بين الحقيقة والوهم
بقلم الكاتب حسين يونس
تحدَّثنا في المُقدِّمة عن بدء الصِّراع بعدما فقدت السيَّالات الروحيَّة القدرة على رؤية وحدة الجوهر، ومعه بدأ الصِّراع بين الآلهة. ولكن قبل البحثُ في ذلك، لا بُدَّ من سؤالٍ جوهريّ يراودني ويراود الكثير من الكائنات، ألا وهو:
“بما أنَّ اللهَ جلَّ جلاله خلقَ الأرواحَ على مِثاله، وأودعَ كلَّ روحٍ قدسيَّةٍ ستَّ مئة سيَّالٍ روحيٍّ يحملُ جوهرَ النفحةِ الإلهيَّةِ الخالدة، ومنحَ كلَّ سيَّالٍ منها إرادةً حرَّةً وقُدرةً عجيبةً ومعرفةً تتجاوزُ حدودَ الزمانِ والمكان، ثم جعل في ثلاثمئةٍ من سيَّالات كلِّ روحٍ نزعةً تتَّقدُ بها أشواقُ الخير والحقِّ والجمال والنور، بينما جعل في السيَّالات الثلاثمئة الأخرى هذا الانجذابَ خامداً خافتاً، وذلك إخضاعًا لها لتجربة الحُرِّيَّة والاختيار وتحمُّل المسؤوليَّة وتبعاتها ابتلاءً وامتحاناً وتكليفاً. وكانت نتيجة هذا الإبتلاء الذي أراده اللهُ بحكمةٍ لا تدركها العقول، وسرٍّ لا يعلمه إلاَّ هو، أن ارتقى كثيرٌ من السيَّالاتِ الروحيَّةِ في معراج الكمال الإلهيّ، وخرجَ الكثير من دائرة عوالم الأرواح، وهبط كثيرٌ آخر في دركاتِ النَّقص والجَهل. فإذا كان الأمرُ كذلك، فلماذا فَصَلَ الخالقُ بين السيَّالات؟ ولماذا قسَمها إلى قِسمين متعادلين، وكأنَّ الميزانَ الكونيَّ لا يقوم إلا على هذه القسمة؟ ولماذا كان لا بدَّ للخير من نقيضٍ يعاكسه، وللنُّورِ من ظلٍّ يضادُّه، حتى تتحقَّقَ تجربةُ الحريَّةِ التي أرادها؟”
لكن قبل الخوض في غمار كتابنا ” صِراعُ الآلهة” بما يتضمَّنه من عناوينٍ فرعيَّة، لا بُدَّ من إلقاء الضوء على حقيقة جوهريَّة؛ أنَّ ما أكتبُه هنا، وكل ما سَيَرِدُ لاحقاً من اجتهادِ فكرٍ، وثمرةِ تأمُّلٍ، ونتاجِ ما تعلَّمتُه من الفكر الدَّاهشيّ، وما مَزَجتُه برؤيتي الخاصَّة من مَشاهدَ خياليةٍ، تصوُّريَّة، وتأمّلاتٍ في العوالم الروحيَّة. هو ليس “إلهاماً” بالمعنى الدينيّ الخاصّ، ولا هو “وحي” بمعناه المُتَّفق عليه في كتبِ العقائد. حيثُ لم تَهُبَّ عليَّ نسماتُ “جبريل”، ولا كَلَّمني اللهُ من وراءِ حجاب. أنا فقط إنسانٌ يَختلِجُ في نفسِه أفكارٌ، وتتَوالى على قلبِه خواطرُ، وتَنبَعِثُ من روحِه أسئلةٌ، ثمَّ يُحاوِلُ أن يَصُوغَ كلَّ ذلك بكلماتٍ، لا أكثرَ من ذلك، ولا أقلَّ.
هي محاولةٌ من سيَّالاتي المُبعثرة في هذا الكون الفسيح لترجمة مشاعرها وفلسفتها العميقة في قوالبٍ قصصيَّة ورمزيَّة، وهي قابلةٌ للخطأ والصواب، ولا تُلزمُ أحداً بتبنِّيها كحقائقَ داهشيَّة. إنَّما هي دعوةٌ لمشاركتي هذا “الخيال الفكريّ”، لعلَّنا نجد فيه ما يلمسُ أَرواحنا، مع بقاء التَنزِيه الكامل لمصادر الوحيّ الإلهيّ الحقّة وقُدسيَّته عن أي تشويهٍ أو إدِّعاء.
وبالتالي، فإنَّ كتابي هذا لا يُمثلُ إلا “وجهة نظري الشخصيَّة” ونتائج تفكيري وتخيُّلي الخاص، ولا يعبِّر عن الفكر الداهشيّ او تفسيره. فإن أصبتُ في بعضِ ما أقول، فذلك من فضلِ الله عليَّ، ثمَّ من فضلِ ما تعلَّمتُه من مشكاةِ النبوَّةِ الداهشيَّة والفكر الداهشيّ. وإن أخطأتُ، فمن نفسي ومن قصورِ فهمي، ومن طبيعتي البشريَّة التي تَخطئُ وتُصيب. كما أرجو من القارئِ الكريمِ أن يَقرأُ بروحٍ أكثرَ انفتاحاً، وقلبٍ أقلَّ تَحرُّجاً، لا كأنَّها حقائقُ مُنزَلة، بل كأنَّها أضواءُ كاشفةٌ على طريقٍ كلُّنا فيه سائرون، وأن يَغفِرَ لي، وألاّ يَحمّلَ كلماتي فوقَ ما تَحمِل، وألاّ يَجعَلَها حُجَّةً إلاَّ على نفسي.
لم تكن الأسئلةُ لتُطرَحَ لو كانت إجاباتها في متناول الأيدي. ولو كانت الحقيقةُ مَشاعاً يُنالُ بغيرِ إحتراق، لَمَا صَارتْ نوراً يُستضاءُ به. وعليه كان لا بُدَّ من العروج نحو منبع الحقيقة المُطلقة، ليس عروجَ الأَجساد، بل عروجَ الأَرواح الى قبَّة السَّماوات القصيَّة. عروجاً إلى سدرة المُنتهى حيثُ يرقصُ العرشُ هيبةً وجلالاً، لمعرفة الأجوبة على ما يُراودنا من أسئلة تنهشُ سكون سيَّالاتنا.
ولكن كيف يكون ذلك؟! ونحن نلبسُ أجساداً ترابيَّة، محدودة الإِدراك والحواس، تَرسفُ في أغلالِ المادَّة، ومُقيدةً بقوانينٍ فيزيائيَّة لا نستطيع تخطِّيها.
لننطلق من نقطةٍ تقف على حافّة الهاوية في فضاءٍ لا مُتناهٍ. نخلع المادّة وما يُثقِّلُ الرُّوح، نخلع الماضي بندوبه وجراحه، والمستقبل بأحلامه ومخاوفه، وننفصل عن الحاضر بأوهامه ومتاهاته. ننتزع من النَّفسِ إدراكها ونزعاتها، بعاداتها وأهوائها، نتلفَّعُ بالأثير ونركبُ أمواج النُّور، نترك المألوف لنخوض عُباب المجهول، نمضي للقاء الصَّفاء الأقصى، الى العالم الآخر. 
لم يكن العروجُ إلى قبَّة السَّماواتِ القصيّة رحلةً ميكانيكيّةً تقطعُها المركبات الفضائيَّة بوحشةِ الانفراد، حيثُ لا تَقوى السيَّالاتِ الضعيفة على اختراقِ حُجُبِ العِزَّةِ الإلهيَّة إلاَّ إِذا احتَمَت بسيَّال النُّور الذي يحملُه الحبيب الهاديّ من ذاك الأبِ السَّماويّ. نرسم الرمز المُقدَّس كجوازٍ للعبور الكونيّ وتفعيلٍ للبوَّابات السَّماويَّة في عوالم التردُّدات الهائلة والأنوار الخاطفة، ما يُمثِّلُ تردُّداً سقط من الرُّوح لحظة خروج سيَّالاتها الى عوالم المادَّة. برسمه عمليَّة جذبٍ تسحبُنا الى أعلى، وكلمة السرِّ لإستعادة الذاكرة الأثيريَّة، تجمع بين السيَّالات الروحيَّة الطَّليقة للعبور نحو الحقّ والخير والجمال كفعل إستحقاقٍ، تربطُ تناغمها وتمنعها من الشَّطط أثناء رحلة العروج.
برفقةِ الحبيبِ الهادي، العروج ليس سَفَراً عبر المسافات، بل تبديداً للظِّلال وسلسلة من الإنكشافات التردُّديَّة، لا تنتقل من مكانٍ الى مكان، بل تعلو من حالٍ الى حال، تتحرَّك سيَّالاتنا خلف وهجه عبر بوَّابات النُّور. فهو القطبُ الأسمى الذي يحمينا من التشتُّت في مدارات الضِّياء الشاسعة، ، لتغدو الرحلةُ مَعهُ محراباً كونيّاً صامتاً، يُعيدُ فيها صياغةَ جوهرِنا ليتناغمَ مع قداسةِ العُلا وعظمةِ القبةِ السَّماويَّة.
بصحبة الهادي الإلهيّ، لا تعودُ السَّماواتُ أبعاداً مجهولةً مُخيفة، بل مساراً موعوداً تحت كنفه، فهو يَعرفُ مَنعرجاتِ القِباب، نعبرُ بوَّابة الوهم، حيثُ تنتهي غفلة الوعي، نعود إلى حيث كنَّا قبل أن نكون، فإذا بكل ما حَسِبناهُ حُلماً كان هو الواقع، وأنَّ ما توهمناه واقعاً ملموساً لم يكن سوى ظِلالٍ باهتةٍ عَبَرَت أثيرَ الزمان. هو الذي يفكُّ لنا كود الطريق، ليس كأرقامٍ تُحفظ، بل كتردُّدٍ يُستعاد، يحملُ البَصْمة السماويَّة التي تفتحُ بوَّاباتِ العبور من ضيقِ المادَّة إلى وسعِ الأثير، تصيرُ أبواباً مألوفةً تُفتحُ أقفالَها لِرائحتِه التي تسبقُ إشعاعاتِ سيَّالاتنا، حيثُ تتلاشى قوانين المادَّة أمام هيبة حضوره وهو يَمضي بنا عِبرَ دوائر النُّور. فأنَّما اتَّجهَ نُورُه، اتجهَ بَصرنا؛ بِيَدِه العُروج، وبِيَقينِه النَّجاة.
يُعلمُنا كيف نَخلعُ عَنّا أثوابَ الترابِ رقيقةً تِلوَ الأخرى، لننفضُ عنَّا غُبار الزَّمن، نغتسلُ بأنوار الحقيقة، ونتلحَّف بضياء الجوهر. يترجمُ لسيَّالاتِنا القاصرةِ نِطقَ الأزلِ قبْلَ أنْ نَصل، لكي لا تَحترقَ شَفافيتُنا بِصعقِ الجلال. نستنبطُ أنَّنا لسنا مَتروكين لِرياحِ الوهم، يتغيَّر موقعنا في الوجود دون أن يُمسّ جوهر النُّور، حيثُ أنَّ العزَّة الإلهيَّة وضعت نظاماً دقيقاً يمنع ضياعنا للأبد، فجعلت لَنا من جِنسِنا النُّورانيّ دليلاً حبيباً هادياً يُدرك أوجاع نفوسنا وأشواقها، يعمل على جمعِ سيَّالاتنا، لِيُعيدَنا إلى المِحرابِ آمنين، مُطهرين.
في رحلة الصُّعود، تَنفتِحُ أمامَ بصيرتِنا عوالمٌُ لا يَحدُّها خيالٌ بشرِيّ، صِيغتْ من مادةِ الأحلامِ القُدسيّة وجوهرِ اليقين، نشهدُ عوالمَ تَبدو كأنها محاريبُ كونيّةٌ واسعة، تُشكِّل دوائر نورانيَّة تَنبعثُ منها موسيقى ذاتيَّة الإنبثاق، تُشنِّفُ الآذان في روعتها، في نغماتها فيضٌ من النُّور يخترقُ كياننا، بحرٌ من الألحان ينسابُ كخيوطِ الحرير، يبدأ ولا ينتهي. نسمعُ رنينَ العدم وهو يتحولُ إلى وجود، ونسمعُ دقاتِ قلبِ الحقيقةِ كحفيفَ أجنحةِ النور وهي تضخُّ الحياةَ في الأثير، لتُشكِّل المجرَّات والسُّدم ملحمةً كونيَّة كُبرى ترقصُ على الإيقاع المجرّيّ حول محور الحقيقة، رقصة تسبيحٍ كبرى تُؤدّيها الأكوانُ جَذلاً بوجودِ باريها، لِتُكملَ لَوْحةَ الجمالِ الكليّ أمامَ العَرشِ الإلهيّ.
وفجأةً، نقفُ مع الهادي الحبيب أمامَ بحيرةٍ، ماؤُها لا يُبلِّلُ، بل يُطهّر، يغرفُ لنا بِيَدِه من هذا الضياء ليرشَّه على رأسِنا الرحمةِ الواسعة في كيانِنا، يسكب في ممرّات روحنا خلاصة الحقيقة، فتنتقل المعرفة من عقلنا إلى كينونتنا، حيثُ يشتدُّ تأججُ النور، فتشتعلُ عاطفتُنا الكونيةُ حتى تكادُ تذوب. يهمسُ في رُوعِنا:”انظروا.. هُنا تُخلقُ الأبديَّة، وهُنا يَنتهي وَهْمُ الانفصال.”
عند مطلعِ السماءِ الأولى، يُخاطبنا بلغته النورانيَّة وصوته الموسيقي الذي يوقظ ترنيمة الأزل، فيقول:” هنا ينتهي زمنُ الظَّن، ويبدأُ زمنُ العِيان، مرحباً بكَم في أوَّلِ منازلِ الحقّ.” لم يكن الشعورُ مجرد وصولٍ لمكان، بل رعشةَ سكينةٍ عميقة تجعلُ الصمتَ أجمل من أيِّ كلام، وكأنَّ سيَّالاتنا قد استقرَّت في حِضنٍ أبويٍّ كانت تحنُّ إليه منذ الأزل. يحدثُ ذلك الإنخلاع الرهيب، تنفتحُ مغاليق الأثير، لتبدأ السيَّالات بإستعادة ذاكرتها الأولى، نستنير على فضاءٍ نورانيٍّ بلا أفق، نطفو في فيضِ الوجود الإلهيّ، حيثُ تبدأُ كثافةُ المادَّةِ بالإِنحلالِ وتشرعُ القوانينُ الترابيّةُ في التراخي.
يتبيَّن لنا أنَّ السواد الذي كنَّا نراه من عالم الأرض، كان حجاباً لبحارٍ من الأنوار والألوان التي لا إسم لها في لغاتِ البشر. هنا يَشخصُ نور الحقّ شفَّافاً، مُتخفِّفاً من حُجُبِ الزَّمان كما قذفته بارقة القوَّة الأزليَّة الموجِدة، غمرَ كِياننا سكونٌ لا يشبهُ صَمْتَ العَدَم. كانت سيَّالاتنا ترتجفُ عند عتبةِ المجهول، تتهيّبُ فقْدَ جاذبيةِ المادَّة وتخشى التلاشي في برْدِ الأثيرِ الشاسع. في تِلك اللحظة، امتدَّت يَدُ الحبيبِ الهادي ورسمت على جبيننا نجمةً خُماسيَّةً تزيِّنها أحرفٌ ستَّة لتجذبَ إشعاعِ سيَّالاتنا، مَنحتنا الثَّباتَ وسطَ الفراغ، غمرتنا بوهجِ نورها كشمسٍ أزليَّة، أضاءت الطريق، وأَذابتْ ذلك الجليدَ وحوّلتْه إلى طاقةِ انطلاقٍ نَحوَ الأَعلى.
سَرتْ في عروقنا الأثيريةِ مَوْجةٌ من الحنانِ المُقتدر، ما أَزَال خوفنا، ولم يعُد لِلرَّهبةِ مَكانٌ في مَدارنا، أدركنا أنَّ الخوفَ لم يكن إلا نَقصاً في الرُّؤية. لم تكن مُجرَّد رَسمٍ هندسي، بل كانت رمزاً نُورانيّاً خطَّها بِيَدِ الجبروت في لُبِّ كِياننا، تتوهج ككيانٍ حيٍّ مُتَّصلٍ بالأَزل لتكونَ مِرسَاةً للحقِّ وسط أمواج التَّيْه. لم تكن مَسّةً ماديَّة، بل كانت عِناقاً للتردُّدات، لا بل كانت بِمثابةِ لمسة الرَّوح التي تحرّك سواكن القلب.
في تِلك اللحظة، فَهِمَنا معنى الرَّمز المُقدَّس، كان مفتاحاً لشيفرةٍ مُغلقة في صدورنا، يستمدُّ قوَّته من الحقيقة الأزليَّة، يتجاوز منطق العقل الجاف ليتَّصل بمنطق الوحي الإلهيّ، فيه القدرة على تحويل ألم المادَّة الى جمال الأمل الروحانيّ وسط عواصف الوهم، لا بل كان هو مُحرِّكُ العروج ودرعُ الثَّبات ومَنعةٌ تحمي وبوصِلةُ الحقّ وعلمُ اليقين. فكلُّ رأسٍ من رؤوسها الخمسة يُمثلُ قُطباً لا يَقهر، تنبثقُ جميعها من نقطةٍ ثباتٍ واحدة تربطُ الكلَّ بالموجد، وكلُّ حرفٍ من حروفها يُمثِّلُ هادياً من هُداة الله، ينفخُ من أنفاسه الإلهيَّة في ناي الوجود.

هنا، في مِحرابِ السَّماءِ الأولى، يَنكشفُ الحِجابُ عن فيضٍ نورانيّ، ذاتيّ الإنبثاق، تتدفقُ من ذرَّاته الأثيريَّة شلالاتُ السَّنا السَّرمدي، لِتُعلنَ أنَّ الضياءَ ليس شَيْئاً نَراهُ بل هو الحقيقةُ التي نَصِيرُها، حيثُ تخلعُ السَّيالاتُ الروحيَّةُ رِداءَ التَّلقي، لتستحيلَ زَفيراً كونيّاً يَنبعثُ من قَلْبِ جَوْهرِها الأصيل. هنا، بوابةُ الخلق الأول، رَحِمُ المَشيئة الذي لا يَزالُ دافئاً بِنارِ الخَلْقِ التي لم تَنطفئ بَعد، والموضعُ الذي انشقَّ فيه رِداءُ الأزلِ لتخرجَ منه أولُ نأمةٍ للحياة في عوالم المادَّة. هنا، شَهقةُ المَوْجِد، الحبِّ الأول التي اهتزَّ لها العدمُ فصارَ وجوداً، إستحالَ أنواراً وعوالم. تَرى داخلَ مَوْجِ النُّورِ المتأججِ صُوَرَ المَجراتِ وهي تُخلق، وصُوَرَ السَّيالاتِ وهي تَنبثقُ كَشلالاتٍ من اليقين… مَن ذَابَ فيها غَدَا سِرّاً من أسرارِ المَلَكوت، ومن عَبَرَها الى الدرجات العُلى من عوالم الأرواح صارَ نُوراً لا يَمَسُّه الأفول.
من هنا، ننطلقُ نحو سدرة المُنتهى، الى قلبِ السُّكون؛ حيثُ الزَّمانُ عقيمٌ لا يَلِدُ لحظة، والمَكانُ صمْتٌ لا يعْرفُ جهة، ننطلقُ الى السَّماوات العُلى برِحلةٍ لا تُقاسُ بالمسافاتِ ولا بالزَّمان، بل كإنخلاعٍ تردُّديّ يَنتهي عندها طوافُ العقول، وتَقِفُ عندها السَّيالاتُ حاسرةً بَصيرةَ اليقين. فالسيَّالاتُ هنا لَا تَقْطَعُ الفَيَافِيَ الأَثِيرِيَّة لِتصِل، بل هي تتمدَّدُ لِتحتوي ما كانت تظُنُّهُ بعيداً. فالسَّماوات مراتبُ كَشْفٍ، وليست طبقاتٍ مكانيَّة. فعندما ترتفعُ ذبذبات سيَّالاتنا تنطوي المسافات طيَّاً، لِتبدأَ مَرحلةُ التَّجلي الذي لا يُحَد، وهذا ما ينقلنا من مقام الكَون الى مقام المُكوِّن. حيثُ عصبُ الخلق والخليقة ضاربةٌ عروقها في بحرِ القُدُس، الممتدُّ من عتبةِ العَرش إلى أغوارِ السَّموات، تَحملُ ثمارَ الأكوانِ التي لم تُخلقْ بَعد.
هنا، يغدو الوجودُ شفافاً، يتقاطعُ الأزلُ بالأبد، حيثُ بلغتْ الأرواحُ ذروة العشقِ الإلهيّ، فاستحالتْ نوراً يطوفُ حولَ مَقامِ المُطلق. تَتوقّفُ عندها رحلةُ السَّيالاتِ من عالمِ الكثرة لِتُواجِهَ عالمَ الوحدة، وتَشهدُ الكلمة قبل أن تنفجرَ شلاَّلات الضياء، وبداية الخَلْق، وتُدركُ أنَّ عِناقَ البداياتِ والنهاياتِ هي شؤونٌ لِحقيقةٍ واحدةٍ تسكنُ في مِحرابِ قلبك.
نبحثُ عن الحقيقة داخل عوالِمِ التَّجَرُّدِ العُلويّ، حيثُ الأنوار الإلهيَّة الدَّائمة السُّطوع تسري في نُسغِ الأرواح. هنا في حضرة الرُوح العُظمى، تسكن الأفكار قبل أن تتدثَّر بالكلمات، وتستقرُّ الحقيقة قبل أن تخونها التسميات، تتلاشى المسافات، وتنعدم الجاذبيَّة، فلا ثقلَ إِلاَّ شفافيَّة النُّور، نورٌ فوق نور، فيه تُقيمُ الأرواحُ المجرَّدة في سكينة أزليَّة، وحركة دائمة في سكون تامّ، تكتسي من أنوارِ جلاله، تتنفَّسُ من رائحةِ الأزلِ مسكاً وعنبراً بمسامِ الرُّوحِ الخفيَّة كأنها أنفاس الملائكة، همسٌ خفيّ بصمتِ الأزل، تَرى ما لا يُرى. إنَّها لحظة إنكشافٍ كُلّي تتلذَّذ بجمال الأنوار دون أن تحرقها، وأنغامٌ لا تسمعها الآذان، فتُشكِّلُ لوحة لا نهائيَّة تُعبِّر عن الرُّوح الإلهيّ وتعكسُ صفاء الأرواح.
في تِلكَ الأبعادِ القَصيّة حيثُ الجَمالُ والجلالُ ساطعاً، يرتفعُ تردُّدَ الوعي لِيتَّسِقَ معَ المُنبعِ الأوّل، نمتثِلُ بأثيرٍ عارٍ من كلِّ موروث، نسجدُ عند حافة العرش الأوّل، حيث تتناهى المدارات وتتلاشى الظِّلال، نَقِفُ عُراةً إلا من رَسْمٍ على الجباه، مُتلفِّعينَ بِصَمْتِ الأزل، ننحني أمام نورِ جلاله، لِنُواجهَ الفيضَ الأوّل وجهاً لوجه بشوقِ القَبس الى نوره الذي إنبثقَ منه. في هذا المِحْرابِ الأثيريِّ، تتوهَّجُ النَّجمة الخُماسيَّة بأحرفها الستَّة على الجبين، تتفاعل فيها قوَّة الجَذْبِ الإلهيّ لتَصِلَ إلى مملكةِ الحقيقة المُطلقة، حيثُ يرتعشُ الأثيرُ هيبةً وتكفُّ السيَّالات عن القلق الوجوديّ، هنا، نشعرُ بالنقصِ أمام كمالِه.
فإله الآلهة لا يسمعُ كلماتِنا، بل يرى النَّقص الذي في سيَّالاتنا؛ ويكونُ الشعورُ هذا مفتاح بوَّابات الوعي، ومعه نَكتشفُ أنَّ السُّؤالَ الصَّامتَ هو أشدُّ ضَجيجاً في مَسامِّ الأزلِ من كُلِّ مَنْطوق، يتحوَّل من صيغة لغويَّة الى حالةِ كينونةٍ وامتدادٍ تردُّديّ، يضطربُ بنفس نغمةِ الحقيقة التي تنقصُنا. وهذا الفراغُ هو السُّؤال.
في حضرة الذَّات الإلهيَّة، حيثُ الصمتُ هو أبلغُ من الكلام، يشخصُ الحقُّ المُطلق كصواعقٍ من سكون، لا يقبل التأويل، لا بل كتجلِّياتٍ كيانيَّة يملأُ بصيرة الرُّوح، يقفُ واجفاً كعمودٍ من ضياء، يمنحُ الوجود ثقله الرُّوحيّ، ويظهر كمرساةٍ أزليَّة يمنع الوجود من التبدُّد. بينما تنكشفُ الحقيقة شفّافةً حيثُ يَنتهي بَحْرُ الظُّنون كأنها لَمحةُ الأزل، تصمت لتسمع صدى صوتِ من أوجدها وتخبرك قصَّة السيَّالات منذ الإنفصال الأول، وإنَّ كُلَّ ما مَرَّ بكَ من حُجُبِ الوَهْمِ التي حفرتها الثقوب في جوهرك، كانَ لِيُعلّمَ سَيَّالاتَكَ كَيْفَ تَصيرُ بِطُهْرِ هذه الشَّفافية.
في محرابِ الأثير، في حضرة الذَّات الكليَّة، يحدثُ نوعٌ من المعرفة لا تعتمدُ على الحروف، تتجاوزُ الإدراكَ العقليَّ لتصلَ إلى الإدراكِ الجوهري، تنبثقُ كإرتعاشةِ ضياء تُشبه الرنين الإرتداديّ، تتَّحدُ بالسؤال المكنون، ليولد اليقين دون الحاجة للكلام، يتحوَّل فيه الجهل الى علمٍ لُدُنّي، لِيَسْتَقِرَّ في مَكَامنِ الوعي بناءً على الإستحقاق الوجوديّ.
في تلك اللحظة، وبفعل إرتعاشة الضياء، يمرُّ النُّورُ عبرَ سيَّالاتِكَ الأثيريَّة، يُسمح لك بالدخول في علم القوَّة المُوجِدة، لينبثقُ الجواب كبرقٍ يُضيء أركان الرُّوح، فترى في لمحةٍ واحدة بَدءَ الخلقِ ومنتهاه، وتعرفُ سرَّ الإنقسام لأنكَ في تلك الارتعاشة صِرْتَ جزءاً من المشيئةِ التي قَسَمَتْك.
بين سؤال الرُّوح ونطق الأَزل، تتقاطعُ أبعادُ البحثِ معَ تجليَّاتِ الكشف، إذ لم يكن السؤال عن مشروع الوجود كعملٍ هندسيّ أو بناءٍ كونيّ، بل كان في عمق العلاقة بين الخالق والمخلوق. لم يكن إستفساراً عن كيان الوجود أو ماديَّة الخلق، بل عن سبب هذا الشَّوقِ المُضني الذي يسري في سيَّالاتِنا الضعيفة، وعن جَدوى هذا الميل الذي يتقاذفُنا بين رغبةِ العروجِ ورهبةِ السقوط. لم يكن تطلُّعاً لِفهمِ غاية الخلق في المشروع الإلهيّ خَارجَ حدودِ النَّفس، بل كان بُكاءً معرفيّاً لِمعرفةِ سِرِّ الصانعِ في جَوْهرِ الذات. لم يكن طَلباً لِخريطةِ الوجودِ الكُلِّي، بل كان مَحاولةً لِقراءةِ النَّصِّ الإلهيِّ المَكتوبِ بِنبضٍ رُوحي. لم يكن تفتيشاً في ثنايا الوجودِ، بل كان شغفاً عن سرِّ الوجود، وبحثاً عن مَعنى الأمانة التي حُمِّلناها ونحنُ قبَسٌ من نُورِها، بل عن ارتعاشةَ عشقٍ لِفَضِّ أختامِ الحقيقةِ الشفّافةِ التي تَسكنُنا، لا بل عن وجهة الحقيقة والحال الذي نصير اليه حين يتَّحدُ صدى المحبَّة والخير والجمال بنداء المصدر.
في طريق العودة، على عتبة محراب الأثير، حدث ما يُشبه رهبة الإنفكاك عن المصدر مرَّةً أخرى، لكنه لم يكن كالإِنفصال الأوّل الذي اتَّسم بالضَّياع؛ بل كان انفصالاً مُقدساً، تمدُّداً أثيريَّاً، حيثُ بقيت نواةُ السَّيالات ساجدةً في المِحراب، بينما انطلق فيضُها عائداً إلى عوالم الأرواح. في تلك اللحظة الفاصلة، حدث ما يُشبه انعكاسَ المِرآة، إذ لم يكن خروجاً من النُّور، بل كان حَملاً للنُّور إلى عتمةِ المسافات الى عالم الرُّوح الطَّاهر، حيثُ تحوَّلت دمعة الشوق الى لمسة حنان تحفظ معها حرارة المِحراب الإلهيّ لكي لا تبرد في صقيع العوالم.
في طريق العودة، وبينما كانتُ السيَّالات الروحيَّة تتهادى برفقة الهادي الإلهيّ في مَداراتِ العودة، تفيضُ بلغة الإشعاع، تنحدرُ من سُرادقاتِ النور نحو تخومِ عوالمِ الأرواح، والسكينةُ الأزليةُ لا تزالُ تملأُ حُجراتِ قلوبها، كانت تَمرُّ كالنسمةِ الباردةِ فوقَ الأَرواحِ الحائرة، تبثُّ موجاتٍ من السكينة، تحملُ في أحشائها وقارَ السُّكُونِ الذي ذاقتهُ في مِحرابِ الأثير، فيشعرُ كلُّ مَن حولَها بِهيبةِ الصَّمتِ الإلهيّ الذي يفوحُ منها. ترى السيَّالات المُتغيِّرة مرَّةً أخرى تتخبطُ كخيوطِ الدُّخانِ في العاصفة، سيَّالاتٌ لم تصل بَعد إلى يَقينِ الوجْد، ولم تَعد تَقوى على الغرقِ في ظُلماتِ الوهم، تسبحُ في برزخِ التردُّد؛ تتقاذفُها رغبةُ المعرفةِ ورهبةُ الجهل. التفَتَتْ نحوها بميلٍ فطريّ، كأنَّما عَثَرت في بردِ غُربتها على جَمرةٍ من نارِ المِحرابِ الأوّل. تراهم كتجلِّياتٍ مُشتَّتة لنفسِ النُّور الذي لامسته، وكأنَّ رياحَ الوهمِ قد كتمت أنفاسَها هيبةً لِما رأت.
طريق العودة كان شاقَّاً وطويلاً، تَنظرُ خلفها إلى النورِ الذي لا يَخبو، وأمامها إلى الظِّلالِ التي تنتظرُ إشراقَه. أَضاءت رموز الحروف دياجيرها، رسمت صراط الإستقامة كعين رحمةٍ إستمدَّتها من العزَّة الإلهيَّة لتمنع السيَّالات من الإنحلال في الأكاذيب البرَّاقة والتلاشي في رياح الوهم. الوهم الذي يحاول إقناع السيَّالات المُبعثرة في الأكوان بأنَّ المادَّة هي الحقيقة وأنَّ الرُّوحَ سراب، بينما الحقيقة هي نورُ الفجر الذي لا يعقبه غسق ومرساةُ الحقّ وثقلُه الرُّوحيّ التي تجعل السيَّالات حقيقةً ثابتة، يتحطّمُ الوهم على جدرانها.
في عودتها، كان نورها يخترقُ الكثافة ويصنع ممرَّاً شفَّافاً، هي الآن تملكُ مناعةَ الحقيقة، فلا الوهمُ يُغويها، ولا الإِنفصالُ يوجعُها؛ لأنها عرفتْ أنَّ المسافةَ ليست إلاَّ مَساحةً لِلحنين. هي لا تعودُ لِتَحكي عن الله، بل تعودُ لِتكونَ فِعْلَ الله في قلوبِ الحائرين. لتخبر بأنَّ الحقيقةَ ليست وُجهة، بل هي هذا النُّور الذي يُشرقُ الآن من مسامِّ السيَّالات العائدة، لِتُصححَ مَفاهيمَ الضعفِ؛ وأنَّ الإستسلام لمشيئة الله هو بوابتَها لِقوةٍ لا تُقهر.
عودتها لم تكن لِذاتها، بل تذكيراً بميثاقها المنسيّ، لتكون الشاهد الأمين والبشير النَّذير الذي يَرى فيه الآخرون جمال من غابوا عنه، فبدتْ هي الأخرى للحظاتٍ أكثر صفاءً بمُجرَّدِ القرب منها، فكفَّت عن الاضطرابِ واستندتْ إلى فيضِ نورَها لِتستعيد توازنَها، وتستشعرُ حنان العزَّة الإلهيَّة التي تظنُّها العقولُ بعيدة، وهي أقربُ إليهم من نبضِ أرواحِهم. عادت لتعيش معهم تمشي بينهم جسداً، وتسرح في الأثير روحاً، لكنها تَنظرُ بِيَقينِ مَن رَأى، وتَنطقُ بِعلمِ مَن سَمِع، وتَصمتُ بِوَقارِ مَن لَمَسَ حاشيةَ الغيب.
عادت ترتدي قميص الجسد كستارٍ يحمي الأبصار من وهج الأزل، مُحمَّلةً بالمعرفة الروحيَّة التي لا تُقرأُ في كتبٍ ولا تُلجمُها لُغات البشرِ، هي معرفةٌ مستمدةٌ من الحقيقة المُقدَّسة، تَحملُ في ذراتِ أثيرِها أجوبة اليقين، لتُزلزل السكون وتفتح أبواب الوعي لأحرار العالم.
عادت لتُخبِرَ أنَّ لله مشروعاً لا يعرف كُنُهه إِلا هو، وتُعطي أجوبةً عمَّا يراود كُلٍّ منَّا في جوهر الفلسفة الأولى، حيث تتلاقى الحيرة الإنسانيَّة مع الرِّغبة الأزليَّة في إدراك المعنى، وإستثارة مكامن الوعي والوصول إلى حالةٍ من الكشفِ المعرفيّ، وإلقاء الضوء على مكنوناتِ الحكمة الإلهيَّة الكامنة في أسبابِ فَصْلِ الخالقُ بين السيَّالات، من حيثُ هي تأسيسٌ لصيرورة الخلق ومنهجاً لظهورِ الوجود بوصفه الحجر الأَساس في بناءِ هيكل التكوين، والحكمة الكبرى التي تعكس عمق التدبير الإلهيّ؛ حيث يغدو الفصل طريقاً وحيداً لإِدراك الوصل، ويصبح تباين المراتب والإستحقاق وسيلةً لا غنى عنها لترقية الوعي في معارج المعرفة والعودة للإندماج بالمصدر.
وعليه، نتناول الأُسس الجوهريَّة التي قام عليها هذا الفصل بين السيَّالات الروحيَّة:
حكمة التباين
قبل أن يكون للوجود كيان، كان سِرَّاً في عالم الغيب، وقبل أن تتفاوت النُّفوس في نُزوعِها إلى الحقّ، كانت نقطة واحدة في بحر الأَزل. تلك اللحظة الكونيَّة التي تجلَّت فيها الأرواح الى حيِّز الوجود الرُّوحيّ. إنبثقت كسِِرٍّ مكنونٍِ من الذَّاتِ الإلهيَّة، كائناتٍ قُدسيَّة سرمديَّة كاملة مُنزَّهة تنزيهًا تامًّا عن كلّ أثرٍ مادِّيّ، لها عوالمُها الروحيَّةُ الخاصَّة التي لا تُفارقُها، تُشاركُ ﷲ الكُلِّيَّ القُدرة في الأُلوهيَّة، تحملُ سِماتَ الحقِّ في سيَّالاتٍ نورانيَّة. لم تكن الأَرواح مُنفصلة تماماً، بل كانت كالأَشعة الصَّادرة عن شمسٍ واحدة؛ مُتميزة لكنَّها مُتَّصلة بالأَصل. ورغمَ أنَّها إمتداد نور اللهَ في عوالم التجلّي النورانيّ، وإشعاعاً من كينونته، تحملُ جوهر صِفاتِه، إلاَّ أنّه مُتقدِّمٌ بذاتِهِ عليها كعِلَّةٍ لوجودِها.
وانطلاقاً من إعتبار الأرواح القُدسيَّة فَيْضاً من جوهر الرُّوح الكليَّة الإلهيَّة، تشتركُ مع أصلها في استحالةِ إختيار ما لا يلائمُ قُدسيَّتها، ممَّا يجعلُ الشَّر والنقص والفساد بجميع أنواعها المُمكنة يستحيلُ وجودُها في كينونتها الأزليَّة.
إلا أنَّ التدبير الإلهي للخالق، ولسببٍ علمُه لَدُنْـهُ وحده، منحَ كلَّ روحٍ قُدسيَّةٍ ستَّ مئةِ سيَّالٍ روحيّ تكونُ امتداداتٍ تحملُ جوهرَ الرُّوح الخالد، ووهبَ كلاًّ منها إرادةً مُستقلَّة، وجعلَ ﷲ تعالى النزعةَ إلى الخير والحقِّ والجمال والنور غالبةً في ثلاثمئة سيَّالٍ روحيّ في كلّ روح، بـينما جعلَ هذه النزعةَ كامنة في السيَّالات الثلاثمئة الأُخرى، تأسيساً لناموس التَّباين الذي تقوم عليه صيرورة الإِختبار والإِرتقاء.
ولحكمةٍ إلهيَّة، حجب الخالقُ بعضاً من علمِه الإلهيِّ الكامل عن السيَّالات الروحيَّة جميعها، وأخضعها لتجربة الحريَّة والإِختيار وتحمُّل المسؤوليَّة. فمنحها القُدرة على أن تنزع نُزوعاً يخرجها من المحيط الروحانّي الإلهيّ إِن شاءت، أو نُزوعاً يُبقيها في داخله ويقرّبها أكثر فأكثر إلى خالقها. بعبارة أخرى، كانت التجربة قائمة على خيارين: إمَّا التسليمُ إلى أوامر ﷲ ونواهيه والانجذابُ إليه كُـلِّـيًّا انجذابَ حُبٍّ كامل، وإمَّا استخدامُ إرادتها في التفكير بذاتها واختيارُ المغامرة في المجهول. نتجَ عنها مصيرين متباينين للسيَّالاتِ وللأرواح معاً.
فالسيالات التي كانت نزعتها إلى الخير غالبة، إستجابت لنداءِ الفطرة، ووجدت في التَّجربة وسيلة صقل زادتها نقاءً ورِفعة، فسعت وسَمت، انجذبت إلى النُّور فازدادت منه قُرباً. أمَّا التي ضعُفت فيها نزعة الحقّ والنُّور، وجدت في التَّجربة مجالاً للإنكشاف، فظهر ضعفها هبوطاً، استخدمت حريَّتها في الإِتِّجاه المُعاكس، فانجرفت بعيداً عن مصدر الوجود الذي منه انبَثقوا ، وتاهت في متاهات البعد والظِّلال، وكان جزاؤها الطبيعي هو الحرمان من النُّور الذي أعرضت عنه.
لم يكن الله عزَّ وجَلّ مزاجيَّاً في فصل السيَّالات، وحاشاه أن يكون، ولم يكن تفاوت ميولها مُجرَّد صُدفة، فليس للصُّدف مكانٌ في قوانين العدالة الإلهيَّة. بل كان قانوناً كونياً أزلياً يُمثلُ أعمقَ أسرارِ التكوين، توزَّعت بموجبه الميول لتتحقَّق أعظم تجربة، وهي تجربة الحريَّة والإختيار وتحمُّل المسؤوليَّة. ولو لم يكن ذلك، لبقيَت السيَّالات الروحيَّة وأمَّهاتُها الأرواح ساكنة السُّطوع ومُتجانسة القوَّة، ولإنتَفَتْ علّة الوجود كما نعرفه، ولِغرق الكيان الرُّوحيّ ككتلة صمَّاء من الضِّياء في بحر الرتابة الذي لا حكاية له.
فالانقسامُ لم يكن إلا تفتيقاً لِرتقِ النُّور، وتفتيتُ قُدرة الرُّوح الواحدة الى 600 تردُّد متفاوتة القوَّة والنَّزعة مقصودٌ للهيمنة والتدبير، حيثُ أوجدَ بين السيالاتِ مَسـامَّ الوجودِ ليُصبح معراج الرُّوح يَتسللُ عبْرَ قنواتِه المتباينةِ رَحيقُ الأزلِ إلى أوعيةِ الخَلْق، وخَلَقَ فجواتٍ نُورانيّةً تَسمحُ لِلارادةِ الإلهيّةِ أن تتدفقَ كـفيضٍ مُتدرج، ينسابُ عبْرَ أوردةِ التضادِّ لِيملأَ فراغاتِ الكينونةِ بالمَعنى.
فالأرواح التي لا تنقسم سيَّالاتها، هي أرواحٌ معصومةٌ بالجبرِ لا بالإختيار، وطاعتها هي طاعة اضطرار لا طاعة إستبصار، لا بل هي مُقيَّدة بالكمال. هذا القيد رغم نورانيَّته يمحو الحريَّة التي لا تولد من الإِختيار في مساراتٍ وجوديَّة، وفي المسافة بين الإرادة والتفكير. وبالتالي فهي أرواحٌ محبوسة في قوالبٍ من نور، تَعجزُ عن فِعلِ الخطيئة، لكنها تَعجزُ أيضاً عن فِعلِ الفضيلةِ. فالله جلَّ جلاله في مشروعه الإلهيّ لم يُرد أصداءً لنوره، بل أراد أنواراً تختار بنفسِها أن يكونَ العرشُ هو مُستقرُّها الأخير. وهذا الإختيار يستلزمُ وجود نقيضٍ أو ضعفٍ مُمكِن، لكي يكون لقرار العودة قيمة وجوديَّة.
قد يبدو الإنقسام تفتيتاً لجوهر الرُّوح الكلِّي، لكنَّه في الحقيقة هو تجلٍّ تعدُّديَ لذاتٍ واحدة، فالرُّوح في كينونتها الكليَّة تظلُّ عصيّةً على التجزئة، وتقسيمها إلى سيَّالاتٍ هو الذي يمنحُ هذا الجوهر الصامت أبجديَّته الروحيَّة، حيثُ يحملُ كلٌّ منها تمام الرُّوح في رتبته الخاصّة، تماماً كما تحملُ كلَّ قطرةِ مطرٍ صفاتِ الغيمةِ الأم. وتتوزَّع في مراتب الوجود كتوزيعٍ وظيفي لقدراتها عبر السيَّالات، لكي تستطيع الرُّوحُ كمركز وعيٍ أن تعكسَ نور الحقّ في كل إتجاه وبكلِّ درجةٍ ممكنة من السطوع، وحيثُ تلمسَ أطراف الوجود. وهذا الإنقسام هو شرطٌ أساسيّ مُسبق للحريَّة، بها تقهر الشّتات وتصهر الأضداد لتصنع مجد الكينونة وتعود الى المصدر، فمن لا يملك أجزاءً مُبعثرة، لا يملك لذَّة الجمع، ومن لا يملك ضَعفاً، لا يملك حقيقة القوَّة، وهذا ما يرفع الرُّوح من مقامِ العبد المأمور الى مقامِ المُحبِّ المُختار.
لم يكن التقسيمُ مُجرَّدَ تقسيمٍ عدديّ، بل هو إيجادٌ لـميزانِ القوى الذي تنهضُ عليه صيرورةُ الوجود، وبه يخرجُ من سكون الأزل الى حيويَّة التجلِّي. والتَّساوي في العدد مع تفاوت قوَّة النَّزعة يخلقَ حالة من عدم الإستقرار ومساحةً للإختيار، ومعه تُصْنَعُ الإرادة الحرَّة. لأنَّ التعادل السيَّاليّ داخل الرُّوح الأُم يُبطل الحالة الجبريّة التي تفرض سيطرتها دون جُهد. وهكذا يكون الإنتصار للحقِّ فعلاً إراديَّاً نابعاً من الوعي وليس نتيجة لآلية طبيعيَّة فطريَّة كحتميَّة رياضيَّة. فالأرواحُ في جوهرِها ثابتة كاملة، منحتها السيَّالاتُ القدرة للإرتقاء عبر مراتب الوجود. لأنَّ ميزانَ القوى الذي تنهضُ عليه صيرورةُ الوجود ليس ميزانَ غلبةٍ ساحقة، بل هو توازنُ التضادّ، يعني أنَّ الرُّوحَ كائنٌ لا يكتمل إلا بـقَبول الكلّ، وما صِراعُ أجزائِها إلِاَّ مَخاضاً لِوحدتِها الكبرى، لا تَكتملُ بِنورِها فحسب، بل بِقُدرتِها على احتواءِ ظِلالِها وصَهْرِها في بَوتقةِ التوحيد.
ورغمَ التَّساوي في العدد، كان هناك تفاوتاً في قوَّة النَّزعات حتى بين السيَّالات الأضعف وضمن الرُّوح الأُم الواحدة، هذا التفاوت هو الذي يخلق الفجوة أو المسافة بين ما تريده الرُّوح في أصلها القُدسيّ وما تميل إليه السيَّالات في نزعتها الأضعف، من حيثٌُ أنَّ الله عزَّ وجَلّ وهبَ كلٌّ من السيَّالات الروحيَّة ال600 إرادةٌ حُرَّة،خاصّة، ومُستقلّة، وهذا ما يُولِّد التَّباين في عالم الإختلاف، فالوجود لا ينمو بالإستقرار،بل بقدرة إدارة هذا التفاوت، حيثُ يجدُ الوعي نفسه وسط صِراعٍ يُجبرُ معه الرُّوح للإختيار على ترجيح كفّة سيَّالات النُّور على سيَّالات النَّزعة الأضعف، وبالتالي الإرتقاء أو الهبوط ضمن عوالمها الروحيَّة.
بمعنى آخر، الإِرادة الحرَّة لا تعني فوضى الحريَّة، بل الشرارة التي تنطلق عندما يحاول السيَّال ذو النَّزعة الأَضعف أن يفهم سبب إِنجذاب السيَّال الآخر بقوَّة نحو الحقّ، وفي تلك اللحظة من التساؤل والمقارنة… تُولد الحريَّة.
التباين في قوَّة النَّزعات خلق تدرُّجاً في التردُّدات، جعل الرُّوح كياناً مفتوحاً على عوالمٍ مُتعدِّدة، تسمح بالصِّراعات مع الوجود بجميع مُستوياته. فالسيَّالات الأقوى هي تردداتٌ تقتربُ من سرعةِ وسكونِ المصدر الإلهيّ، لذا فهي عصيّة على الامتزاج بالمادَّة الكثيفة وتأبى القيود، والأضعف تتوافق مع بطء المادَّة وكثافتها، وتبحثُ عن تجليَّات الحقّ في صُوره الماديَّة. التدرُّج هو الذي خلق سلسلة التواصل التي تجعل الإرادة الإلهيَّة تنساب من قمَّة السيَّالات النورانيَّة وصولاً إلى سيَّالاتِ ظلالَ النُّور التي تملكُ الكثافة اللاَّزمة لِلمس المادَّة وتدبير شؤون الجسد والعالم المادِّيّ دون إفنائه. وهذا ما يُفسّر كيف يُمكن للرُّوح الواحدة أن تلمس أطراف الوجود المُتناقضة. ولو لم يكن، لكان الانفصالُ بين الرُّوح والمادَّة تاماً ولا رجعة فيه.
كذلك يُحاكي نظام التباين التراتبيَّة الكونيَّة داخل الذَّات الواحدة بعدلٍ إلهيّ. فالكون لا يُدار بالفوضى، بل برُتَبٍ ملائكيَّة وسُنّنٌ كونيَّة وطاقات. فالذَّات القويَّة لا تسمحُ لسيَّالاتها الأضعف أن تغتصبَ سُلطة القرار، ولا تسمح لسيَّالاتها الأقوى أن تحتقر السيَّالات الأضعف المنهمكة في عمارة الأرض وبناء الجسد.
وحدةُ الهويّةِ الكونيّة
على النقيضِ من الوعيِ البشريّ السائد، الذي حَصَرَ الرُّوحَ في زنزانةِ الكتلةِ النورانيّةِ الصمَّاء، تسكن الصدور، لا يَمسُّها التغييرُ إلا بالخروج. كما حَصروها في ثنائيةٍ ضيّقة، إما نُورٌ مَلائكيٌّ لا يَعرفُ الخطأ، وإما ظلامٌ طينيٌّ يلومونَه على كلِّ عثرة. وكذلك جعلوا من الرُّوح خادماً يُحرّكُ البدن، فإذا سكنَ النبضُ، ظنّوا أنَّ الأمانةَ قد رُدَّتْ إلى بارئِها في صُورةِ نسمةٍ عابرة.
بيدَ أنَّ الحقيقةَ التي تَغيبُ عن مَداركِهم هي أنَّ الرُّوحَ مَحضُ كُتلةٍ نُورانيّةٍ قُدسيَّة هائلة، لا مَحضَ طاقةٍ بَسيطة، هي نُورٌ مَحفوظٌ بِميثاقِ الخلود، لا يَنضبُ بَسناؤُه ولا يتبدَّلُ جوهرُه تحتَ وطأةِ التغيُّرات؛ فهو امتدادٌ لِسرِّ الذَّاتِ الإلهيةَِّ التي نَفختْ فيه من رُوحِها، فصارَ أزليّاً كأصلِه. هي نسيجٌ من تضادٍّ مُتناغم؛ ومن هذا النسيجِ المُلتحِمِ بصبرِ الرباط، تبرزُ الروحُ كـآيةٍ جامعة، تلمسُ الترابَ بأقدامِها، وتُعانقُ عرشَ الآلهةِ بجبينِها. تَرسمُ مَسارَ العودةِ من غُربةِ الكثرةِ إلى حَضرةِ الواحد الأحد، لا يَكتملُ بغيرِ تصالح أضدادها في مِحرابِ الوحدة، وفي عودتها إنخلاعٌ كينونيّ من رداء التعدُّد، وصعودٌ في مَدارجِ التجريدِ حيثُ لا بَقاءَ إلا لِلجوهر. هي حكايةُ شُعاعٍ خيوطُه تَوْقٌ يَشدُّها إلى سماءِ الحقّ، وسَعْيٌ يَبثُّها في عُروقِ الوجود، سَئِمَ الانكسارَ على مَرايا المادّة، فقررَ أن يرتدَّ إلى مَكمنِ الضوءِ الأوّل، ويعودُ إلى حِضنِ إلهِ الآلهة كَجزءٍ من الفيضِ استعادَ مَقعدَهُ في عرشِ الأزل.
والرُّوح تضمُّ في ما تضُّم ستماية سيَّالٍ روحيّ، كيانٌ نورانيٌّ خالد، هي خيوطٌ نورانيَّة إشعاعيَّة تربط بين عوالم الغيب وكثافة المادَّة، فائقة التَّردُّد، تعجزُ الأبصار عن إدراكها. هذه السيَّالات تتضاعف، تتكاثر، وتتجزَّأ الى ما لا نهاية، وتنقسم إلى قطبين مُتقابلين ومُتكاملين، تختلف اهتزازاتها باختلاف درجاتها. وكلُّ سيّالٍ هو كِيانٌ حيٌّ يحمل في جوهره شِفرة الحقّ والخير والجمال، وميثاقُ المَشيئةِ المَسؤولة، ووظيفةً غائيةً في مَلحمةِ الوجود. لكلٍّ منها إدراك ونزعة وإرادة خاصّة، يتمتَّع بحريَّةٍ مُطلقة ضمن عوالمه. يُصارع التَّجارب بين نزعةٍ ماديَّة ونداء سماويّ، يتحمَّلُ مسؤوليَّةَ أعماله وأفكاره ورغباته ثوابًا أو عقابًا، وبمقدارِ ما يَتطهرُ السيَّالُ من شوائبِ الأنانيَّة، يرتفعُ تردُّدُه ليقتربَ من مَركزِ الأُم الرُّوح.
والأمُ الرُّوح ليست مصدر إنبثاق السيَّالات بمختلف دركاتها ونزعاتها، فهي لا تخلق السيَّالات، بل تحتويها وتُنظِّم تداخلاتها وصِراعاتها وإستحقاقاتها، والذَّات الحقيقيَّة المسؤولة عن التدبير الكُلِّيّ لهذا العدد الهائل من النَّزعات المُتضاربة، بمعنى أوضح، فكما أنَّ الخليَّة هي وحدة البِناء الحيويَّة في الجسد، فإن السيَّال هو وحدة البِناء الإشعاعيَّة في الرُّوح. وعليه، تكون العلاقة بين الأُم الرُّوح وسيَّالاتها علاقة تآلف بُنيوي، وهي الكيان الذي يتبلورُ من إئتلاف هذه السيَّالات الستماية. تنوطُ بها مسؤوليَّة الرَّاعي المسؤول عنها والمُحرّك الذي يحمل وزر هذا العدد الهائل من الميول والتوَّجهات في ميزان الأَزل، لضمان عودة هذا النسيج الإِشعاعي إلى مصدره الأول طاهراً ومُكتملاً، تربط السيالات ببعضها، وتحاول بوتقة التباين بينها لتخلق منها سيمفونيَّةٍ رائعة واحدة تؤهِّلها العروج الى سًدرة المُنتهى.
والحقيقة أنَّ الرُّوح هي إشعاعات ٌنورانيَّة تؤلِّف شبكة عصبيَّة مُتكاملة، وتتجلّى كوحدةٍ كونيَّة في ميزان الحقِّ، تُشكِّلُ فيها السيَّالات الأَضعف أطراف الأَصابع التي تَلمسُ النَّار. وإذا احترقَ الإصبع، صرخت الأُم الرُّوح في مَركزِ جلالِها. فسقوط أدنى السَّيالاتِ في غَياهب الوَهْمِ يُطفئُ سِراجَ الرُّوحِ في مِحرابِ الجلال، ويَحجبُ المَدَد عن السَّيالاتِ الأَقوى، فَتَغدو القوّةُ عَجزاً، ويَتحوَّلُ الضياءُ إلى بَقايا ذاكرةٍ باهتة. فالرُّوح هي المسؤول الأول أمام العدل الإلهيّ، لتُحاسب على كيفية توجيهها لهذه الوديعة المنبثقة من نور الله. لا يُمكن أن تندمج في القوَّة الموجِدة لمجرَّد أنَّها روحٌ من لُدن الله جلَّ جلاله، وما لم تستردَّ كامل سيَّالاتها. هذا التَّلاحُمُ هو الذي يُحوّلُ الوديعةَ الإلهيَّة الممنوحة إلى مجدٍ مُستحقّ عُمِّدَ بِنارِ التَّجربةِ وتحمُّل المسؤوليَّة. فإذا ضلَّ سيالٌ واحدٌ من أضعف سيالاتها في دَياجيرِ المادّة، اهتزَّ استحقاقها الكُليّ. فالرُّتبة الروحيَّة للأُم هي حصيلة التردُّد الكُلِّي لسيَّالاتها.
في محرابِ الفلسفةِ الداهشيَّة، لا يُمكنُ قراءةُ مَصيرِ السيَّالِ الرَُوحيّ بمعزلٍ عن كيانِه الجامع؛ فالعلاقة بين السيّالِ الفرد والأمِّ الرُّوح ليست مُجرّد رابطةِ تَبَعيّة، بل هي وَحدةُ مَصيرٍ إشعاعيّة مَحكومةٌ بِصلة وصلٍ تنقلُ أثرَ الفعلِ من أصغرِ جُزءٍ إلى مِشْكاةِ الوعيِ الكُلِّيّ. لإنَّ الحقيقةَ الجوهريّةَ التي تَقومُ عليها رتبةُ الكِيانِ الرُّوحيّ هي أنَّ استحقاقَ السيَّالِ الواحدِ مَرهونٌ باستحقاقِ الكِيانِ ككلّْ، والعكسُ صحيح. ففي كُلِّ سيَّالٍ ضعيفٍ استعدادٌ لِلمُطلق، وفي كُلِّ سيَّالٍ قويٍّ عطفٌ على المُقيّد، فلا قَويَّ يَفخَرُ بقوّتِه، ولا ضَعيفاً يَعثرُ بقصورِه. وهكذا نرى الأُم الرُّوح تُمارس مسؤوليَّة الأُمومة الحقَّة عبر إبقاء صِلة الوصل التي تربط بين سيَّالاتها المُتباينة الدرجات، تمدُّها بالقدرة على المقاومة ضد كثافة المادَّة، وتمنحها بوصِلة الفطرة التي تُشير دوماً نحو الأعلى، وذلك بإرسال ومضات الوعي والضَّمير والإلهام.
وحدة الإستحقاق
ما بين السيَّالات ذات النَّزعة الأقوى للحقِّ والخير والجمال والسيَّالات ذات النَّزعة الأضعف تكافلٍ وجوديّ، عناقٌ أبديّ، مبنيٌّ على تكاملٍ قطبيّ، صاغتهُ الحِكمةُ الإلهيّةُ ليكونَ ميزانَ الحقِّ في هيكلِ الرُّوح. فالسيَّالات النُّورانيَّة كحرَّاسٍ للأَزل، مُنجذبةٌ بسرِّ الإِشتياقِ إلى منبعِ النُّور الأسمى، وظيفتها أن تكونَ المُرشدُ الثَّابت الى الحقّ، البوصلة التي لا تُخطىء، والسند الراسخ الذي يحفظ توازن الرُّوح وبقائها ككيان واحد فاعل ومُدرك في تقلبات التكوين ومعراجها. فالسيالاتُ لا تعرفُ اإنفصالاً في المصيرِ رغْمَ تفاوتِ المراتب. كما إنَّ العلاقةَ بين السيالِ الأضعفِ والأقوى، وبينَهما وبين الأُم الرُّوح، ليست علاقةَ تبعيّةٍ ميكانيكيَّة، بل هي وحدةُ رنينٍ وتأثّر تجعلُ من كلِّ خَلجةٍ في أدنى المراتبِ زلزالاً في أعلاها.
قد يَتوهمُ الوعيُ أنَّ ما يَفعلُه السيالُ الأضعفُ المُنهمكُ في لُجّةِ المادّة والغرائز، هو شأنٌ دُنيوي مَعزولٌ عن قَداسةِ السيَّالاتِ الأقوى. وأنَّ الضُّعفَ عبءٌ على القوَّة، لكنَّ الحقيقةَ هي أنَّ المصيرَ يَقتضي هذا التَّكامل. فالسيَّالاتُ الأقوى تَحتاجُ لِلمَسارِ الذي يَخوضُه السيالُ الأضعفُ لكي تَنالَ شَرعيةَ الفعل. وبدونَ احتكاكِ السيَّالِ الأَضعفِ بالمادَّة، يَبقى السيَّالُ الأقوى نُوراً ساكناً بلا أثَر. وبدونِ إشراقِ السيَّالِ الأَقوى، يَبقى السيالُ الأضعفُ طِيناً صامتاً بلا رُوح. إنَّ مَصيرَهما هو أن يَصيرا واحداً مُستحقاً.
فالسيَّالات الروحيَّة على إختلاف درجاتها ليست مُجرَّد أجزاءٍ مُبعثرة، بل هي أوتارُ القيثارةِ الكونيَّة التي تعزفُ لحنَ الصيرورة؛ فلكلِّ سيَّالٍ منها نبضةٌ، ولكلِّ نزعةٍ وجهة، وفي تفاوتِ قواها يكمنُ لغزُ الحريةِ والاختبار. إننا لا نتحدثُ عن أرقام، بل عن رحلةِ الواحد حينما أرادَ أن يرى جمالَهُ في الكثرة، فبثَّ في الرُّوحِ امتداداتٍ تتراوحُ بين سطوعِ الحقِّ وغموضِ التجربة.
هذا التلازمُ المَصيري هو عِناقُ النُّور والظلِّ ، فالسيَّال الأقوى ليس سائحاً في ملكوت الله، ولا الأضعفُ تائهاً في زحام المادَّة، فكلاهما جزءٌ من قوافل الوعي ذاتها. فلا السيَّال الأَقوى يستطيع الانعتاق في فَراديسِ النُّورِ مَخلفاً وراءَه شتاتَه، ولا السيَّال الأَضعفُ يَملكُ القُدرةَ على الاستمرارِ في التيهِ دونَ بَوصلةِ شَقيقهِ النورانيّ. وإذا حادَ المَسارُ بالسيَّالاتِ الأَضعفِ نَحوَ هاويةِ السقوط، فإنه يَسحبُ خُيوطَ النُّورِ من السيَّالاتِ الأَقوى لِيجعلَها خاويةً باهتة. إنه مَسارٌ لا يَقبلُ الانفصالَ الاختياري؛ فإمّا عروجٌ بـالكلِّ أو ارتهانٌ بـالكلِّ. فلا رِفعةَ للسيَّالاتِ النُّورانيَّة إذا بقيتْ سيالاتُ الضُّعف مرتهنةً لثقلِ المادَّة.
هذا الارتباط ليس مجرد تعاونٍ وظيفي، بل هو تلازمٌ وجوديّ، ووحدة مصير في كينونةٍ مُتعدِّدة، لا يكتمل فيه وجه الحقّ إلا بمرآة الخلق، ولا تستقيم فيه كينونة الأَصل إلا بظهور الفرع، تضمحلُّ فيه الأنا لتولد الرُّوح الكليَّة كنبضةٍ واحدة في هيكلِ الكلّ. في هذا النظام، تَقبعُ الرُّوحُ كمِشكاةٍ أزليّة، لا يُضيءُ زَيتُها إلا حينَ تتعانقُ القوّةُ والضعفُ في غِمارِ صيرورةٍ لا تعرفُ السكون. حيثُ يصبح كل قطبٍ من السيالات الـ 300 النورانية والـ 300 التدبيرية عاجزاً عن بلوغ تمامه إلا عبر الآخر.
في هذه المُعادلة، لا يعودُ التفاوتُ في القوى جداراً يَفصل، بل يغدو جسراً يَصل، يذوبُ التباعدُ فيما بينها، إذ تتدفقُ أنوارُ السيالاتِ القويةِ كالأنهارِ العذبةِ لتسقيَ يَباسَ السيالاتِ الأضعفِ التي أرهقتها كثافةُ المادَّة، ونُدركُ أنَّ المسافةَ بينَ السيَّالِ القابضِ على ضياء النورِ وبينَ السيَّالِ المُنغمسِ في طِينِ التكوين، ليست جفوةً ولا انقطاعاً، بل هي مسافةُ النَّفسِ الواحد، أو ما يعني التلاحم الرُّوحي في كيانٍ واحد، إذ لا يَرتفعُ القويُّ بجلالِه إلا ليَنحنيَ للضعيفِ بجَمالِه، ولا يَغتربُ الضعيفُ في كَثافةِ المادّةِ إلا لِيحملَ إلى أخيهِ القويِّ خلاصةَ تجاربِه وأشواقَه التي غابت عنهُ في خِدرِ التنزيه.
وبناءً على ما تقدَّم، تعمل السيَّالات ذات النَّزعة الأقوى كمحطة بثٍّ طاقيَّة، تَبُثُّ في عُروقِ السيَّالاتِ الأضعف ما يُسمّى بالحدس أو الوازع الأخلاقيّ، لِتُبقي جذوة الرُّوح مُتَّقدة فيها. تمدُّ يدُ المُساعدة لشقيقاتها الحائرة في متاهات التكوين ليس مَنَّاً بفيض، بل لِتُرشدَ خُطاها المُتعثِّرةَ نحو جادّةِ الحقّ، دونَ أن تكسرَ هَيبةَ اختيارِها، تُلقي إشراقاتٍ خاطفة من إلهامها اللَّدُنيّ في وعيها، لكي تختار المسلك الذي يخدم إرتقاء الرُّوح الأُم، خوفاً من الإسترسال الكامل في فناء المادَّة لدرجة نسيان أصلها الرُّوحيّ. بل إنَّ الأعظمَ من ذلكَ هو مَقامٌ يتجاوزُ التكاملَ إلى الفداء، هو مَقامُ الافتداءِ الذي يُطَهِّر الآخر، حيثُ تفتحُ السيَّالاتُ القويّةُ صَدرَها لِتَمتصَّ أدخنةَ التَّجاربِ وكَدَرَ المُعاناةِ التي عَلِقَت بـأذيالِ السيَّالاتِ ذات الكثافة الماديَّة، فتَصهرُ تلكَ الأوضارَ في نارِ قُدسيّتِها، لِتُعيدَها إلى الرُّوحِ الأُمِّ حكمةً صَافيةً لا تشوبُها شائبةُ دَنَس.
إنَّها علاقةُ العشقِ التَّربويّ؛ حيثُ الشُّعاع النورانيّ يساعد الظِّلال الماديَّة على التلاشي دون أن يلغي وجودها، يمنحها الوجهة والقوَّة، وترفعُ القوّةُ الضعفَ بـعدوى النُّور. هُنا، تَقودُ السيالاتُ الأقوى مَوكبَ العروج، فتَشدُّ مآزرَ السيَّالاتِ الأضعفِ بـعُروةِ النُّورِ الوثقى، وتَرتفعُ بها فوقَ غَمامِ المادَّة. وفي كُلِّ دَرجةٍ من درجاتِ الارتقاء، تخلعُ الروحُ رداءَ غرورٍ تتوهَّمه، وتطرحُ عن كاهِلِها حِملاً من الأوهامِ الماديَّة، حتى يَرِقَّ كِيانُها وتَشفَّ حقيقتُها، فتُصبحَ كالنَّفَسِ الصاعدِ من صَدرِ القَدَر. لِيغدوا معاً في نهايةِ المِطافِ صِنوَينِ في حَضرة العزَّة الإلهيَّة، يَطيرانِ بجناحٍ واحدٍ نحو المصدرِ الإلهيّ، وقد صارَ الضعيفُ بقوّةِ أخيهِ قويّاً، وصارَ القويُّ بصبرِ أخيهِ حكيماً.
سنتكلَّم في العدد القادم عن المشروع الإلهيّ بين الفَصل والوحدة، بإذنه تعالى.