كيف سبق الدكتور داهش كتّاب الخيال العلمي العربي ؟
بقلم الكاتب سامح الجبّاس
الخيال العلمي Science Fiction , هو نوع أدبيّ تكون فيه القصَّة الخياليّة مبنيَّة على الاكتشافات العلميَّة والتغيّرات البيئيّة وارتياد الفضاء، والحياة على الكواكب الأخرى، حيث يخلق المؤلّف عالماً خيالياً أو كوناً ذا طبيعة جديدة .
وغالباً ما يكون الإطار الزماني لرواية الخيال العلمي في المستقبل القريب أو البعيد.
أمّا الإطار المكاني للرواية فقد يكون على سطح الأرض أو على إحدى الكواكب السيّارة أو في أي بقعة من الكون أو حتى في أماكن خيالية كالأبعاد المتوازية.

وسنجد فى هذا المقال أن كلّ هذه المواصفات تنطبق تماماً على بعض قصص الدكتور داهش مثل :
( قصّة خيال مجنّح ) التي تدور على سطح القمر ويحكي فيها الدكتور داهش بخيال رائع وسابق لعصره عن تفاصيل الحياة على القمر ومخلوقاته.
وحتى الآن لا توجد أي قصة عربية تشبه أو تقترب من عالم هذه القصة التى كتبها الدكتور داهش فى السبعينيات.
لكن ماذا عن أدب الخيال العلمي العربي؟
لم يحظ أدب الخيال العلمي العربي بالكثير من الاهتمام ولم يتخط عدد كتّاب أدب الخيال العلمي في الوطن العربي أصابع اليد الواحدة في أي جيل من الأجيال، كما لا يمكن اعتبار إنتاج أي منهم تميز بالغزارة خصوصاً بالمقارنه بمثيله الغربي في نفس الوقت، ومعظم الأعمال كانت في شكل سلاسل وكتب للجيب مخصّصة وموجّهة بالأساس للأطفال والمراهقين.
كما أنّ معظم أعمال الخيال العلمي العربية متأثّرة بالفكر الغربي بشكل عام حتى أنّ البعض أعتبر الكثير من الأعمال العربية ما هي إلاّ أعمال غربية في الأصل بعد إجراء عملية تعريب لها وصبغها بالثقافة العربية.
ونلاحظ تأثّر العديد من الكتّاب العرب فى كتاباتهم بشكل كبير بأشهر كتّاب الغرب .
تعكس عناوين قصص الخيال العلمي أفكار وصيغ مختلفة مثل عناوين مستوحاة من صيغ علمية إلى صيغ غير متداولة بهدف تغريب القارئ عن عالم الواقع.
وبقراءة كتاب الدكتور داهش قصص غريبة وأساطير عجيبة – نشر عام 1979 – سنكتشف بعض القصص الرائدة فى مجال الخيال العلمي وهي:
مدينة سكّانها لا يموتون فهم خالدون.
قصة خيالية كوكبية.
مدينة الأحلام.
رحلة وردة جورية.
الأميرة المصرية الفاتنة.
من سمات قصص الخيال العلمي: أن تكون القصّة في إطار زماني مختلف في المستقبل، أو في عصر زمني بديل.
يعتمد أدب الخيال العلمي على مفهوم المحيط الزمني والمكاني المغاير و يلعب على فكرة الواقع البديل أو التاريخ، مع تقديم قواعد وتقاليد هذا العالم.
وهذا نجده فى قصة دكتور داهش : (مدينة سكّانها لا يموتون فهم خالدون)، لنقرأ هذه الفقرات منها :
{ كان أسد الله يسير فى شوارع مدينة الأنوار الساطعة ، وقد استطال شعر رأسه حتى بلغ أسفل قدميه، وكان بريق شعره الذهبي يلمع تحت أنوار الشموس الستة التى ترسل أنوارها على هذه المدينة الموغلة فى البُعد فى الفضاء الكوني اللامتناهي.
فنظام هذه المدينة السحرية بمفاتنها يقضى على المرء، عندما يبلغ من العمر 500 عام، بأن يتحول لون شعره الشديد السواد الى اللون الذهبي.
فمن يُكلل رأسه شعر ذهبي يعرف أن الأعوام قد تكأكأت على كاهله وطالت، ويتأكّد له أنه يحمل على منكبيه مئات من الأعوام البائدة.
………………..
والمسافر من مدينة الأنوار الساطعة الى كوكب اسمانديون يحتاج الى مركبة بسرعة النور ، والى زمن يستغرق مليون عام نوري.
………………..
وقاطن كوكب مدينة الأنوار الساطعة لا يمكنه ، بأي حال، أن يقترن بأية فتاة مدينتها كوكب اسمانديون العظيم إلا بعد أن تنصرم أعوامه الألف ، وبعد انقضاء حياته ينتقل الى كوكب اسمنديون ، وبمجرد انتقاله تتغيّر سيالاته، فتصبح منسجمة مع هذا العالم، واذ ذاك يمكنه الاقتران بحبيبته، هذا اذا كان قد أوصل سيالاته لتوجد فى هذا العالم الفريد.
…………….
وقاطنو كوكب اسمانديون لا يعرفون النوم على الاطلاق، والليل لا يعرفون منه سوى اسمه، فالنور يغمرهم دائماً، والضياء يرافقهم أنّى ساروا أو رحلوا.
وعندما يسيرون فإنّهم يرسمون نجمة باصبعهم على جبينهم، فإذا بهم يرتفعون فى الفضاء ، ويسيرون فيه كأنهم يمشون على اليابسة.
………………
وكم تمنى لو أمكنه الانتحار والتخلص من حياته ليذهب الى كوكبها الفاتن. لكن سكان هذه المدينة العجيبة لا يمكن أيا منهم أن ينتحر، ولو ألقى امرؤ نفسه من قمة أي جبل شامخ ، وهوى الى الحضيض، لانتصب واقفاً دون أن يُخدش له ظفر. فالموت لا يأتي أي قاطن فى هذه المدينة حتى تنتهي أعوامه الألف.
…………………
فعندما يبلغ عامه الأف يكون قد شاخ ، وتوتّرت أعصابه، وانحنى ظهره لثقل الأيام، وضعف بصره، واخشوشن صوته، وثقلت خطواته، وأخذ يترنّح يمنة ويسرة.
وعندما ينقضي يومه الأخير من عامه الألف، يتغير فجأة ، فيولد طفلاً رضيعاً، ويروح ينمو مع الأيام ويُعيد سيرته الأولى، أي يحيا ألفاً من الأعوام ثانية ، وبنهايتها يولد مرة أخرى، وهكذا دواليك. }
ومن سمات قصص الخيال العلمي أيضاً أن تتضمّن مبادئ علمية جديدة أو قوانين تتعارض مع القوانين المعروفة سابقاً مثل التنقّل أو السفر عبر الزمن، والثقوب الدودية والانتقال بسرعة أسرع من الضوء وغيرها.
مع افتراض وجود أكوان وأبعاد مكانية أخرى وامكانية السفر بينها.
وهذا ينطبق تماماً على (قصة خيالية كوكبية)
لنقرأ هذه الفقرات منها:
{ لقد توصل العلامة ماندال بواسطة عقاقيره الكيميائية أن يحول الصخر الى نور متلألىء، ثم يسلط على هذا النور أشعة من جهاز مليء بعدد من المواد الكيميائية ، فإذا بالأشعة الساطعة تعود الى طبيعتها الأولى، صخراً مادياً وكأنه لم يتحول لأشعة.
………………….
وجلست ميشلين على مقعد مريح فى غرفة زجاجية أُسدلت الستائر على نوافذها ، وقدم لها العلامة كوباً فيه سائل أصفر اللون، فتجرعته حتى آخر نقطة فيه، ثم أشعل الجهاز، وسلط نوره الأرجواني عليها، واذا بها تتحول الى كتلة من النور الوهاج، واختفى جسدها بأكمله ، وحل محله هذا النور العجيب.
كان النور ثابتاً فى الغرفة الزجاجية، وهى محاطة بأنابيق وزجاجات مليئة بأنواع عديدة من العقاقير الكيميائية، فلو ازاح ماندال هذه الأنابيق من حول الغرفة لتسرب النور متصاعداً نحو الفضاء.
وتقدم العلاّمة وسكب فى منتصف الدائرة النورانية مادة كيميائية أفرغها من زجاجة صغيرة بيده. ثم سلط نور الجهاز على الأشعة الموجودة بالغرفة الزجاجية، وفي هذه المرة كان النور أخضر وليس أصفر.
وللحال اختفى النور وظهرت ميشلين مكانه …}
وقرر العالم أن يقوم بالتجربة على نفسه ، لنقرأ ماذا حدث له :
{ وصوبت الأشعة على العالم ماندال وبلحظة خاطفة تحولا الى أشعة متلألئة، وقد اختفيا عن الأنظار غير مخلّفين من آثار إلا أشعة بارزة بروز الشمس فى رابعة النهار.
وما عتمت هذه الأشعة أن انطلقت خارجاً، مخترقة زجاج الغرفة التى أصبحت مظلمة بعد توارى النور الساطع منها.
كانت سرعة هذه الأشعة 300 الف كيلو متر بالثانية وبهذه السرعة الخارقة راحت تجوب الآفاق. فمرت بكواكب وأفلاك وسدم ومجرات ومتاهات كونية مذهلة.
واستمرت فى انطلاقها المدهش للعقول حتى بلغت كوكب الماهيا هوبال.
فقد كان هذا النور منسجماً مع هذا الكوكب العظيم، وكانت جاذبية الكوكب موافقة لهذا الاشعاع المنطلق من عالم الأرض فجذبه اليه.
وفور دخوله الى فلكه تجسّد العلامة مثلما تجسّد الجهاز أيضاً.
………………
وفور ملامسة أقدام العلامة لهذا الكوكب، شاهد مجموعة من الأشجار هي أعجب ما يمكن امرء أن يشاهده، فقد رأى شجرة تحمل ، عوضاً عن الأوراق ، عيوناً ، فهي مليئة بها, ………….
وكانت هذه العيون تفتح وتغلق حسبما يروقها، وهى عيون النساء فى هذا الكوكب المدهش، وقد استقرت مكان أوراق الشجرة.
وكانت عيون أكبر حجماً من هذه قد استقرت فى الشجرة بدل الثمار، وهى عيون رجال هذا الكوكب.
وعلى مقربة من هذه الشجرة المذهلة شجرة أخرى استطالت فيها،عوضاً عن أوراقها، ألسنة مختلفة ، منها القصير والطويل، والضامر والسمين، والمتسخ والنظيف، والأسود والأحمر والأبيض، وغيرها من الألوان، وهي ألسنة النساء.
أما الرجال فألسنتهم نبتت عوضاً عن الثمر، وهى أطول وأعرض من نساء هذا الكوكب.
ثم شجرة تحمل، عوضاً عن الأوراق والثمار فى أغصانها، أيادي ممتدة. فالقصيرة للنساء والطويلة للرجال.
………………
ثم انتصبت أمامه فتاة انتشر فى وجهها عشر عيون. وهي تملك يداً واحدة ، وكفها تحتوي على عشرين اصبعاً، وفمها بوسط كفها الوحيدة، وهو دون أسنان أو أضراس.
وهى تقف على ساق قصيرة واحدة لا يعدو طولها ستة سنتيمترات. وكان صدرها فى عنقها. ويستطيع المرء أن يشاهد قلبها وهو يخفق عشر آلاف خفقة فى الثانية، فصدرها كأنه زجاج شفاف ، يتيح للمشاهد أن يرى قلبها وهو يعمل، وهي دون عظام اطلاقاً.
وكان رأسها البارز من ظهرها يحمل ريشة واحدة، وهى بلون ريش الطاووس، ورأسها مجرد من الشعر تماماً.
وكان بأسفل قدمها البالغة القصر ، بكرة معدنية مستديرة، وعندما تسير برجلها الواحدة تُطلق نفسها على سجيتها، فتدور البكرة سائرة بها في طريق مستوية كأنها الحرير فى نعومتها.
…………….
أخيراً جلست وأشارت اليه بالجلوس، وكانت الأرض حيث جلسا قد نمت فيها أعشاب غير سامقة. وهي تحمل رؤوساً صفراء بحجم ثمرة البندورة الأرضية. فاقتطفت حوالي العشرين ثمرة، ثم أخرجت من أنفها قطعة تشبه المعدن ، وهى كالمفتاح الأرضي, وأدخلت هذه القطعة المعدنية بثقب فى بطنها، وأدارته، واذ به يُفتح.
فوضعت الأثمار المقتطفة فيه ، ثم أقفلت بطنها،
واذا بدخان يتصاعد من أذنها الواحدة المستقرة بقمة رأسها، وما لبث أن ملأ رقعة من الفضاء، ثم تحول هذا الدخان الى ماء تساقط عليها، فرشفته بلذة واضحة.
……………..
إن الماء لا يوجد فى هذا الكوكب اطلاقً، فوجوده محصور بهذه الطريقة.
وقد صحبت هذه المرأة العلامة ماندال الى أماكن عديدة. فشاهد منزلها ، وهو كسائر المنازل التى يملكها سكان هذا الكوكب،
والمنزل يقوم على أعلى غصن فى الشجرة، فعلى هذا الغصن تفرش مادة صمغية تؤخذ من شجرة عظمى……………………
وهذا المنزل يقيم فيه رب العائلة مع أولاده وزوجته، وهو صفحة منبسطة طولاً وعرضاً فقط، فلا جدران فيه، ولا نوافذ ولا منافع.
واذا وُضعت على الغصن أثقال باهظة فانه يتحملها، ولا ينوء إطلاقاً ولا ينقصف تحت أى عبء. }
هذا العالم الخيالي الغريب والمدهش ليس له نظير فى كل قصص الخيال العلمي العربية منذ بدأت فى الثمانينيات وحتى الآن.
أما قصته ( المدينة الحالمة ) والمؤرخة فى 1978 فقد أخذ الدكتور داهش فيها قارئه الى عالم خيالي غريب , لنقرأ هذه الفقرة :
{ حلّقت بخيالي نحو الأعالي.
واذا بي أرتقي ربوة فاتنة، تزينها أشجار من الذهب النقي تحمل أثماراً مذهلة من الجواهر الثمينة، وأوراقها من الزمرّد العجيب الجمال……………
………………
وتفتّحت وردة جمرية اللون ، وخرجت منها حورية هي البدر التمام، وكانت ترتدي أنوار الشمس، وتتوج رأسها بالبدر المتوهج بأشعته الشعرية، تحيط بها الكواكب النيرة.
وفجأة هبطت مركبة نورانية تقودها يمامتان لطيفتان، فأشارت الحورية لي بأن أصعد ، وجلست بجانبي، وإذا باليمامتين تبسطان أجنحتهما وتحلقان نحو الأعالي …}
والآن لنقرأ هذه الفقرات من قصة ( الأميرة المصرية الفاتنة) :
تدور أحداث القصة فى العصر الفرعوني حيث تقام مسلّة عظيمة من أجل عيد ميلاد الأميرة الجميلة ، وبعد الاحتفال يتمّ اقترانها بخطيبها وحبيبها ” رعمون” لكن فجأة تسقط المسلّة الضخمة عليها وتموت الأميرة.
وتنهتي القصة – القصيرة – بهذه النهاية :
لنقرأ :
{ … أمّا رعمون فقد هاله الأمر ، واختلط عليه الحادث، فأضاع اتزانه وأصبح مضعضع العقل، مسلوب الرشد، وصمت دون أن يتفوه بأي كلمة، وكانت دموعه تنهمر كالشآبيب.
وفجأة سقط أرضاً ، وضاق نفسه، واتسعت حدقتا عينيه، واذا به يقول:
- سألتقي ، سألتقي بحبيبتي “سختحتي” , سألتقي بأميرتي، ولكن ليس بهذه المدينة، بل فى مدينة اسمها باريس، وسأكون جالساً بمركبة لا تقودها الخيول، وهي تسير بسرعة كبيرة، وبجواري ستجلس معبودتي وأميرتي، ومراراً وتكراراً ستمرّ بجوار هذه المسلّة القاتلة المنصوبة بساحة سيكون اسمها ساحة الكونكورد ، كما أنّي أشاهد المئات من هذه المركبات التى تسير دون خيول.
وستكون حبيبتي ، اذ ذاك، بمقتبل العمر, وسأكون أنا في المرحلة الأخيرة من حياتي، وكلّما نمرّ بالمركبة بالقرب من هذه المسلّة سأشير لها باصبعي عليها، دلالة أنها القاتلة.
فهذه المسلّة المجرمة هي من قتلت حبيبتي، وسميرة أيامي، ومانحتي السعادة القصوى.
تمتم بهذا .. ثم اختلج اختلاجة كبرى ، واذاه جثة هامدة. }
أما فى قصته ( رحلة وردة جورية ) فالقصة تدور على لسان وردة كانت ملك لفتاة جميلة وقد أهداها اليها خطيبها على ظهر سفينة ، لكن السفينة تغرق ، وتبدأ رحلة هذه الوردة فى عالم البحر وتقابل مخلوقاته الغريبة ، لكن في النصف الثاني من القصة يظهر ويتجلّى بوضوح أحد أهم أنواع قصص الخيال العلمي وهى ” قصص الفضاء ”
لنقرأ هذه الفقرة :
{ وفجأة سطع نور باهر فى السماء أنار البحر وكأنّ الشمس قد أشرقت.
واقترب هذا النور المبدّد للظلمات، ثم جسم متحرك بدأ يهبط من الفضاء ، ثمّ هوى بسرعة وخفّة عجيبين ، فاذا هو كالصحن باستداراته التامة، وكان قطره حوالى 40 متراً. وسُمع لمحرّكاته دوي خفيف ، وكان الدوي موسيقياً.
وكانت النوافذ تملأ استداراته، وقد شاهدت من خلال زجاج هذه النوافذ رجالاً بطول القلم الرصاص وهم زرق اللون ، وكانوا فى حركة ذهاب وإياب متواصلين …}
كلمة أخيرة:
لقد كان للدكتور داهش السبق فى كتابة قصص الخيال العلمي العربي ، وكانت قصصه لا تشبه القصص الغربية أو الأمريكية ، بل كانت أقرب الى رؤى أو خيال علمي حقيقي بلا تصنّع ولا تكلف.
لكن من يدرك ذلك من النقّاد؟ وأين التاريخ الأدبي العربي من هذا السبق؟