مقبرة الأهوال المرعبة

وانقضّت الصواعق ترجم الأرض رجماً ، والبروق ومضت فانشقّت الحجب وظهرت المخبّآت . وجمحت العاصفة فاذا بجبابرة الأشجار ترتجف وجلاً فتتناثر أوراقها فإذا بها عارية. بينما اقتُلعت أخرى من جذورها فإذا بها ممدّدة هامدة…
وانشقّت القبور، ونهض الموتى مغادرين أرماسهم ، نافضين أكفانهم ، ملقينها في قبورهم !
نهضوا وهم عظام غير مكسوّة باللحم ، إذ إنَّ الديدان قد افترسته منذ مئاتٍ ومئات من الأعوام !
واختلطت الهياكل العظميّة حابلها بنابلها ، والعاصفة تدور بهم بين الأجداث الكئيبة ، وصفير الرياح يملأ المقبرة بعزفٍ مخيف ترتعد منه فرائص الأشباح الهائمة . وانشقّت الأرض وتصدّعت، فبرز الشيطان من فجوتها السحيقة .
كان هذا الشيطان اللعين متمنطقاً بثعبان هائل ذي عشرة رؤوس مرعبة ، ويتصدّر جبينه عقربٌ إبليسيّ ضخم الحجم ، والنار تخرج من عينيه الضيّقتين !
وأشار هذا الشيطان بسبّابته للهياكل العظميّة ، فإذا هي تتسمّر بأمكنتها وهي ناظرة بأوقابها الفارغة إلى ربِّ المعاصي والآثام الجسام !
وضرب إبليسٌ الأرض بحافر قدمه المتينة ، فإذا بها تتصدّع، ويظهر فراغٌ سحيق تتأجّج فيه نيران جهنميّة مخيفة ، ويجوف هذه النيران أشخاصٌ تشقّ صرخات ألمهم الجهنّمي طبقات الفضاء ، فيُرجّع الصدى صراخ ألمهم المدمّى !
وتقدّم الشيطان للهيكل العظميّ المنتصب أمام الهياكل العظميّة الأخرى ، وسأله :
-ما اسمك ؟ ومتى توفّيت ؟ وكيف ؟
فأجاب الهيكل المجرّد من اللحم :
- ناتالي . وقد توفّيت في أوّل كانون الثاني عام ١٤٦٠ ، وكان عمري ٢٤ عاماً .
وقد أحببت الشابّ هامان ، فهِمْتُ به ، وأصبحت لا أستطيع العيش بدونه . وكان فقيراً لا يملك شروى نقير ، إذ كان عاملاً يكاد لا يحصل على لقمة عيشه . لهذا لم يقبل والدي أن أقترن به. وقد زوّجني بنابال الغنيّ الذي كنت أكنّ له كرهاً عميقاً .
ورُزقتُ بطفلٍ أسميتُه لهيب ثم بطفلة أسميتها حبيبة . ولا حاجة بي إلى القول إنّ هذين الطفلين هما من هامان حبيبي الفقير، وليس من نابال الغنيّ المحتقر .
ثمّ دسسْتُ السمّ لنابال بالاتفاق مع معبودي هامان. وكان والدي قد توفّي . فاقترنتُ ، أخيراً، بمن يهواه قلبي ، إذ سبق له أن استبى لبّي .
لكنّ نهايتي كانت تعيسة للغاية إذ إنَّ هامان تعلّق بصديقةٍ لي كانت تزورني . وإذ ذاك طعنتُه بخنجرٍ مُرهف الحدّ ثم غرستُه بقلبي. وهكذا كانت نهايتي ونهايتُه مؤسية .
وتقدّم هامان ، وكان وراءها مباشرةً ، وما تزال آثار الخنجر في عظمة صدره ، فهي مثقوبة !
تقدّم وصفعها على وجهها ، واذا برأسها يسقط بين رجليها. وكان صراخ الذعر يخرج من فتحة فمها العظميّ، فترتجّ القبور لهول صياحها المذعر .
وعلا صوت إبليس يعنّف هامان ، قائلاً له :
- أنت ، أيها القذر ، يا من أنجبت طفلين من امرأة متزوّجة ، فكان جزاؤك طعنة خنجر أوردتك موارد التهلكة ، الآن ستخلد معها ببحيرة النار المتّقدة .
وركل الشيطان بحافره هامان وناتالي ، ودفعها نحو الهوّة ، فإذا ببحيرة النار تستقبلهما ، فيخوضان غمراتها المتأجّجة بخالد النيران الأبديّة. وكان صياح ذعرهما يُفكّك عُقد الصخور الراسخة الثبات.
فاضطربت الهياكل العظميّة اضطراباً عظيماً ، وازدادت الأهوال عندما عصفت الرياح ، وتساقطت أمطارٌ هائلة ، ودوّت الرعود قاصفةً بدويّها المُجلْجل أرجاء مقبرة الأهوال المرعبة !
وأخذ كلّ هيكل عظميّ يعترف للشيطان بما اقترفه من معاص وآثامٍ جسام، ثم يقذف به في لجج الهاوية المستعرة بالنيران .
وانجلى الفجر ….
فاذا المقبرة قد انطرحت أشجارها أرضاً من فعل العاصفة الهوجاء ، وتَشَقَّقَتْ قبورها من زلزال ليليّ عنيف فلق الأرض ! وإذا بهوّة سحيقة مخيفة قد تجلّت في مقبرة الأهوال المرعبة، بعد هذه الليلة الحافلة بالمخاوف !
الدكتور داهش
الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت كتابتها الساعة ٥,٣٠ وأنجزتها في السادسة مساء – تاريخ ۱۹۷۸/۱/۱۸
من كتاب قصص غريبة وأساطير عجيبة، الجزء الثاني