تأملات في كلمات الدكتور داهش
بقلم الكاتب يوسف سلامه

(من منا يستطيع معرفة الغاية التي وجدنا لأجلها؟)
في هذه الجملة يخص الدكتور داهش نفسه أيضا مع جملة البشر وهو نبي الله الفادي. نستشف من كلماته أن الأمر عصي حتى على الأنبياء أنفسهم، ما لم يعلن الله لهم ذلك أو أي أمر روحي مباشر أيضا. فهم أيضا، عليهم السلام والإكرام، لا يمكن لهم معرفة الغيب دون وحي إلهي خارجي آت من العوالم الفردوسية العلوية القصية.
ووفق إرشاداتهم، علينا السير بالتقوى والحق، علنا نرتقي سيالاتنا فنوصلها لدرجات أفضل يشاءها الله لنا.
(لقد أتيت من عالم الحقيقة عاريا، لأن الحقيقة لا تلتحف بالخفاء.)
إن الحقيقة ساطعة كالشمس ولهذا وجدت، كي يشع نورها في الأكوان كلها. فحاشا لها التستر والالتواء، أو الخبث.
يخلق الإنسان عاريا، فكلنا سواسية، لا علم نحوزه في ولادتنا، ولا كنوز مادية تأتي إلينا فيما بعد. وكما ولد الإنسان، هكذا يعود إلى باطن الأرض، لا فرق بينه وبين أي إنسان مهما نال مرتبة عالية على الأرض.
لقد أرانا الدكتور داهش نفسه كمثال وهو النبي تشهد عنه أعماله الخيرة الخارقة للطبيعة، بالإضافة إلى ما تم صنعه على يديه بقوة الله وحده من معجزات ترفع إيمان الملحد والجاحد وكل محتاج إلى الاستنارة بالتوبة.
إنه لولا هداية الأنبياء لضللنا جميعا دون رحمة. ولكن كما قال الحبيب في موضع آخر: من آمن واعتبر ظفر.
ترى، وبعد المآسي المادية المهلكة التي نمر بها على الأرض كبشر، أما آن لنا العودة إلى المنطق والحق، بنبذ كل عمل شرير خبيث، ومعرفة أننا كما ولدنا سواسية، هكذا الأمر عند منيتنا. وان تكون نظرتنا للأمور حقة، كما الامور عليها، في الخلاص والراحة الفكرية؟
الجواب عند القارئ الحكيم والسلام على من اهتدى بعمل الخير في التواضع ومساعدة الآخر.
(ما أبهى الشمس وهي تلون الغيوم المتراكمة في القبة الزرقاء!)
يشير خلق الكون إلى عظمة الخالق عز وجل اللامحدودة. يكشف نور الشمس لنا كبشر جمالا فائقا وعلما يظل العلماء يسبرون غوره وهم لا يزالون في بدايته، على تقدمهم السريع الخطى في كل ناحية علمية.
إن حكمة الخالق عز وجل لا محدودة، وكذلك قوته المسيرة الكون لتنبض بالحياة في الروح النقية والسيالات المادية أيضا.
هو الله تعالى، وهو القوة والقدرة اللامحدودتان، هو المنزه عن كل شيء والحرارة الفائقة الوصف المسيرة الأكوان والشموس بأسرها، الفائضة بالحياة والخلاص
هو فوق كل وصف بب غني عنه.
وعلى ذلك هو البعيد عن كل إدراك من أي كائن مهما علت درجته، وهو القريب من الجميع، بل أقرب من حبل الوريد!
هو الخير والرحمة والسلام والعطاء وفوق كل ذلك المحبة وكل فضيلة بلا حدود، سبحانه عما يصفون.
هو الصفاء والنقاء المطلقان الشفاء والراحة المطلقة، والحكمة اللامحدودة، والمعرفة الأبدية والحق الساطع الذي ما يدركه حد إلى الأبد. آمين
(ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين، وغوث الملهوفين، والحنو على القانطين، وما أقل تنفيذ القول!)
إن ما علمه الدكتور داهش المؤمنين برسالة السماء هو عمل الخير بدافع إنساني في المحبة، التي هي عملنا الصالح.
ما من باعث أكثر تشجيعيا، ومعطي أملا، بل أجمل وأبهى من رؤية الخير يتم تطبيقه، لا سيما في زمننا العصيب هذا.
ان افتقاد المساكين والمحتاجين في أيام ضيقهم، لا عن دافع مادي وصولي، هو مكافئة كبرى لفاعله أرضا وأكوانا.
يقول الدكتور داهش في موضع آخر في معناه: إعمل الخير تحصل على السعادة.
هي نعمة إلهية أن ما نفعله من بر نكافأ عليه فورا وإن على الصعيد النفسي.
فكل مخالف لنظام السماء الروحي مجلبة للضيف والتشويش الفكري فالعذاب.
لقد حبب لنا الله عز وجل الخير إلى نفوسنا كبشر، فيما نحن عرضة لارتكاب الإثم مع وساوس السيالات السفلية التي لا تنفك عن الخليقة بغية إذلال الكائنات كلها.
لكن صورة الحق أبدا باقية في النفوس إذا ما التفتنا إلى نورها، بل وخشعنا لحكمة الخالق اللانهائية التي فيها كل الخير للخليقة كلها أينما وجدت.
فالشكر لله وحده والتسبيح والحمد إلى أبد الدهور. آمين
(كلنا يدعي بما ليس فيه.)
يرى الإنسان ما، تصوره ظنون له، وكثيرون ممن لم يتمرسوا على التفاعل التلقائي مع أفكارهم يسقطون في فخ الانفعال العصبي الذي إذا ما استفحل في الكائن الحي، يصبح داء وبالا عليه وعلى من حوله، هو مضيعة وإهدار للصحة والطاقة النفسية.
يخدع العقل المادي الإنسان إذا لم تكبح جماحه بسيال الإرادة الحرة عند كل كائن، بالرجوع الى السكينة النفسية العميقة الباقية ابدا فينا.
ان المادة لا ترى سوى نظيرتها، فانجذابها اليها هو كقطبي الموجب والسالب. أما إذا لم يحكم المنطق السديد في السلام الروحي على الأقل، سادت النزعات العصبية في الإنسان، وطغى عليه السلوك العدواني في الغضب وكل ما لا يحمد عقباه، ما لم يروض الانسان نفسه للصلاح وقول “لا”، لكل انحراف سلوكي .
قيل: الساكت عن الحق شيطان أخرس”
إن أي سكوت او توان او نكوص في عدم الحركة في الاستعداد للقيام بالدفاع عن مظلوم يؤذى أمامك وبإمكانك مساعدته أكان معنويا او ماديا هو إثم بكل ما للكلمة من معان.
نستحسن في التجربة نكوصنا مبررين أفعالنا التي نراها صوابا، لكن الحقيقة هي باتباع ما يمليه ضميرنا الإنساني او الروحي علينا، لا الاستسلام لتصورات المادة بعيدا عن المبادئ الروحية في الله.
ولله ترجع الأمور.
(ما أجمل الحياة بين أحضان الطبيعة.)
في هدوء وسكون الطبيعة يعود الإنسان إلى أعماق نفسه. فالحياة ملأى بأسرار الخلق، فضلا عن أن العلماء أنفسهم ما زالوا في رحلة الاكتشاف شبه اللانهائية هذه.
في الطبيعة حكمة إلهية اذا ما تأملناها مليا، لا علميا فقط.
فالنمل في سعيه الحثيث دون كلال وملال يسعى لكسب رزقه يقوده التواصل التلقائي الذي يتم تنفيذه بكل قناعة دون جدال في عمل الخير.
حتى أنه يسعى أميال من المسافات وفق سبيل محكم. كذلك الجراد يسير في أسرار قاطعا مسافات شاسعة بكل حكمة، دون قائد!
أما النجوم في السماء اذا ما تأملنا وسرنا معها في الفكر، من شأنها أن تجلي الهموم والظنون السيئة فينا إذ، لما تعكسه، في عالم الروح الساطع بالنور بلا حدود في الله.
وبحواسنا الخمس التي هي نعم من الله نحس بما نشاهده كل إحساس، وتنطلق سيالاتنا ما شاء لها الانطلاق في الفكر حيث دوران النجوم والكواكب وجمال الأكوان الفائقة الألوان ببهائها الإلهي العجيب!
(ما أشد براءة الطفولة وما أبهاها!)
نرى في جملة الدكتور داهش التعجبية هنا تأمله في عظمة الخالق، حيث الجمال الروحي.
فقد شاء الخالق للأطفال أن يطبع فيهم الصفاء الذهني، والمحبة غير المشروطة، بل وكل فضيلة راقية بعيدة عن احتيالات هذا العالم المادي وأطماعه التي يبذل الناس، مع الأسف، كل غال ونفيس للحصول عليها.
إن الطفل عفوي وتلقائي، لا يصور الأمور كما شاء بل يراها بإخلاص، مدفوعا بضميره الطاهر مع الفعل أيضا.
في أعماله التسامح لا التصنيفات المادية الشكلية المصلحية الارضية البائدة.
يحاكيك وقلبه مع الله، ببراءتة و بعينيه وبوجهه وقبل كل ذلك قلبه، اي جل حواسه.
بالطبع على الإنسان التعلم من دروس الحياة فالحياد عن الرذائل والموبقات مع اشتداد عوده. لكن، عليه الإبقاء متذكرا الامور الصورية نقاء ضميره في البر، ثم الحكم بالعدل ووصف الأمور كما هي أكانت خيرة او شريرة.
ولا ننسى قول السيد المسيح عليه السلام: (إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماء).
وفي موضع آخر يقول عليه السلام:
(دعوا الأطفال يأتون إلي ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات.)
(أيتها البنفسجي المضوعة، ما أعظم تواضعك، وما أجملك في انزوائك بين النباتات والرياحين.)
تقول التعاليم الداهشية بأن للنباتات على الجملة، والفواكه بشكل خاص سيالات راقية فيها إفادة لمتناولها، ما يساعده في تخفيف توتر وتشجنج جسده للقيام بأي عمل كان، لكن المقصود هنا والهدف منه هو عمل الخير في التقوى، متكاتفين معا، في وحدة الآب السماوي. وهذا ما نسعى لأجله.
أما الوردة التي هي من فئة النباتات، فلوجودها في الغابة رونق وطابع باهر وخاص، تكلل فيه المروج والغازات بأزهى ألوان وأجمل عطور طبيعية، ترفع نفس مشاهدها، دافعة إياه إلى التأمل في جمال خالق الطبيعة.
وهي على هدوئها ترى فيها حكمة عظيمة وهي الانثناء مع الرياح مهما كانت شدتها. فهي لا تقف كالخشبة لتكسر، بل تنحني مع الريح بكل تواضع حتى تلتصق بالأرض، ثم تعود فتنتصب بقوامها الجميل المعهود.
الزهرة تمنح أريجا جميلا وهي حياة للبصر والشم واللمس، بل وكل الحواس. فمنها يستخرج رحيق العسل الشافي أيضا.
هي ثابتة في مكانها، لا تتكلف المجيء والذهاب وإرهاق نفسها لكسب ونيل رضى أحد، أو حتى لأمر مادي، فمن مكانها تشعر مع الزائر وتبادله المحبة.
تشرب قليلا مما يعطى لها، وتأكل مما ينثر لها.
إنها الوردة تاج الغابات وإكليل الجمال المتوج على نور الشمس، في نقاء براءة الطبيعة.
(أنا أتوق للذهاب إلى أفياء الحزانى والموءودين، وأؤثرها على تلك الأفياء الصاخبة بالهازجين الضاحكين.)
تحثنا التعاليم الداهشية في كل كلمات الدكتور داهش على فعل الخير ما أمكننا.
لقد أثبت للجميع بأن أعمال وطباع الدكتور داهش تؤكد على أنه الإنسان البار والثقة، والرمز، في كل عمل خير. فبقول الروح، حيثما تحل عليه، يكون صورة للآب السماوي، منبع الأديان الكونية قاطبة.
تشجعنا كلماته على الالتزام بهدوء النفس وصفائها في أعماق قلوبنا، والنظر إلى الأمور دون تحليلات وفق أهواء البشر المضللة المحملة بكل ريح فلسفة وتحزبات لا عد لها جاءت على مر التاريخ في جميع أقطار الأرض، ولم تزل.
ان إسعاد إنسان بعد مرض، ورد النفس الروحية البارة اليه، هو حياة ثانية بالنسبة له. هو عزاء ورحمة ومحبة فائقة منبعها فراديس السماء.
هو علاقة متبادلة في إخلاص لمن يقدر المعين والمعزي.
والأنبياء في أعمالهم هم القدوة والمجال الأعلى والرحمة للعالمين. فالشكر لله.
(نحن بروق مومضة تمر في وادي هذه الحياة بسرعة خاطفة.)
إن الحياة وإن بدت طويلة بالنسبة للبشر، ما هي إلا لحظة وامضة تمر بسرعة أكثر مما نتصور.
لذلك، من السخرية بمكان أن يتشبث الإنسان بالأرض الفانية باذلا كل مرتخص وغال في سبيل جمع مقدار ما من المال سيؤول دونما شك على الإطلاق لسواه كيفما اتفق.
لذلك تحثنا التعاليم الداهشية على اقتناص الثواني لكل ما هو خير وإنساني، على رجاء نيل حياة أفضل لا هنا على الأرض حيث نقضي أعمارنا بالأمراض والتعب والإرهاق والنوم، بل في كوكب أرقى حيث الراحة الحقيقية في الله والمحبة وكل ما تنشده الروح في العمل الإنساني ثوابا على ما اجترحنا من أعمال الخير.
فالإنسان ضعيف جدا بالنسبة للروح. إذا أصابه عارض ما أجهده كل الجهد، وإذا أصابه مرضا عضالا مات جزعا! فهو قوي في شبابه، ضعيف كل الضعف، جسديا، إذا ما ناهز عمرا كبيرا. فالقوة والحكمة لله وحده، يهبها لمن يشاء ممن يستحقون، وهو العلي القدير.
(كل شيء عظيم في النفس العظيمة، أما في النفس الحقيرة فكل شيء حقير.)
في تواضع النفس رفعة. فالمتواضع النفس يمنح بعقله ونظره لكل شيء قيمة وهكذا يراه دون تفرقة، بل يسير بتناغم مع جميع الكائنات في المحبة الإنسانية.
أما المتكبر المتسلط فيرى الأشياء صغيرة وحقيرة، وكل شيء يراه كذلك، لأن أعماله الشريرة تحدث عنه، وسيالاته السفلية تقوده إلى الدركات وكل من تبعها وحذا حذوها. فالسيال الشرير يزين الأمور المادية السفلية على أنها جميلة، لأنه بطبيعة الحال ابن عالمه الساقط الفاني الذي يرى الأمور هشة. أما من يحب الناس على السواء، متكلا على رحمة الله القدير عاملا، قبل كل شيء بوصاياه السماوية، فله، بحسب قول الدكتور داهش في صلاته السماوية المباركة المرفوعة لأبي البرايا عز وجل:، “السعادة والسماء والنور والسناء، هنالك حيث الضياء والبهاء إذ يخلد مع الخالدين ويتنعم بأنوارك الإلهية حتى أبد الآبدين. فكلمة الحق وصورته هي سيفه البتار، المستل من انوار الروح الفاصلة بين الخلاص وعمل الباطل المادي، وكل ما هو مادي زائل.)- آمين
(الإسلام سفينة حصينة أمينة يستقلها المؤمنون يوم الكريهة، فتجري بهم في محيط المحبة والاطمئنان حتى تبلغ بهم إلى شاطئ السلام والأمان.)
تنادي الرسالة الداهشية بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما بجميع الأنبياء على حد سواء.
تنادي بتعاليم المسيح الفادي، وبحقيقة رسالة موسى، السماوية، كنبي، أعان المؤمنين بالله، قائدا إياهم إلى مراع خصبة بعد امتحان الصحراء العسير.
ان رسالة القرآن لرسالة مباركة موحاة تشهد كلماته العظيمة عن الإعجاز الروحي والأدبي المنزل على نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كان أميا، ليصير القرآن أساس اللغة العربية أينما وجدت.
في تعاليمه سلام وراحة في الله. فيه الحق عن جميع الأنبياء، وعن مجيء المسيح الثاني، من ينتظره المؤمنون، وقد جاء باسم الدكتور داهش معزيا وهاديا حاملا آلامنا. في شخصه الروحي الجمال والكمال والثقة والمثال للنفس النقية التي في سبيلها ينبغي السير.
كلماته أنهار حياة تحملنا على أجنحة الأثير فوق كل العقبات إلى نور الحق، في رسالات الأنبياء والهداة، فلنسلم لها، متكلين على الله الواحد الأحد، راجين الحياة الأفضل والأمثل في عمل البر النابع من قلوبنا. اللهم آمين
وحتى لو كنت في الجحيم، واعمالك خيرة، مستقيمة فأنت في الخلاص لا حيث تسكن. لا شيء يمنعك عن الخلاص الداخلي او يمكن ان يعترضه. اذ تستطيع نيل درجتك الروحية حتى لو كنت في كيادين الجحيم ذاتها. فالراحة النفسية الداخلية مع رؤية الأمور كما هي، هي الخلاص.