في ذكرى ميلاد الدكتور داهش
ولكن، بالرغم من عصيانهم، لم تتركهم محبّةُ الله ورحمتُه بلا إرشادٍ وهداية، بل وفّرت لهم طريقًا للعودة إلى جنّات السماء التي هبطوا منها. فتطوّع السيّالُ الروحيّ العشرون لإنقاذ الملائكة الساقطين عبر الاندماج بآدم.
وبعد سقوط آدم وحوّاء من الجنّة الأرضيّة، استمرّت محبّةُ الله ورحمتُه على مرّ العصور من خلال عددٍ كبيرٍ من الأنبياء والرسل والمرشدين، فجميعهم من مصدرٍ إلهيٍّ واحد، وهم منبثقون من كيان المسيح الروحيّ.
إنّ الكلمات لأعجزُ من أن تستطيعَ وصفَ عظمةِ التضحيات التي قدّمتها جميعُ تجلّيات المسيح، فقد تعرّض الكثيرون للاضطهاد والتعذيب والسجن والسخرية والقتل. ويُعدّ اضطهادُ السيّد المسيح وصلبُه، وكذلك اضطهادُ الدكتور داهش وإعدامه، أمثلةً بارزةً على ذلك.
ما هو أثرُ تعاليم السيّد المسيح وصلبه على البشريّة؟
لولا تعاليمُه الأخلاقيّةُ السامية، لكان العالم قد استمرّ في طقوسه الوثنيّة وقسوته المفرطة في التعامل بين البشر، وغيرها من السلوكيّات غير الأخلاقيّة. وللأسف، مع مرور الزمن، أُصيبت المسيحيّة—كما هو الحال مع جميع الأديان الأخرى—بتشويهاتٍ وانحرافاتٍ عن التعاليم الأصليّة. وعلى مرّ الأزمنة، دخلت البشريّة في “العصور المظلمة” المروّعة، ثم خرجت منها تدريجيًّا بعد قرونٍ مع بزوغ عصر النهضة. فمن الظلام انبثق النور، واستمرّ هذا النور في التوهّج أكثر فأكثر مع التقدّم الكبير الذي شهدته الآداب والفنون والعلوم والفلسفة. إلّا أنّ التقدّم الروحيّ والدينيّ والأخلاقيّ لم يواكب تلك الخطى، بل ما انفكّ يسير في انحدارٍ وتقهقرٍ مرعبَيْن.
في الأوّل من يونيو عام 1909، شاءت العنايةُ الإلهيّة أن تُحيي نورَ الهداية من جديد، فانبثقت شرارتُه مع ميلاد سليم العشّي، المعروف بالدكتور داهش.
وقد تنبّأت الكتبُ المقدّسةُ والقرآنُ الكريم بعودته وبقدومه.
إنّ رسالتَه في جوهرها هي رسالةُ محبّةٍ ورحمةٍ وتنويرٍ وهدايةٍ روحيّة، لكنّها أيضًا رسالةُ تحذيرٍ من اقتراب اليوم الأخير، ومن دمارٍ وشيكٍ للأرض. فكثيرةٌ هي النبوءاتُ في هذا الصدد التي تتنبّأ بدينونةِ الله الشاملة على الأرض بسبب معصية البشر، ومنها:
«هُوَذَا الرَّبُّ يُخْلِي الأَرْضَ وَيُفْرِغُهَا، وَيَقْلِبُ وَجْهَهَا وَيُبَدِّدُ سُكَّانَهَا. وَكَمَا يَكُونُ الشَّعْبُ هَكَذَا الْكَاهِنُ. كَمَا الْعَبْدُ هَكَذَا سَيِّدُهُ. كَمَا الأَمَةُ هَكَذَا سَيِّدَتُهَا. كَمَا الشَّارِي هَكَذَا الْبَائِعُ. كَمَا الْمُقْرِضُ هَكَذَا الْمُقْتَرِضُ. كَمَا الرَّابِحُ هَكَذَا الْخَاسِرُ.تُفْرَغُ الأَرْضُ إِفْرَاغًا وَتُنْهَبُ نَهْبًا، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْقَوْلِ.تَنُوحُ الأَرْضُ وَتَذْبُلُ. يَضْعُفُ الْمَسْكُونُ وَتَذْبُلُ. يَضْعُفُ مُتَكَبِّرُو شَعْبِ الأَرْضِ.وَالأَرْضُ تَدَنَّسَتْ تَحْتَ سُكَّانِهَا، لأَنَّهُمْ تَعَدََّوْا الشَّرَائِعَ. غَيَّرُوا الْفَرِيضَةَ. نَقَضُوا الْعَهْدَ الأَبَدِيَّ.لِذلِكَ لَعْنَةٌ تَأْكُلُ الأَرْضَ، وَالْجَاسُونَ فِيهَا يُعَاقَبُونَ. لِذلِكَ يَحْتَرِقُ سُكَّانُ الأَرْضِ وَيَبْقَى أُنَاسٌ قَلِيلُونَ». (إشعياء ٢٤: ١-٦).
في الأوّل من يونيو من كلّ عام، يحتفل الداهشيّون والداهشيّات في جميع أنحاء العالم بميلاده ويكرّمون ذكراه، حاملين في طيّاتهم وذواتهم مسؤوليّةً كبيرةً تتمثّل في مشاركة تعاليم الرسالة الداهشيّة مع إخوتهم وأخواتهم في الإنسانيّة، آملين أن يُسبغ الله نورَ هدايته ورحمتَه على الجميع.
هيئة التحرير
في التعاليم الداهشيّة أنّ العصيانَ لأوامرِ الله عزّ وجلّ أدّى إلى سقوطِ العديدِ من الملائكة، الذين هبطوا نتيجةً لذلك إلى الجنّة الأرضيّة في صورةِ آدم، أبي البشريّة الأعظم.
لقد ترك الدكتور داهش جنّتَه السماويّة آتيًا إلى أرضِنا المليئةِ بالشرور لينير دربَ البشريّة ويهديها إلى المثلِ العُليا من محبّةٍ وعدلٍ وحرّيةٍ وصلاح. كان ذلك يومًا مجيدًا لنا، وهبةً من الله للإنسان. أمّا بالنسبة إليه، فقد كان بدايةَ مسيرةِ حياةٍ مليئةٍ بالعذاب والألم والمعاناة، إذ أمضى حياتَه في غربةٍ روحيّةٍ بعيدًا عن فردوسِه السعيد. ومع ذلك، لم يتوانَ عن تأدية رسالتِه رغم كلّ العذابات والآلام.