الفنون

لوحة وقصّة: “نرجس”

بقلم هنادي فيّاض

 

وكأنّما الوجود بأسره قد سُُخّر ليدور في فلك أهدافِك، وكأنّ الأرض ومن عليها لا يتحرّكون إلا استجابةً لأطماعك وطموحاتك. هناك، خلف تلك النظرة التي لا ترى إلا الأنا “الأجمل، والأذكى، والأكمل”، تسكن غطرسة العنجهيّة وتتجذّر هواجس النرجسيّة.

​ولكن، ما هي النرجسيّة في جوهرها؟

ما الذي يأنّ في أعماق صاحبها، فيدفعه لتشويه كل ما يحيط به ليظلّ هو الصورة الوحيدة البرّاقة؟

ما هو الوقود الذي يغذّي هذه ال- “أنا” المتضخّمة، حتى تعمى البصيرة عن رؤية الآخرين؟

​إنّنا نقتات اليوم على ثقافة العظمة؛ فنحن نعيش في عصر يقدّس الأنانية تحت مسمّيات متألّقة. الجميع يروّج لـ “حبّ الذات” و”البحث عن الذات” و “تحسين الذات”. وكل ذلك في قشور وأنانيّة تلك الذات. فنحسّن بمظهرها الخارجي، ونسعى ونهرول وراء رغباتها ومتطلّباتها وأحلامها قبل مسؤوليّاتها وواجباتها. فصرنا عبيداً لتلك الذّات الغرائزيّة الأنانيّة.

​والنتيجة؟ لقد ضعنا اليوم في متاهةٍ كبرى، حيث نرى انعكاسات هذه النرجسيّة تتجلّى في قادتنا وحكّامنا، والأدهى من ذلك، أنّها باتت تسكن في زوايا أنفسنا المظلمة.

لخّص كارفاجيو ذلك الغرور في لوحة “نرجس”..

 

File:Narcissus-Caravaggio (1594-96) edited.jpg - Wikimedia Commons

 

أسطورة نارسيس (نرجس)، إبن الحورية “ليريوبي” وإله النهر “كفيسوس”.

كان مغروراً متغطرسًا بسبب جماله الاستثنائي الذي لا يُضاهى .فقد كان جماله أخّاذ، وصوته رنّان، وطوله شامخ . ممّا دفعه إلى الشعور بكبرياءٍ شديد وازدراء الآخرين وسوء معاملتهم . وبصفته ابن إله نهرٍ وحورية، اعتقد أنه متفوقٌ على جميع عشّاقه، فرفض حبّهم بقسوة، ممّا جلب عليه في النهاية عقابًا إلهيًا من إله العقاب والانتقام نيميسيس. فوضع عليه لعنةً أن لا يجد من يحبّه و يظلّ طوال عمره يبحث عن الحب.

يشعر نرجس بالعطش، فينهض إلى البحيرة ليشرب الماء. يدنو برأسه ليروي عطشه، وبعد أن يرتوي، سرعان ما يتحوّل انتباهه لشيء ما. شيءٌ يطغى على كيانه. يرى نرجس صورته المنعكسة على الماء. يرى جماله الآسر، ويستمرّ بالتّحديق في ملامحه الساحرة. ولأوّل مرة، يرى ما كان يتحدّث عنه عشّاقه ومعجبيه.

يغرق نرجس في مشاعر الحبّ تجاه نفسه غير مصدّقاً لما يراه. يصبح مفتوناً بملامح وجهه غير آبهٍ بأيّ شيءٍ آخر، فيقضي كلّ وقته أمام انعكاس صورته. ومن شدّة إعجابه، يمدّ يده محاولاً لمس الشخص الذي يظهر أمامه، لكنّ يده تحرّك الماء فيختفي الانعكاس. يدخل رأسه في الماء باحثاً، ولكنه لا يرى أحد. يحاول مِراراً الإمساك بصورته لكنّها سرعان ما تتسرّب من بين يديه. وبذلك يقع نرجس في حبّ نفسه لتتحققّ لعنة نيميسيس..

ظلّ نرجس الذي استهلكه حبّه للصورة الوهمية مهووسًا بالتحدّث إلى الشخص الذي يظهر له على سطح البحيرة، متجاهلاً حقيقة أنّه انعكاسٌٌ لصورته، ففقد الاهتمام بنفسه، وتمنّع عن الأكل والشرب.

تلِف نرجس وهو ينتظر أن يحبّه انعكاسُه. يتغلّب عليه اليأس في لحظاته الأخيرة، ويستسلم لحتمية مصيره، ليتحوّل بعد ذلك كما تقول الأسطورة إلى زهرةٍ بجانب البحيرة. يُطلق عليها لاحقاً اسم “زهرة النرجس”، وتصبح رمزاً للغرور وحبّ الذات. فعُرفت بجمالها وعطرها الاخّاذ وسمّها القاتل..

تُعدّ لوحة “نرجس” (Narcissus) للفنان الإيطالي الشهير كارفاجيو واحدةً من أكثر الأعمال الفنية تعبيراً عن التناقض النّفسي والجمال المأساوي. تُجسّد هذه اللوحة الصراع الأبدي بين الجمال والغرور، وبين الواقع والانعكاس( الوهم). رُسمت هذه اللوحة بين عامي 1597 و1599.

​نرى الشاب “نرجس” وهو ينحني فوق بركة ماءٍ ساكنة. يُبرز كارفاجيو براعته الفائقة في سيمفونية استخدام تقنية الكياروسكورو (Chiaroscuro)،وهو التكنيك الذي اشتهر به وهو يعتمد على التباين الحادّ بين الظلال القاطنة والأضواء الساطعة، ممّا يمنح اللوحة دراما واقعية مذهلة.

​اللوحة مُصمّمة بشكلٍ دائري تقريباً؛ حيث تشكّل ذراعا نرجس وصورته المنعكسة حلقةً بصريةً مغلقة، ممّا يوحي بالعزلة والارتباط الأبديّ بالذات.

​ يرتدي نرجس سترةً مزخرفةً تعكس ذوق العصر ومكانته الاجتماعية العالية. تَظهر ركبته البيضاء بوضوح كأنها نقطة ارتكاز للّوحة. وجهه الغارق في الظلّ ينمّ عن تركيزٍٍ شديد وحزنٍ صامت ووحدةٍ مريبة و هيامٍ خانق. بينما تلمس يداه حافّة الماء في محاولةٍ يائسة للإمساك بالسراب.


​ يسقط الضوء بقوّة على رقبة الشاب وكتفه، بينما يغرق باقي المشهد في ظلامٍ دامس، ممّا يعزل نرجس عن العالم الخارجي تماماً.

​برع كارفاجيو في تصوير الانعكاس بشكلٍ ضبابيٍّ ومظلم، ممّا يعزّز فكرة أن “نرجس” لا يرى حقيقة نفسه، بل يطارد وهماً سيؤدّي في النهاية إلى هلاكه.

​لا يُمكن فهم جمال لوحة “نرجس” دون الغوص في حياة مبدعها، ميكيلانجيلو ميريسي دي كارفاجيو.

 

Chalk portrait of Caravaggio by Ottavio Leoni,c.1621 

 

كان كارفاجيو المولود في عام 1571، رسّاماً إيطاليّاً ثوريّاً غيّر مسار فنّ الباروك بشكلٍٍ أساسي. بعد أن كان يتيماً في سنٍّ مبكرة، انتقل من ميلانو إلى روما في أوائل تسعينيات القرن السادس عشر.

​تميّزت مسيرته الفنيّة بالثورة على التقاليد المثاليّة لعصر النهضة؛ فبدلاً من رسم الشخصيّات بصورةٍ ملائكية، كان يختار نماذجه من عامّة الشعب، مصوّراً إيّاهم بكل عيوبهم وواقعيّتهم. هذا “الواقعيّ القذر” كما وصفه بعض نقّاد عصره . تكمن عظمة كارفاجيو في أنّه لم يرسم “أسطورة”، بل رسم “إنساناً”، و هو ما منح لوحاته قوّةً عاطفيّةً تأسرنا عندما ننظر الى لوحاته..

على الرغم من نجاحه المهني، كان كارفاجيو العبقري المتمرّد ذا شخصيّةً مثيرةً للجدل، عُرف بمزاجه الحادّ وحياته المليئة بالصراعات والهروب من العدالة. كان كارافاجيو معروفاً بالغضب الساخط وكثيراً ما شارك في المشاجرات والنزاعات القانونية. اتّخذت حياته منعطفاً مظلماً في عام 1606 عندما قتل بغير تعمّد رجلاً خلال مشاجرةٍ على مباراة تنس. أُجبر على الفرار من روما كخارجٍ عن القانون، وقضى سنواته المتبقّية في المنفى، وتنقّل بين نابولي ومالطا وصقلية.

حتّى أثناء هروبه ، استمرّ في إنتاج روائع تعكس اضطرابه النفسيّ المتزايد وهوسه بموضوعات الموت والفداء. وبرع في استكشاف الأعماق النفسية للشخصيات التي صوّرها.

في مالطا، تمّ الترحيب به في البداية، لكنّه سرعان ما سُجن بعد مشادّةٍ عنيفةٍ أخرى. هرب إلى صقلية وعاد في نهاية المطاف إلى نابولي، حيث تمّ تشويه وجهه بشدّة في محاولة اغتيالٍ من قبل أعدائه.

في عام 1610، أثناء عودته إلى روما على أمل العفو البابوي، توفّي كارافاجيو في ظروف غامضة عن عمر يناهز 38 عاما. على الرغم من أن سبب وفاته كان موضع نقاشٍ طويل، إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أنه من المحتمل أن يكون قد تمّ تسميمه .

لم يترك كارفاجيو وراءه أي ورشة عملٍ أو تلاميذ، ومع ذلك ضمِن أتباعه “Caravaggisti” انتشار نفوذه في جميع أنحاء أوروبا، ممّا ترك أثراً على أكبر المبدعين مثل رامبرانت وفيلاسكيز.


لم يقدّم لنا كارفاجيو مجرّد لوحة فنية في لوحة”نرجس”، بل قدّم دراسة نفسية عميقة حول الهشاشة الإنسانية.

اليوم، تُعرض هذه التحفة في غاليريا ناسيونالي d’Arte Antica في روما، حيث تقف كشاهدٍ على عبقرية فنّانٍ عاش حياته على الحافّة، تماماً كما وقف نرجس على حافّة البركة.

وهكذا تظل لوحة “نرجس” تحذيراً صامتاً عبر القرون؛ تذكّرنا بأن الانغماس المفرط في الذات قد يمنعنا من رؤية العالم الحقيقي، وبأن الصورة التي نعشقها في المرآة، قد تكون هي نفسها الهاوية التي تبتلعنا.

 

error: Content is protected !!