دراسات وأبحاث

الميثولجيا بين الواقع والخيال


الميثولجيا بين الواقع والخيال
تفسير غوامض الكون والإنسان

 

 الجزء الثالث (النهائي)
بقلم المهندس جوزيف خوجا

 

الأثر الأدبي والفني لأساطير اليونان:
التيوغونيا، هسيود وكتاب الأساطير “المقدس”:

إن أقدم وثيقة أرّخت للعقائد الدينية في اليونان، يعود تاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، حين نظم الشاعر اليوناني الخالد هسيود Hesiod منظومته الطويلة “شجرة أنساب الآلهة أو التيوغونيا Theogony ” وفيها روى فيها كيف خُلِقَ هذا الكون، بأرضه وسمائه، نجومه، مائه وأناسه، نباته وحيوانه…

كما روى فيها نشأة كل الآلهة أجداداً وآباءاً وأحفاداً. وسنتناول بتفصيل هذه العصور وقصصها الجميلة ولوحاتها الرائعة لاحقًا…

ويبدأ هسيود نشيداً في مقدمة الكتاب يذكر فيه رؤيته لربّات الفنون التسعة، بنات الإلهة منيموزين من زيوس، ( منيموزين هي إبنة آلهة الأرض والسماء، وإليها ينسب اختراع الكلمات واللغة، وهي التي أعطت الأشياء أسماءها ليصبح التعبير ممكناً)، ويخبرنا قائلاً:

هؤلاء هُنَّ اللواتي عَلَّمنَ، في ما مضى،
هزيودس نشيداً جميلاً…
وهاكم الكلمات التي بادرتني بها،
أنا، ربّات الفنون الأولمبيات، بنات زيوس ذي الدرع:
“ألهمتني النشيدَ
الصُوفيَّ كيما أنبىء
بما سيكون وأُخبِرُ بما كان في سالف الزمان،
والكلام الذي لا يَكِلُّ ينساب عَذباً من أفواههن…”

لكن السؤال، تُرى هل حقاً رأى هسيود كائنات إلهيّة، هل كانت رؤية حقيقية!؟ لن نجد لهذا السؤال جواباً …

 

Parnassus by Anton Raphael Mengs


{لوحة لربّات الفنون التسعة مع منيموزين وأبوللو للفنان  Mengs Anton Raphael-
اللوحة تحمل تسمية Parnassus وهو المكان الذي يعيش فيه أبوللو مع الإلهات التسعة ربّات الشعر والآداب وكل الفنون.
هذه اللوحة رسم تخطيطي أولي لعمل من نوع الفريسكو نفذه الفنان لفيلا الكاردينال ألباني في رومة.
تضم اللوحة الإله آبوللو يحمل قيثارة، وإكليلًا من الغار يتوج هامته، وبجانبه الإلهة منيموزين ومن حواليهم بناتها الإلهات التسعة، وللفنان Raphael عمل فريسكو، شبيه نقل عنه Mengs بعضًا من التفاصيل.} المصدر ويكيبيديا.


أما الكتاب الثاني، وهي قصيدة “الأعمال والأيام” فتضم تطورات ميثولوجية كثيرة يشيع فيها النصح والدعوة إلى العدل، والقناعة وتتخللها عظات وابتهالات إلى الآلهة …


وللشاعر اليوناني الآخر: هوميروس، فضل كبير لا يقل عن فضل هسيود، في التعريف بشطر كبير من الأساطير اليونانية، فقد كان يبث الكثير منها في ثنايا ملاحمه وكانت منها الإلياذة وخصّ بها حرب طروادة…

 

 

The Apotheosis of Homer by Jean-Auguste-Dominique Ingres

 

{تضم في منتصف اللوحة الشاعر الكبير هوميروس وشخصية إلهة النصر Nike تتوجه بإكليل المجد، ومن حواليه 44 شخصية أدبية وفكرية تشاركه التكريم. يظهر أمام الشاعر فتاتين وتجسدان مؤلفاته الإلياذة في اللون الأحمر والأوذيسة في اللون الأخضر ومعها المجذاف، منهم أدباء فرنسيين ويرتدون لباس أسود، فيدياس بالثوب الأحمر مادا يده وخلفه مايكل أنجلو لجهة اليمين} المصدر ويكيبيديا.

ثم وضع الأوديسيا ، فضمّن كتابه، من أدب وفلسفة وعقيدة أخبار الآلهة وأحاديث الأبطال ، وكان منها تجارب البطل أوديسيوس وزوجته (بينيلوب) وولده.

لقد كانا، هزيود وهوميروس، شريكين في التأسيس للعقيدة الدينية ووضع تفاصيلها، هكذا كتب المؤرخين عن هذين الشاعرين. ولعلهما السجلّ الجامع لأساطيرهم.

وحين ساد الرومان العالم أخذوا في ترجمة التراث اليوناني إلى اللاتينية، إذ شغف أدباؤهم في مسرحياته فنقلوها كاملة ليقدموها في المسرح الروماني.

وربط فرجيل الروماني، (70 – 19 ق م)، الإلياذة Aeneid بالأساطير اليونانية ، ونقل ديانة اليونان الوثنية إلى بلاده واتخذها لهم ديناً، دون أن يغير في هذه الديانة شيئاً، إلا ما بدّله من أسماء آلهتها … واستحدثوا الرومان أساطير جديدة لها بهجتها ولها روعتها، لكن في ثياب رومانية، وأسماء رومانية…

“… على أن الرجل الذي ندين له بمعظم الفضل في حفظ هذه الأساطير هو بلا شك أوفيد الروماني المولود في سنة 43 ق م والمتوفي سنة 17 من ميلاد المسيح، وكان أدرك فرجيل وتأثر به… فنظم مجموعته الطويلة الأولى ، Metamorphoses … وهي التي حفظت لنا جميع ما وصلنا من أساطير اليونان والرومان.

… “وقد لعبت يد أوفيد الصنّاع في تلك الأساطير فهذبها ذوقه الفنّان، وطبعه الصافي، وأسلوبه الشائق، وقدرته التي لا تحد على وصف الجمال وسحر الطبيعة، وخلجات الأنفس، وذلك كله هو الذي ضمّن لها الخلود”… (منقولة بحرفيتها للكاتب دريني خشبة ص 22).

ثم جاء الشعراء والمفكرين، وما أكثرهم، فأطنبوا في خصائص الأرباب ووصف قواهم وتصوير ملامحهم… وبهذا فتح الميدان للفنّانين من مثّالين ومصورين فأبدعوا في نحت التماثيل، وتصوير الصور، لأرباب الأولمب، وكان أعظمهم جميعاً المثّال العبقري الخالد، فدياس، 430 BCE، الذي أشرف على بناء الأكروبوليس وضمّنَهُ تمثال آثينا المهيب المصنوع من الذهب والعاج (Chryselephantine) ، ثم طَلَب منه اليونانيين نحت تمثال لزيوس في الأولمب، سيد الآلهة فكان آية الآيات في تماثيل اليونان القديمة ، إذ حسبه أنتيبتر من صيدا Antipater of Sidon (100 BCE) وفيلو البيزنطي Philo of Bizantim (2nd century BCE) في قائمة السبعة الأولى من عجائب أعمال العالم القديم، واعتبره المؤرخ بلليني “بالذي لم يُعرَف مثيلاً له “…


أما إرتفاع الهيكل الذي سكن فيه الإله زيوس فكان أكثر من 20 متراً وقياسه أربع وستين مترا (مترا 64.12 ) بعرض أكثر من سبع وعشرين متراً ( 27.68 متر ) ونحتت على واجهاته الأربعة أعمالاً عظيمة الجمال وعُرِفَ الهيكل ” بمسكن الآلهة “naos ” أما أعمدته فكان قطرها يتجاوز المترين… وجعل ارتفاع التمثال الجالس على عرشه، أربعين قدماً أو حوالي 12 مترا، وارتفاع قاعدته اثني عشر قدماً، …

 

The Olympian Jupiter by Phidias

Antoine_ChrysostomeQuatremere de Quincy 1814 

  

{لوحة لرب الأرباب زيوس جالساً على عرش الألوهة في هيكله ماسكاً في يمينه تمثال النصر Nike وفي يساره صولجاناً حالساً عليه النسر وعلى ثوبه الزهور الرائعة وهو من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم من صنع فدياس العظيم.

تمثال زيوس رب الأرباب، وفدياس العظيم:
قام فدياس بنحت، بما يليق بسيد الآلهة من جلالة وعظمة، تمثالاً من العاج والذهب (وكان يعرف ب- Zoon The Living Thing ) وساعده أخاه بانينوس في تزيين العرش وقاعدته بالصور الرائعة..
ووضع على رأس الإله إكليل من براعم ورق أغصان الزيتون المصنوعة من الذهب ووضع في يد الإله اليمنى تمثالاً صغيراً لإلهة النصر “نايك Nike ” مصنوعاً من العاج والذهب وترتدي شريطاً على رأسها أيضا من العاج والذهب، وفي يده اليسرى صولجاناً مُطعماً بكل أنواع الأحجار الكريمة، ونِسراً جالساً عليه، وأُلبِسَ الإله ثوباً ذهبياً نُقِشت عليه أزهار الزنبق الجميلة ووضع في قدميه خفين من الذهب.
أما عرشه فكان من خشب الأرز (مراجع تذكر الخشب الأسود ebony ) المزخرف بالصور المكفتة بالذهب والجواهر الثمينة. وكان مزين بالنحت Relief من الميثولوجيا والسفينكس shynx ولوحات لربّات النِعَم Graces ، وربّات الفصول Seasons ، ثم إلهة النصر Nike).
أما أسفل قاعدة التمثال فكانت من الرخام الأسود (المعروف بال Elusinian ) فرسم عليها تماثيل صغيرة لأبوللو وأرتميز وهم يصوبون على أولاد أنيوبي، وحادثة ولادة أفروديت، وغير ذلك الكثير من قصص الميثولوجيا … ومن ثم توقيع صانعه “الأثيني فيداس إبن خرميدس “… “Phidias, son of Charmides, an Athenian, made me”
هكذا وصفه لنا الرحّالة بوثانياس ( Pausanias ) في القرن الثاني للميلاد… وكان يُعَرِفَهُ بالإله والمكان المقدس “Naos in greek Mythology “.}


وكان الأثر الذي يبعثه في النفوس عميقًا لتزيد قوة إيمانهم بآلهتهم وبعبادتها وغرس الديانة اليونانية الأسطورية في قلوب الشعب. وقد اعتمد فدياس في نحت تمثاله على وصف هوميروس لسيد أرباب الأولمب الوارد في الإلياذة وعُدَّ كما ذكرنا من عجائب الدنيا السبع، وكان يحج إليه كل من استطاع الحج، ووصفه القائد الروماني فاتح بلاد اليونان Paulius بأنه أجمل تمثال على وجه الأرض، واستولى عليه الرعب حين رآه لعظمته ومهابته…

ومنذ العام 776 ق.م. ظهرت الألعاب الأولمبية تقليدًا مهماً، إلى أن أصدر الأمبراطور ثيودوسيوس الأول عام 393 ميلادية، مرسوماً بمنع كافة الإحتفالات الوثنية، وكان ذلك نهاية لهذا التقليد العريق بعد مرور حوالي ألف عام عليه، وفي العام 395 ميلادية إنتقل الإله زيوس الى القسطنطينية…

وفي العام 426 ميلادية أصدر الأمبراطور ثيودوسيوس الثاني مرسوم حَرَّم به كافة التقاليد الدينية التي تعود للأساطير وفي العام 522 ميلادية يدمر التمثال الإله بسبب زلزال وتسونامي، ويتكرر الزلزال في العام 551 ميلادية وكانت آثاره مدمرة للإله العظيم،
بينما يقال أنه في العام 475 ميلادية، وكان فَقَدَ إعتباره الروحي والفني بسبب المراسيم الأمبراطورية، أتى حريق لينهي وجود الإله نهائيًّا… ليبقى ذكرى في تاريخ البشرية وتبقى معه آلهته حاضرة في العالم في آدابه فنونه وموسيقاه، وحتى في الكنائس والأضرحة المسيحيّة،…

 The Last Judgement by Michelangelo di Lodovico Buonarroti Simoni






{لوحة الجدارية ليوم الدينونة، كنيسة السستين، للفنان مايكل أنجلو
وتحتها التفاصيل لشارون في القارب وهو ينقل الأثمة، ومينوس القاضي، ابن زيوس وأوروبا، في الجحيم وحوله الأفعى في رسم فني رمزي له، فكتب دانتي في الكوميديا الإلهية أن شارون، (Son of Erebus or drakness and Nyx or night) كان ينقل الآثمين بمركبه لعبور نهر ستيكس في الجحيم وشارك القاضي مينوس من الميثولوجيا (إبن زيوس وأوروبا) يحكم المدانون في لوحة يوم الدينونة في كنيسة السستين لأنجلو كما ذكر دانتي في جحيمه كيف مُسِخ الإنسان ثعباناً ثم تحوّل الثعبان ثانية إلى إنسان..}

أما في منبر كاتدرائية بيزا الإيطالية بقيت فينوس الحيية تغطي من عُريِها لتذكرنا بحواء زمن جنة عدن، وبقي هرقل لا يخجل من عريه مثل آدم، ويذكرنا بشمشون العظيم …،




{صورة منبر كاتدرائية بيزا Cathedral Sainta Maria إيطاليا للفنان Giovanni Pisano وتظهر فينوس المحتشمة Venus Pudica على جانب القاعدة ومن ثم هرقل العاري واقفًا ما بين القاعدة والقناطر وأخرى في المنبر الثاني وتظهر فينوس المحتشمة على الجانب الأيمن من الصورة .}

ولم تختفِ الأساطير من حضورنا الإنساني في الفن والموسيقى وما زالت بالرغم أن البشر أداروا ظهورهم لها ولتاريخها وربما قد يكونوا أحرقوا الإله كما فعلوا بالمصلحين الكثر…

فتبقى بعض النقود القديمة حاضرة لتظهر عظمة هذا العمل المعجزة وتعود لزمن الإسكندر الكبير ومن بعده للأمبراطور الروماني هادريان في القرن الثاني قبل الميلاد…

تمثال أبوللو، معبد أرتميس وعجائب الفنون اليونانيّة والرومانيّة:
ولم يتوقف الفنانين عن إظهار مواهبهم في تكريمهم للآلهة فصنعوا أعمالا رائعة عُدّت أيضاً من عجائب السبع للعالم القديم، مثل تمثال، لإله الشمس هليوس وأنهي بناؤه في العام 282 ق. م. وصانعه Chares of Lindos، وصُنِعَ من البرونز، كان يرمز الى الحرية ويعلو إرتفاع مائة وخمسة أقدام وكان يستخدم منارة للسفن وكان يرفع بيده ضوءًا وكان يرمز إلى الحرية التي تستمتع بها رودس، وكان يعد أيضا إحدى عجائب الدنيا السبع. ( بلغ إرتفاع تمثال الحرية في نيويورك مائة وإحدى وخمسين قدمًا من القاعدة إلى طرف الشعلة).


أما معبد الإلهة أرتميز في أفسس التركية فقد وصفه أحد المؤرخين في العام 550 ق.م. “… عندما رأيت بيت أرتميس التي وصل إرتفاعه إلى الغيوم، فقدت تلك الأعاجيب (المقصود السبعة في العالم القديم) الأخرى بريقها وقلت ” يا للعجب، باستثناء أوليمبوس، لم ترى الشمس أبداً شيئاً بهذه العظمة” وكانت أعمدته تتجاوز 13 متراً وهو ذات جمال فني عظيم… (يعد أيضا من عجائب العالم القديم العظيمة).


المراجع واللوحات الفنيّة:

  1. قصة الحضارة ديورانت الجزئين 7 و 8 حياة اليونان
  2. الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع تإليف ثروت عكاشة
  3. مسخ الكائنات الشاعر أوفيد، ترجمة ثروت عكاشة راجعه عن اللاتينية د. مجدى وهبه
  4. أساطير الحب والجمال عند اليونان تإليف دريني خشبة
  5. قصيدة الأعمال والأيام لهسيودس دراسة د. محمد سليم سالم
  6. أنساب الآلهة هسيود ترجمة صالح الأشمر منشورات الجمل.
    7 Sphinxes : a female monstrous with a womans head , a lions body and eagles wings and (Amazons : fierce female race of warrior)
    8 Zeus at Olympia by Mark Cartwright research publication on the internet License
    9 Encyclopedia Wikipedia for the pulpit of Giovanni Pisano

1 Apollo and the nine muse’s daughter of Mnemosyne and Zeus…
1 Apotheosis of Homer by Jean Auguste Dominique Ingres
2 Sistine Chapel Angelo Judgement day with details Minus and Charron…
لوحات لمنابر كنيسة بيزا إيطاليا لتماثيل فينوس وهرقل. عدد 2 …
1 Zeus paintings.

error: Content is protected !!