في سبيلِ الوصولِ إلى أهدافِهم الخالدةِ.

الجزء الثاني: دحض حجة التعليل بالتنويم المغناطيسي وبمناجاة الأرواح
الجزء الثالث:دحض حجة التعليل بالفقيرية والسحر
الجزء الرابع: تفسير الظاهرات الداهشية
الجزء الخامس: أهداف الظاهرات الداهشية
الجزء السادس: التعاليم الداهشية
(تتمّة المقال)
وعَبَثًا نَقَّبْنا في العلومِ المعروفةِ والمجهولةِ من قديمةٍ وحديثةٍ.
وعَبَثًا دَقَّقْنا وحقّقْنا في دوائرِ المعارفِ للحصولِ على رجلٍ واحدٍ في طولِ الأرضِ وعرضِها يستطيعُ أن يأتيَ بواحدةٍ من تلك الألوفِ المؤلّفةِ من الظّاهراتِ والخوارقِ التي شاهدْناها، فلم نُفْلِحْ، إذ إنّ هذا الرجلَ مفقودٌ ومستحيلُ الوجودِ.
وليس من المستغرَبِ إذا دافعْنا عنه دفاعًا جبّارًا، وإذا ملأنا الخافقينِ بأخبارِه وروائعِه، فهو الرجلُ الأوحدُ في هذا العصرِ الذي يستطيعُ أن يعطيَ الجوابَ المنطقيَّ المُقْنِعَ المدعومَ بالحجّةِ الملموسةِ والبرهانِ المادّيِّ عن سرِّ وجودِنا في هذه الأرضِ الفانيةِ وعن حقيقةِ أمرِنا بعد الموتِ.