مقالات

المشروع الإلهيّ بين الفَصل والوحدة

بقلم الكاتب حسين يونس

 

بعد أن تحدَّثنا في المُقدِّمة عن بدء الصِّراع بعدما فقدت السيَّالات الروحيَّة القدرة على رؤية وحدة الجوهر، ومعه بدأ الصِّراع بين الآلهة. ثمَّ تحدثنا في  الحقيقة والوهم، وعرجنا في عمليَّة فصل السيَّالات الروحيَّة الى حكمة التباين ووحدة الهوية الكونيّة ، ثمّ تناولنا وحدة الإستحقاق من حيث أنَّ السيَّال الأقوى لنزعة الحقّ والخير والجمال ليس سائحاً في ملكوت الله، ولا الأضعفُ تائهاً في زحام المادَّة، فكلاهما جزءٌ من قوافل الوعي ذاتها، كان لا بُدَّ من البحث في المشروع الإلهيّ ما بين الفصل والوحدة، وجَعْلِ الشوقِ لِلوحدةِ أَقوى من لذّةِ الإِنفصال، مِمّا يَضمنُ أنَّ حركة الوجودِ ستظلُّ دائماً تَنزعُ نحو العودةِ والارتقاء.
 
د- المشروع الإلهيّ بين الفَصل والوحدة:

يتجلى جلالُ التدبيرِ الإلهيِّ في تلك المسافةِ الرابطةِ بَيْنَ فَصْلِ السيّالات لخلق التَّعدُّد والمقارنة كضرورةٍ لِلحريّة، وبَيْنَ استعادةِ الوِحدة كثمرةٍ لِلإِستحقاق؛ فهذا الفصلُ ليس إلا نِظاماً روحيَّاً وضَعَهُ القديرُ لِيُديرَ حركَةَ الوجودِ في صِراعِ الوحْدَةِ ومِعراجِ الصُّعود. فالمشروعَ الإلهيَّ مَلحمةٌ كونيّةٌ بطلُها الإرادة، وقائدُها الأمُّ الرُّوح، وميدانُها السيَّالاتُ الروحيَّةُ التي انطلقت من مِشكاةِ الرُّوحِ القُدسيَّة لِتختبرَ صِدقَ جوهرِها في أبعادِ المادَّة والرُّوح معاً، حيثُ يمنحُها الفصلُ حركتَها الجوهريَّة عبرَ جدليَّةِ البُعد والشوق، والتشتُّتِ والجمْع ، ليكونَ هو المُحرِّكَ الأَساس لِلعدالةِ الإلهيَّةِ في أبهى صُورِ التدبير.




ففي بَدءِ التكوين الرُّوحيّ، حيثُ كان الصمتُ يسبقُ إنبلاجَ الكلمة، خلق الله عزَّ وجَلّ الأرواح الإلهيَّة، ومنحِ كُلٌّ منها ستماية سيَّالٍ نورانيّ، فصل بينها الى قطبين مُتساويين في العدد، مُتعادلين في القوَّة، مُتقابلين في النُّزوع، ومُتضادين في الغاية وفي الاتجاه، وهذا ما جعل من المشروع الإلهيّ ميزاناً دقيقاً لعدالة الإِستحقاق.

لم يكنْ الفَصْلُ الإلهيُّ للسيَّالات مجرد تفتيتٍ عشوائي أو تبديداً للنُّور، ولا كان تشتيتاً لمزاجٍ إلهيّ، بل كان انشطاراً وجودياًَّ حكيماً يمثِّلُ جَدلية الوجود الكبرى، وينبثقُ عنه قطب النُّور وقطب المادَّة، ويضع السيَّال في توتُّرٍ خلاَّق. وعليه، لم يكن فعل بدء التَّجربة فِعلَ إقصاءٍ وإِبعاد، بل في جَعْلِ الشوقِ لِلوحدةِ أَقوى من لذّةِ الإِنفصال، مِمّا يَضمنُ أنَّ حركة الوجودِ ستظلُّ دائماً تَنزعُ نحو العودةِ والارتقاء، لا بل لِيتحولَ السيَّالُ من مِنحةٍ موهوبة إلى ذاتٍ مُريدة، تمتلكُ سُلطانَ الخيارِ المُستقلِّ في مَهبِّ الأَكوان.

في نظام الفَصل، لا يوجدُ ارتقاءٌ مجَّانيّ، بل ثَمّةَ قانونُ التردُّدِ والإِستحقاق. فالعودة تتطلَّبُ بذلَ الجهد والتخلُّص من النَّزعات والرَّغبات. وبما أنَّ الخلاص ليس عمليَّة بسيطة وسهلة المنال، كان لا بُدَّ للعناية الإلهيَّة من أَخذ ذلك بعين الإِعتبار، فمَنَحَتْ السيَّالات التي خرجت من دوائر النُّور الإلهيَّة فرصة تعاقب التقمُّصات، والإِستفادة من أدوات الإِرتقاء الممنوحة لها ضمن عوالمها، الى أن يستحقَّ السيَّالُ نوره بيقينه في رحلة العودة.

بين الفصلِ والوحدةِ تمتدُّ مسافةٌ هي كُنهُ الوجودِ وجوهرُ الإِختبار؛ مِضمارٌ صاغتهُ القوةُ المُوجِدةُ لِيَفصلَ بين السيَّالاتِ ذاتِ النَّزعةِ الأَقوى والسيالاتِ ذاتِ النَّزعةِ الأَضعف، خالقةً بذلك فضاءً للتعدُّدِ والمقارنة. إنَّ هذا الانفصالَ لم يكن عَبثاً، بل كان قِمّةَ التكريمِ الإلهي لإِرادةِ السيَّالات؛ حيثُ وُلدت الحريةُ في أبهى صورِها، وهي القدرةُ على الرفض، وليكون اختيارُ الحقِّ نابعاً من مَحبَّةٍ ذاتيَّةٍ لا من رُعبٍ قَدريّ. وفي هذا الميدان، تَنعتقُ السيَّالاتُ الستمئةُ من وَهمِ الشتات والإِنفصال عن الرُّوح الأُم، طاويةً آخرَ دروبِ التجربةِ لتمحوَ بوعيِها أثرَ الصِّراعِ الذي أسقطَها يوماً، فبعد أن صهرَها نظامُ الفصلِ في بوتقةِ الاختيارِ الحرّ، استحالت نوراً واعيّاً بذاتِه، يرى في الآخَرِ امتداداً لا خَصماً، ويجدُ في الإِتِّحادِ إِكتمالاً كلِّياً لا مُنافساً.

هناك، حيثُ تذوبُ حركةُ الصِراع في سُكونِ الوحدةِ العُظمى، يُسدلُ ستارُ الرحلةِ ويُفتحُ بابُ الخلود؛ ليتجلّى جلالُ اللهِ عدلاً مُطلقاً لا يظلمُ مثقالَ ذرّة، بل يمنحُ كلَّ سيالٍ ما استحقَّ بنزعتِه ومحضِ إِختيارِه. وعندئذٍ، تُدركُ الرُّوحُ بيقينِ العارفِ أنَّ الفصلَ لم يكنْ عِقاباً، وأنَّ الوحدةَ ليست إكراهاً، بل هي رحمةُ الجذبِ التي لا تتركُ تائهاً في لُجّةِ الأكوانِ دون مَرسى.

هذه النَّظرة الأوليَّة العامَّة على بداية الخَلْق والفَصْل، ولكن إن حاولنا سِبر أَغوار هذا الفَصل، نرى فيه نِظاماً جوهريَّاَ يعتمد توزيع السيَّالات بأسلوب النُّور والظِّل، الأَساس والرَّديف، الرئيسيّ والتَّابع، الخ…. وبمعنى آخر الصّدق والكذب، الأمانة والخيانة، التَّواضع والكبرياء، الخ… ففي وجود الظِّل أو التَّضاد مساحة إحتمالٍ، هو الذي يمنح النُّور قيمته؛ فالحريَّة لا تتحقَّق إِلا بوجود خيارين. أن يختار السيَّال في أيٍّ من تقمُّصاته النُّور بإرادته رغماً عن جاذبية الظِّل، وهنا يولد الإِستحقاق. فكلُّ قيمةٍ أخلاقيةٍ عليا هي في جوهرها سيَّالٌ أَساس يَجذبُ الرُّوحَ نحو مِشكاةِ الله عزَّ وجَلّ، وكلُّ نقيصةٍ هي سيالُ ظلٍّ يَشدُّ الكيانَ الرُّوحيّ نحو تخوم عوالم الأُمَّهات الأرواح، على ألاَّ تتجاوز الدرجة الأولى منها. وهذه الصِّفاتِ ليست مُجرَّد مفاهيم جافة، بل هي تردُّداتٌ إشعاعيَّة تَتصارعُ داخل مِحرابِ النفس. وفي جوهر هذا النِّظام يبرزُ التَّعاطي بين السيَّالات في أدقِّ مفاصل صِراع الوحدة كتفاعلٍ إسترداديّ يهدف لإِعادة لمِّ شمل الهويَّة المُبعثرة.

لنعود الى البداية، حيثُ كان الوجودُ يسبحُ في لُجّةِ النُّورِ المُطلق. هناك، خلق الله عزَّ وجَلّ الأَرواحُ الإلهيَّة من فيضِ محبَّته، جواهرَ مقتطعةً من ذاتِ الضياءِ، وتحملُ بصمة المصدر الذي يُشكلُ كينونتَها الأَسمى. ووهبها سيَّالاتِها الستمائة وفقَ هندسةٍ تجمع بين وحدة النَّوع وتعدُّد التَّردُّد، فالسيَّالات، على اختلاف قوَّتها ومساراتها، تنتمي إلى ذات الجوهر الإلهيّ. وهذا ما لم يكن تفضيلاً لسيَّالٍ على الآخر، بل كان توزيعاً للمسؤوليَّات وتكاملاً للقوى داخل الجسد الرُّوحيّ الواحد للأُم الرُّوح. وذلك قبل تجربة الحريَّة وتحمُّل المسؤوليَّة، وبدء الملحمة الكبرى في محراب الوجود.

ومع بدء التجربة، خرجت الكثير من السيَّالات ذات النَّزعة الأضعف من دوائر النُّور الإلهيَّة الى عوالم المادَّة، كما سَمَت وارتقت الكثير منها ذات النَّزعة الأقوى للحقِّ والخير والجمال في عوالم الأرواح. ولكن، وإنطلاقاً من قاعدة التكافل الوجوديّ، حيث لم تكن القوَّة ميزةً للترفُّع، بل كانت أداةً مُرتهنة على إنتشال السيَّال الظِّل من دَرَكِ المادَّة وشرطاً للإندماج بالأُم الرُّوح. وبالتالي لا عودة للسيَّال الفرد الى حُضنِها كجُزيئاتٍ مُتفرِّقة، كما لا عودة لها الى حضن العزَّة الإلهيَّة من دون عودة جميع السيَّالات الستمئة. لقد صاغ الله عزَّ وجَلّ العدالة الإلهيَّة بحيث لا يكتمل كمال الأُم الرُّوح إِلاَّ بعودة آخر سيَّالٍ تائهٍ لها.

في ميزان العدالة الإلهيَّة، يتحوَّل الترابط الإشعاعيّ ما بين السيَّال النُّور والسيَّال الظلّ الى علاقة قُدسيَّة، حيثُ لا يوجد سُقوطٌ مُنفردٌ أو ارتقاءٌ معزول، بل هو رنينٌ متبادلٌ بين القطبين الأَساس والرديف أو التَّابع. ففي جدليَّة النُّور والكثافة يَخفتُ إشعاعُ السياَّلِ الأَقوى بَسَببِ انغماسِ السيَّالِ الأَضعفِ بإعادة صياغة تردُّداته لخدمة نزعاته الماديَّة الدنيئة. وفي معراج الإرتقاء، يكتمل المشهد العكسيّ، فكلَّما تخفَّفَ السيَّالُ الأضعفُ من أَثقالِ كثافته، وتطهَّر من وزرِ نزعاتُه، تحرَّرتْ طاقةُ الأَقوى وازداد نوره إشعاعاً. فسقوط الأَضعف يمثل إستنزافاً كونيّاً لجوهر النُّور في السيَّال الأَساس. وهكذا يكون الترابط ما بين المُتضادّين كقانون إنعكاسٍ تردُّديّ يحكمُ حركة الكيان بأسره، وفيه يكون مقدار الإِشعاع في السيَّال النُّور مرهونٌ بدرجة الشفافية في السيَّال الظّل. مع الأخذ بعين الإعتبار، أنَّ سقوطَ كلُّ سيَّالٍ ظلّ في عالم المادَّة يُقابله سقوطُ السيَّال النُّور الأساس في العوالم الروحيَّة، على أن لا يتجاوز سقوطه الدَّرجة الروحيَّة الأولى، وذلك حِفاظاً على التوازن الرُّوحي للأُمهات الأرواح.

في رحلة العودة من ضجيج الأنا الى سكينة الوَصل، كانت السيالاتُ تَميدُ بين شَجَنِ السقوطِ وحنينِ الإِرتقاء. لكنَّ الرَّحمةَ الإلهيَّةَ لم تتركِ السيَّالاتِ لِلتيهِ الأبديّ، بل صاغتْ لها قانونَ التقمُّصِ، ليس كولادةٍ مُتكرِّرة، بل كمعراجٍ هادفٍ ومُحرِّكٍ جوهريٍّ لتوازُنِ وعدالة الوجود، وصيرورة تطهيريَّة محكومة بدقَّةٍ مُتناهية، تَنزع عن المُعاناة صبغتها العبثيَّة، وتجعل من الزمن أداةً للصقل لا مِقصلةً للفناء، ولتخوض السيَّالات في أتونِ التجربة وتستحقّ عودتها الى الأصل النُّوراني.

في النِّظام الكونيّ الدقيق، لا مكان للمُصادفة ولا للعبثيَّة، وقانون التقمُّص هو الحجر الزاوية في فهم عدالة الخالق المُطلقة. وحياة الكائن أنَّ يكن ذلك الكائن، لا يتمُّ بقُرعةٍ كونيَّة، بل هو إعلان هويَّة تردُّديَّة، ترحم ولا تُحابي، والرحَّمةُ هنا، لا تعني العفوَ التَّام، والإعتقاد بأنَّ الرَّحمة الإلهيَّة هي ممحاةٌ تمحو سجل السيَّالات، هو وهمٌ يُنافي كمال الخالق، ويصبح معه الوجودُ مسرحاً للعبثِ لا مِعراجاً للارتقاء.

في عالم السيَّالات، كلُّ شعاعٍ يُكتسبُ بجهد، وكلُّ كثافةٍ تُزالُ بدمعِ النَّدم وانتصارِ الإِرادة. فأنتَ لستَ ما تظنُّه، بل أنتَ صدى صوتك الغابر في سِجلِّ السيَّالات، حيثُ الجسد، والظروف، والقدرات، والآلام، ليست أثواباً مُستعارة، ولا قدراً عشوائيَّاً، بل هي الهيكلُ الماديّ لجوهرٍ حقيقتك، والنتيجة المنطقيَّة لِما إجترحته من أعمالٍ سابقاً. والرحمة الإلهيَّة لا تهبُ النُّور لمن لم يحرق شوائب الظِّل، من حيثُ هي معراجُ إستحقاق، أساسها النَّدم، التوبة، الإلتزام، والثَّبات. وفي هذا تتدخَّل العناية الإلهيَّة لتفتح ثغراتٍ في جدارِ الإِستحقاق، لا لتُلغي العدالة، بل لتُعيد صِياغةَ موازينِ ذلك الاستحقاق، وتبدِّد أثقالَ كثافتِهِ التردُّدية، كأن تقوم العناية بتجزئته، تقسيمه أو تغييره بما يتناسب مع فعل النَّدم الصَّادق حين يمتزج بالثَّبات. وبذلك يتمكَّن الكائن من إحتمالها وتجاوزها دون أنْ ينكسر إِيمانه.

وفي مُعادلة الخلود، حيثُ يرتفع الكائن عن أوهام الغيب ليدخل في رِحاب المسؤوليَّة السيَّاليَّة المُطلقة، لا توجدُ قوىً خارجية تتربصُ بالكائنِ لِتكافئه أو تُعاقبه بِمزاجيَّة، بَل إنَّ العملَ هو الذي يَلِدُ جَزاءَه ولادةً طبيعية، أو بمعنى آخر، أنَّ العدالة كامنة في صُلبِ الفعل نفسه. فتقمُّصُك الحالي هو النتيجةُ المنطقية والصيغةُ الماديَّة لِتلك التردُّدات التي أطلقتها في حيواتِك السابقة. وبذاتِ الدقَّة الصَّارمة، أنت الآن، وفي هذه اللحظةِ بالذات تَقومُ بِعمليةِ غَزْلِ القميصِ القادم واستحقاقاته. أعمالُك اليوم، نيّاتُك، ترفُّعُك عن الدنيويَّات، وثباتُك في الحقّ، هي البصماتُ الإِشعاعيَّة التي تَخُطُّ مصيرَك وتُشيِّدُ بها هيكلَ وجودِك الآتي.

في خضمِّ معراجِ العودة، ينتقلُ الكيانُ انتقالاً جوهرياً من مَخاضِ الصِّراعِ إلى ملكوتِ الإِنسجام، فمع تتابعِ التقمُّصاتِ الهادفة، يسعى السيَّالُ الأَقوى لإحتواءِ الأَضعفِ عبرَ تلقيحٍ نورانيٍّ يبثُّه في ثناياهُ كلما انتصرَ صوتُ الضَّميرِ والإِيثار. ومع تراكمِ هذه الإِنتصاراتِ الأخلاقيةِ عبرَ مداراتِ الزمان، تتشبعُ ذراتُ الظلِّ بالإِشعاع، فتأخذُ جُدرانُ الممانعةِ التي شيَّدتها آلافُ السنينِ من عُزلةِ الأنا المنفصلة في التصدُّعِ والتآكل. وعندما يبلغُ الكائنُ نقطةَ التلاشي النهائية للمُمانعة، يتوقّف السيَّال الأَضعف عن مقاومة الإِنجذاب نحو النُّور، ومعه يفقدُ الظلُّ جاذبيتهُ نحو القاعِ وتفقدُ المادَّةُ كثافتها، لتتحول السيَّالاتُ الأَضعفُ من عائقٍ مُمانعٍ إلى مرآةٍ صقيلةٍ تعكسُ الضياء، وتستحيلُ شفافةً مُطلقةً لا يحجبُ فيها الجزءُ رؤيةَ الكلِّ. عندها، ينصهرُ السيَّالانِ في بَوْتقةِ الوحدةِ الجوهريَّةِ داخلَ حُضنِ الأُمِّ الرُّوح، حيثُ لا يتبقى أثرٌ للصراع، بل إشعاعٌ كليٌّ يليقُ بجلالِ العودة.

بإختصار، إنَّ قانون التقمُّص هو نقيضُ العبثيَّة وبرهان الحِكمة البالغة، حيثُ تقفُ كلَّ نفسٍ رهينةً بما كسِبَت، فلا يسقطُ سيالٌ في وحلِ المادَّةِ صُدفة، ولا يَرتقي نُورٌ إلى ذروة الوَصل والإندماج في الرُّوح الأُم مُحاباة.

ولكن كيف تعود السيَّالات التي خرجت بملْ إرادتها من دوائر النُّور الإلهيَّة؟

في المشروع الإلهيّ، مُخطَّطٌ عظيم صاغته القوَّة المُوجدة ليكون الوجود رحلة وعي، تبدأ بالإِنفصال الإِرادي وتنتهي بالإِتِّحاد المُستحق. وفي قلب هذا المشروع، يتربَّعُ ميزان العدل الإِلهيّ، وناموسٌ يحكم حركة السيَّالات بين أبعاد النُّور وحركة المادَّة، يمنع الفوضى في معراج العودة، لا يظلمً مثقال ذرَّة ولا يُحابي أحداً. وانطلاقاً من القوانين الإلهيَّة التي صاغها الله عزَّ وجَلّ ، والمسافة التي أوجدها بين السيَّالات لخلق التَّعدُّد والمُقارنة، ولِدت معها الحريَّة، وجعلت من الإستحقاق ثمناً لتلك الحريَّة. وعليه، كان لا بُدَّ للسيَّالات التي خرجت من العوالم الروحيَّة من العودة إليها، من حيثُ لن تجدَ الإِستقرار أو الكمال خارج فلكها النُّورانيّ، ممَّا يجعل العودة حتميَّة وجوديَّة وليست مُجرَّد خيار.

وانطلاقاً من العودة كضرورة وجوديَّة، في كونِها النتيجة الحتميَّة لمشروعٍ لا يقبل الخّلَل، فإِنَّ آليَّتها الكبرى هي رَدْمُ مفازاتِ النَّقصِ التي خَلّفها الإِنفصال، رَتْقُ الصُّدوعِ التردُّديَّة وصقْلُ كَلالِ النُّور. فالشرُّ أو الظلُّ ليس له أَصالة وجوديَّة دائمة، بل هو نقصٌ في النُّور، والضعف الذي تعاني منه السيَّالات ليس قدراً أَبديّاً، بل هو فراغٌ تردُّدي صُمِّم الوجود ليملأه بوعيِ الإِنتصاراتِ الأخلاقيَّة. فالسيَّالات التي خرجت بملء إرادتها حملت معها ثغراتٍ في وعيها ونقصاً في نورها بسبب إِختيار الإِنفصال. وبما أنَّ العدل الإِلهيّ ميزانٌ دقيق، والحياةُ الواحدةُ بِقِصَرِ مَداها وكثافةِ بَلائها لا تَتَّسِعُ لِصهرِ مَواريثِ آلافِ السنينِ من الإِنفصال.

إذْ كيف لِخفقةِ قلبٍ عابرةٍ أنْ تَمحوَ أثقالاً كونيةً تراكمتْ عبرَ عُصورِ الممانعة؟

لذا، تجلَّتِ الرَّحمةُ الإلهيَّة في تكرارِ الحيوات وضمن الإِستحقاقات وإختلاف الأَشكال النَّاتجة عن الأَفعال التي أتاها السيَّال طائعاً مُختاراً. فخضوعُ الكيانِ للتجاربِ التقمُّصيّة ليس إِلا آليةً قدريّةً تمنحُهُ فُرصاً مُتجددةً لترميمِ ذاتِه، حتى يستويَ نُوراً واعياً بماهيتِه، بهيّاً في جوهرِه، بما يَليقُ بجلالِ العودةِ إلى حضنِ المصدر. لأن الظلَّ يفقد مُبرر وجوده المُنفصل بمجرَّد إِنكشاف الحقيقة.

وفي السقوطِ، تخرج فكرةَ الجزاءِ من حيّز العقاب الأَخلاقيّ إلى مقام الإِعتلالِ الفيزيائيِّ الرُّوحيّ، حيثُ تنكفئُ السيَّالاتُ عن تناغم الوحدة الإلهيَّةِ لترتطمَ بكثافةِ المادَّةِ، ممَّا يُحدثُ شرخاً وجوديّاً يفتحُ مداراتِ العذاب المادِّي، لتستحيل معه الخطيئةُ الأولى تلوُّثاً إشعاعيَّاً يخفضُ اهتزاز الكيان ويَهوي به في دياجيرِ الكثافة. وفي التقمُّص، تتجلَّى آليةُ الرَّتق والمُعاناة، حيث يوضعُ السيَّالُ في مصهرِ المادَّة ليعالجَ آثارَ ذلك الإِعتلال، ويَبدأَ رحلةَ التطهيرِ الشَّاقةَ التي لا يلتحم فيها ذلك الشَّرخ إِلا بتراكم الإِنتصاراتِ الأخلاقيَّةِ التي ترفعُ التردُّدَ من جديد، وتُؤهل الكيانَ لِخلعِ أقمصةِ الثِّقل المادّيّ وإِستعادةِ نُورانيَّتِه المفقودة. وبما أن قانون الجاذبيَّة الروحيَّة يقضي بأن الأَكثر كثافة يهبط إلى الأَسفل، فإن السيَّال يجد نفسه مُنجذباً تلقائياً نحو عوالمٍ أَكثر شقاءً وقسوة.

ومع إنغماس السيَّال في الشَّر تزداد المُعاناة ويزداد الصِّراع مع فطرته القُدسيَّة التي غرسها الله عزَّ وجَلَّ في جوهر السيَّالات. وبين هذا وذاك، تكتشف السيَّالات ذاتها عبر التضاد بين أَصل النُّور وواقع الظلمة، فالحريَّة لا تُعرف إِلاَّ بالقيد، والنُّور لا يُدرك إلا بالظِّل. وهذا ما يولِّد عذاباً داخلياً يُترجم في التقمُّصات اللاحقة إلى محنٍ جسديَّة واجتماعيَّة (كالعمى، العاهات، أو التقمُّص في صور حيوانيَّة مُهانة). فالسيَّال الذي كان يتمتَّع بالشفافية والسرعة، يُصبح مُكبلاً بالحاجات البيولوجيَّة والشهوات الأرضيَّة، يتغذَّى على الأنانيَّة، الغرور، أو الظُّلم، ويبتعد تدريجياً عن ذبذبات عوالم الرُّوح، ما يضطرّهُ الى صَهرٍ أطول وأَكثر إِيلاماً في أتون التقمُّصات، ممَّا يجعل رحلة العودة أصعب وأبعد منالاً..

إذن، الخطيئة ليست مُجرَّد هفوة أخلاقيَّة أو حدثاً عابراً، بل هي تراكم إنغماس السيَّال في نزعات المادَّة، وسيطرة الأنانيَّة، الشهوة، الظُّلم، الخ… على الإرادة الحُرَّة, ما يَجذب السيَّال قسراً نحو طبقاتِ المادَّة الأَكثر إنحطاطاً، كالعوالم الجحيميَّة، تماماً كما تجذب الجاذبيَّة الأَجسام الكثيفة نحو الأرض.

في السقوط تولد الخطيئة، والخطيئة تُعمّق السقوط، وفي التقمُّص فرص ترميم الوعي وسدِّ ثغرات حتى تتلاشى المُمانعة تماماً وتستعيد السيَّالات شفافيَّتها. وما بين مأساةِ السقوطِ وضَرورةِ التقمُّص، آلامٌ ومُعاناة ليست عبثيَّة، بل نتيجة حتميَّة لفعلٍ سابق تسبَّب في ألمٍ للغير في دورة سابقة، أو نزعةٍ ماديَّة كان فيها مُخالفة لتعاليم السماء ووصاياها. والضرورة تقتضي أنَّ كلَّ فعلٍ لا بدَّ أن يبلغَ منتهاه، وكلَّ دَينٍ سيَّاليّ لا بُدَّ أن يُقضى. وهكذا فإنَّ العدالة الروحيَّة تقتضي أن تتذوَّق نفس الأَلم لتعي قُبحه، وفي هذا ما يُخِّفف الكثافة الماديَّة عن السيَّال ويُصحِّحُ المسار لِيُعيده الى طريق الحقّ..

 

error: Content is protected !!