الأصنام الفكريَّة
حين يتحوَّلُ عقل الإنسان من أداة استقصاءٍ وتقصٍّ للحقائقِ الى مُتحفٍ للمُحنَّطات، تتحجَّرُ فيه قوالب الفكر خشيةَ أن تتفتَّتَ أمام قوَّة البرهان. يَنطفئُ الوعيُ بداخلِه، ومعه يفقد قدرته على التمييز، فيرى الجمود وقاراً، والتبعية إيماناً، والأصنام آلهة. يسقطُ تحت وطأة الموروث والخوف الأزليّ من ركوبِ مَخاطرِ التقصِّي في بحارِ الحقيقةِ الصَّادقة، يغوص في مُستنقعاتٍ لا قرار لها، حيث تتكاثر طحالب التقليد فوق سطح العقول، ويصبح الخروج عن المألوف خروجاً على المقدّس.
يتهاوى في مهالك التبعيَّة العمياء والحرفيَّة القاتلة، يصنع من طِينها أصناماً جديدة تُكبل حركته وتخنُق أنفاسَه الروحيَّة، يطفئ سراجه الذَّاتي ليمشي خلف ظلال الآخرين، يركنُ الى ضُعفِ إرادته خوفاً من مواجهة سلطان الواقع أمام أوهام السَّلف، يُخْفِتُ صوته لِيُعلي همساتٍ قيلت منذ مئات السنين، لم يَنطق بها قلبُه، ولا اختبرها عقله، يُصبحَ صدى كلماتٍ تتردَّدُ في صرير العقول حتى يعجز عن مراجعة المُسلَّمات، مُتوهِّماً أنَّ قوَّة الصَّدى هي برهانُ الحقيقة، وهكذا يفقد الشَّجاعة الفكريَّة لمواجهة المُغالطات، لا بل ويستخدمها كدروعٍ صنميَّة في استنطاقِ الوعي الماديِّ الذي يَقودُنا إلى جَوهرِ الحقّ.
حين يُقدّسُ العقلُ فكراً كان يوماً ما استجابةً ذكيَّة لواقعٍ معين، ينطفىء الوعي، ويستحيل النُّور رماداً تذروه رياح التقليد. يقطع صلتَه بالرُّوح، يُرتهن للمادَّة الصماء وصنميَّة النَّص، يُصبحُ قيداً مانعاً من التطوُّر. وهذا ما يُعجِزُ الإنسانَ عن رؤية قوَّة الحقيقة وفيضها الرُّوحيّ مهما اتَّسعت آفاق الواقع وبراهينه، لأنَّه يفسرها بقوانينِ المستنقع لا بقوانينِ الضياء. ومعه يميل العقل الى صناعة الأصنام الفكريَّة رغبةً في حصرِ معنى الوجود ليسعه إدراكه المحدود.
هو لا يريدُ شمساً تضيءُ له الطريق، بل يريد مرآة نفسه، يبحثُ فيها عن الحقيقة التي تُطابق هواه الموروث، تُبرِّر أغلاله، توافق جموده، تتماهى في غياهب أوهامه، وترتدي ثوب التقديس لخدمة أوثانه. يبحث عن يقينٍ بارد في النُّصوص والعهود التي تُساند زيفَ أباطيله، يُمارس فعل الإنتقاء، لا التقصّي والإستقصاء، كي لا يحرق أَسماله البَاليَة. وعليه يرى الجسد ولا يرى الحياة، يرى الكلمات ولا يرى المعنى، ويُصبحُ البرهانُ الماديُّ الصارخُ مجردَ هباءٍ أمامَ بصيرةٍ غَلَّفَها حِجابُ التبعيَّة، وجعلت من الإنسانِ مُقلِّداً، لا يرى بعينيه. إنَّه عمى الوعي وإنحباس البصيرة. فالعقل خُلق ليكون ناقداً مُحلِّلاً لا مخزناً عَفِناً يُكدِّس أنقاضَ الظُّنون.
بين ضياء الحقيقة وجدار الأَصنام المُتراكمة عبر العهود، رمادُ اليقين، صرخة خوفٍ من مواجهة عظيمة، تتطلَّب تغييراً جذريَّاً في ذواتنا، فالجمود الفكري ليس نقصاً في الذَّكاء، بل خوفٌ مُقنَّع من التغيير المؤلم، عدوى صامتة تُصيبُ مجتمعاتٍ بأكملها، تعيش على أفكارٍ ميِّتة، تكرِّرها كأنَّها نصوصٌ مُقدَّسة لا تقبل التأويل حتى تظنُّ أنَّ آخرَ ما وصل إليه الفكر هو نهاية الطريق. ومعه تُغلَق نوافذ الوعي عبر عمليَّة تخديرٍ شاملة، تتحوَّلُ فيها الأَصنام الفكريَّة إلى وهمِ حيازةِ الحقيقةِ المُطلقة، فيتوهمُ العقلُ الساكنُ أنَّه قد لجمَ البحرَ في قارورة، وحبسَ النورَ في مِشكاة. هذا الوهم هو تلك النُّطفة الفكريَّة المسمومة التي زَرعها إبليسُ في رَحِمِ الوعيِ، لِتَلِدَ فوراً توأمان سيّئان، هما التَّعصُّبُ كَسِيَاجٍ يَحمي الزَّيف والغرور كَغِشاوةٍ تمنعُ الرُّؤية.
وفي اللحظة التي يصلُ فيها الإنسان الى مرحلة التَّماهي مع فكره، تبْطُل الفكرة عن كونها موضوعاً للبحث، ويتوقف فيها الصَّنم عن كونِهِ مجرَّد فكرة خاطئة ليصبح هويةً مُقدَّسة، ينظرُ بإِزدراءٍ وابتسامةٍ ساخرة أو بإِعراضٍ مُتعالٍ لكلِّ ما هو خارجه، ويَعتبرُ أيَّ فكرٍ مُغاير عدواناً لا وجهة نظر، خوفاً من إنهيار أبراجه الحيازيَّة التي بناها فوق رِمال التَّبعيَّة، حتى أنَّه لم يعد يفرِّق بين كرامته الشخصيَّة وصحَّة مُعتقده، فيستميت الوعي المنطفئ في حماية نفسه المتجسِّدة في صَنمه، بإِِلباسه ثوب المُطلق الذي لا يُمس، وليس دفاعاً عن الحقيقة.
وعند الوصول الى ذروة السُّقوط الفكريّ، تنتقل معه القداسة من الصَّنم الى الأنا، فيسجنُ الله في كُتُبه، ويُنصِّبُ نفسه إلهاً فكريَّاً صغيراً، يملكُ مَفاتيحَ السماءِ والأرض، وصكوك الصَّواب والضَّلال، يمنح نفسه الحقَّ في تقرير ما يجب أن يكون، ينفي وجود أيَّ حقيقةٍ تخالف صنمه، حيثُ يظنُّ أنَّ ملامحَ الحقيقة تُرسم فقط بريشتة، وفي مخالفته كفراً بالمطلق، وفي نقده تطاولاً على الإله…لا بل يُصبح هو مَرجعية الرُّوح والمادَّة وديَّاناً للبشر، يُحاكمك ولا يحاورك، فكلُّ ما يخرج من فمه هو النَّاموس، وكل ما يخالفه هو العدم.

وبين حدود الوهم ونهاية المدى، هناك في صمتِ العقول المطمئنة، حيث لا أسئلةً تزعج ولا شكوكً تقلق، تنمو أصنام خفيّة لا تُرى بالعين، أشدّها فتكاً تلك التي تُنسج من اليقين في عصمة النُّصوص والمعتقدات والعادات الفكريَّة التي نكرِّرها حتى نظنُّها مُسلَّماتٍ كونيَّة. فحين تُصبحُ الأفكار مُجرَّد أصداء تتردَّدُ في خَواءِ التبعيَّة، ويتحوَّلُ الباحثون إلى حراسٍ لمقابر المعرفة بدلاً من أن يكونوا مُستكشفين لآفاقها، يبزغُ فجرٌ جديد، آخره الرسالة الداهشيَّة استكمالاً لرحلة الأنبياء والمُصلحين في تحطيم الأغلال، وفي وجه الجمود الفكريّ كفعلٍ مقاومٍ لإستئصال الأورام التي نَمَت فوق وعي الإِنسان نتيجة الإِستسلام للمألوف.
تعمل على صهر ركام الأفكار الميِّتة التي توارثناها وفقدت صلاحيَّتها للحياة، ولكنها لا تزال تسكن العقول كالأشباح. تَهوي كسيفٍ على هاماتِ الأصنام الفكرية التي نَصَبها البشرُ في مَحاريبِ وَهمِهم، تُعيد صياغتها في عتمة الجهل الذي يلفُّ جَنَباتِ الوعي البشري، حيثُ يَقبعُ المرءُ سجيناً في مَعابدِ التَّقاليد، تقتحمُ مغاليق العقل لتفتحه على آفاقٍ كونيَّة بناءً على حقيقةٍ روحيَّة نابعة من براهينٍ ماديَّة، تُقدِّم فيها إجاباتٍ في الغاية من الحياة وما بعد الموت وتفاوت قدراتِ وعذاباتِ البشر بأسلوبٍ يحقِّق العدالة الإلهيَّة المُطلقة، ممَّا يحوِّلُ العقل الغافل من عابدٍ لِلأوهامِ إلى شَاهدٍ على مَلَكوتِ الحق، ويُعيد للوعي المُنطفىء ثقته في منطقيَّة الوجود. وهذا ما عجزت عنها الفلسفات الماديَّة والمذاهب التقليديَّة.
ومع فجرٍ الرسالة الداهشيَّة، تشرقُ شمسٌ لا تَعرفُ الأفول؛ شمسٌ تحرقُ بذورَ الشيطانِ في النُّفوسِ، تقتلعُ عروشَ الأوهامِ من جذورِها، لِتزرعَ مكانَها أزهارَ اليقين. حيثُ يتدفقُ السناءُ تجلِّياتٍ للنُّور الإلهيّ كصاعقةٍ وجوديَّة تضرب عروش الأصنام الفكريَّة، مُشبَّعةً بالنُّور والنَّار لتُعرِّي بَهْرَجَ الاستعلاءِ الوهميِّ، تزلزل أركان الكهنوت الذُّهنيّ، تَسحقَ بجبروتِ ضيائِها صُكوكَ الصَّوابِ والضَّلالِ، تنتزعُ القداسة الزَّائفة عن عقولٍ تماهت مع أَصنامها، وتضعَ حداً لزمنٍ نَصَّبَ فيه الإنسانُ نفسَه إلهاً، ببراهينٍ ماديَّة، خارقة، ملموسة، ومُعجزاتٍ روحيَّة، مُذهلة، مُدهشة، لا تحتاجُ الى إذنِ ذلك الإله.
فالنُّور الإلهيّ صاعقةٌ يُمزقُ ليلَ التبعيَّةِ الذي يلفُّ الوعي، لِتُفسحَ في المجالَ لفجرِ الحقيقة أن ينسلَّ مع خيوط النُّور من بينِ شقوقِ ذلك الليلِ المُمزَّق، يُنير ملامحَ الوجودِ من ظلمة الأكاذيبِ المُترادفة، يُحرِّرُ الوعيَ الأسير من عبوديَّة الذين ظنُّوا أنَّهم امتلكوا الحقيقة وسجنوها في قفصِ أهوائهم، ويسحبُ البِساطَ من تحت أقدامِ كلَّ إلهٍ صَنعهُ البشر، يَذر عروشهم، يحرقُ أغلالهم، ويضعَ الإنسانَ وجهاً لوجهٍ مع جلالِ الخالق، حيثُ الحقيقةُ لا تُقهر.
الداهشيَّة هي صوت الحقَّ الذي يَلِدُ العقلَ من جديد، والفعلُ الأسمى لتطوير القدرات الفكريَّة والعقليَّة للأفراد والمجتمعات على حد سواء، والنَّار المُتَّقِدة التي تحرقُ أسمال الأوهام والأصنام وركامَ الموروث لتنبعث الرُّوح من رمادها.