أسعد الشدياق…الشهيد الذي غيّر مسار أحمد فارس الشدياق
بقلم الأستاذ سامي واصاف
إذا قورنت قصَّة اضطهاد اسعد الشدياق التالية بالمعالجة الرمزية للاضطهاد في أدبيات الدكتور داهش؛ يتحول الاضطهاد من حادثة تاريخية إلى نمط متكرر، يظهر كلما اصطدمت سلطة مغلقة بفكرة جديدة أو بضمير يرفض الخضوع. فكل نظام مغلق يرى في الوعي الحر اضطرابًا يجب إخماده.
القصَّة
عشقت الادب منذ نعومة أظفاري، وكان اسم أحمد فارس الشدياق يلوح في ذهني كعلامة استفهام كبرى، لا تهدأ ولا تنطفئ.
كنت أتساءل دائمًا: كيف لرجل خرج من بيت ماروني محافظ، ونشأ في بيئة كنسية صارمة، ثم أصبح أحد أوائل رواد النهضة العربية، أن ينتهي إلى الإسلام؟
ما السرّ العميق الكامن وراء هذا التحول المصيري؟ وأيّ جرحٍ خفيّ دفعه إلى أن يعبر من ضفة إلى أخرى، لا في العقيدة وحدها، بل في اللغة والفكر والوجود؟
طرحتُ هذا السؤال غير مرة على بعض رجال الدين، فجاءني الجواب، في إحدى المرات، من راعي الطائفة¹: «إنه الابن الضال.»
لكن هذا الجواب لم يشفِ غليلي. كان أقرب إلى بابٍ يُغلق منه إلى نافذة تُفتح. بل زادني شعورًا بأن وراء الحكاية ما لم يُقَل، وأن في الذاكرة المحجوبة سرًّا دفينًا ينتظر من يزيح عنه غبار السنين.
ومضت الأيام والسنون، وبقي السؤال يطلّ برأسه بين حين وآخر، كأنه جمرٌ صغير تحت رماد النسيان، إلى أن وقعت بين يدي وثيقة نادرة: كتاب قصة أسعد الشدياق² الذي ألّفه ووثّقه المعلم بطرس البستاني³ وطُبع في بيروت في الخامس عشر من حزيران سنة 1860.
عندها بدأ الستار يرتفع شيئًا فشيئًا، وانكشف لي أن وراء تحوّل أحمد فارس الشدياق مأساةً أعمق من مجرد تبدّل ديني أو خيار فكري. كانت هناك جراح عائلية وروحية وفكرية، وكان في قلب تلك الجراح اسمٌ قلّما يذكر بما يستحق من إنصاف: أسعد الشدياق، شقيق فارس الشدياق.
لم يكن أسعد مجرد رجل اختلف مع مؤسسته الدينية، بل كان ضميرًا قلقًا في زمنٍ لا يرحم القلقين؛ قصته مأساة تضاف إلى قصص الشهداء الأبطال على طريق الإصلاح.

وإذا بأسعد النسخة اللبنانية الوديعة للراهب الثائر سافونارولا⁴، وإذا بالبطريرك بطرس حبيش النسخة اللبنانية لحبر روما إسكندر بورجيا⁵.
أما الفارق، فكان أن سافونارولا كان قوي الشكيمة؛ صارع أرباب الكنيسة الكاثوليكية من ديره التابع للرهبنة الدومينيكية، التابعة بدورها للبابوية الرومانية. وكحدّ السيف، حارب بعظاته الهادرة فساد روما الأخلاقي والعقائدي في تلك الفترة، وكأنه يمتثل لقول السيد المسيح في إنجيل متى : «لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا، بل سيفًا». (الاصحاح ١٠ الاية ٣٤)
أما الشهيد أسعد الشدياق، فكان تلك النسخة الوديعة التي تجسّد جانب الرحمة والمحبة الذي بشّر به يسوع القائل: «من ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر». (لوقا الإصحاح ٦ الاية ٢٩)
تأثّر أسعد بأفكار البروتستانت وبالمبشّرين الأجانب، فشرع يقرأ الكتاب المقدّس قراءة نقدية، مما قاده إلى مراجعة معتقداته الدينية. واعتُبر موقفه آنذاك خروجًا خطيرًا عن إجماع القطيع.
وقوبل تحوّله برفض شديد من السلطة الكنسية المارونية. فاعتُقل وسُجن لسنوات طويلة، بمباركة السلطة السياسية للأمير بشير الشهابي الثاني، في ظروف قاسية، وتعرّض للضغط والتعذيب بهدف إجباره على التراجع عن أفكاره.
فأُميت أسعد موتًا بطيئًا استغرق ما يقارب السنتين، وهو سجين قبو، بل قبر حجري لا يتسع له، وبإشراف بطل القصة، البطريرك حبيش⁶، الذي كان، زيادةً في التشفي، يشارك شخصيًا في ضربه. وهذا ما وثّقه المعلم بطرس البستاني في روايته «قصة أسعد الشدياق»؛ فمن رغب في الاطلاع عليها، فهي متوفرة مجانًا على أرشيف الإنترنت.
في الشرق اللبناني، وفي أوائل القرن التاسع عشر، ظهر أسعد رافضًا للظلم الفكري والديني، داعيًا إلى تحرير المعرفة من احتكار الكهنة، وإلى طباعة الكتاب المقدس ليكون متاحًا للرعية.
أما جريرته، فكانت أنه رفض تقديس الصليب والأيقونات والتماثيل والصلاة لها، كما رفض التجسس على الرعية بحجة سر الاعتراف، ورفض مسرحية الادعاء على ان القربانة المعطاة خلال المناولة هي جسد المسيح الحق وكما ان الخمرة في الحِقِّ “الكأس” الذي يحمله الكاهن هي دماؤها الحقة.
“قال المسيح في العشاء السري لرسله- وليس لأحد آخر اعملو ذلك لذكري… أي مجرد ذكرى”.
فاعتُبر الشدياق نتيجة لرأيه وموقفه – زنديقًا فانقضى عليه البطريركية المارونية، المدعومة من الأمير بشير الشهابي –
ومما ذكره بطرس البستاني في «قصة أسعد الشدياق» خلال مرحلة اعتقاله الحوار الطريف بينه وبين أحد الرهبان الذين كان يزوره في سجنه بطلب من البطريرك، في محاولة لاستمالته إلى العودة إلى الصلاة والتعبد للأيقونات والتماثيل والصور، فيرفع عنه السجن والجور والعذاب ويعود إلى حياة هانئة كريمة.
فسأله أسعد: «لماذا تصلّون للصليب، يا سيدي الفاضل وبالتالي تدعونني إلى فعل ذلك؟»
فأجابه المطران: «ألا تدري، يا أسعد، أنه أداة صلب المسيح؟»
فقال له أسعد: « …أما كان الأجدى بكم أن تصنعوا صورة للجحش الذي امتطاه المسيح، وتقدّموا لها فروض التقديس والصلاة بدلًا من الصليب؟ فهذا قدّم خدمة ليسوع وخفّف عنه مشقة المسير الطويل، أما الصليب فكان أداة إعدامه».
فما كان من البطريرك حبيش، بعد أن عرف بهذا الحوار، إلا أن خلع نعله (قبقابه) وضرب به أسعد على فمه، وأقفل عليه باب زنزانته، بل قبره الحجري وامر بتشديد العقاب. وربط عنقه بحبل يتدلى طرفه الآخر إلى الخارج ليشارك المارين بقربه بشد عنق اسعد والمشاركة في إيلامه.
وباءت كل محاولات إخضاع اسعد بالفشل، أُُسِْقطَ عليه التعذيب البدني والنفسي. ضُرب بالعصي، وتعرّض للسجن الطويل والجوع… والتنكيل المتواصل، من سنة 1826 حتى استنزاف حياته سنة 1830.
مات ولم تلن عزيمته، مصرًّا على إيمانه الثوري بتعاليم الإنجيل، واستمر في التسامح مع مضطهديه، متذكرًا سيده وهو على الخشبة يغفر لأعدائه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون.
قبض البطريرك على جسد هذا الشاب لقهره وإخماد ثورته الفكرية، لكن روح أسعد استمرّت شامخةً، حرةً، صلبةً، متمردةً، لا تلين أمام جبروت السلطة. فالمعرفة والحرية لا تُخضعان، والروح التي تتحدى الظلم لا يميتها السجن ولا التعذيب.
وإذا بأخيه الأصغر، فارس الشدياق، ونتيجة لهذه الجريمة المروّعة، يتحول إلى الإسلام درءًا للخطر وتفاديًا لقسوة السلطة الدينية، ومواجهة لتسلط الأحبار وظلاميتهم، فهم بأعمالهم كانوا نقيض قانون المحبة والتسامح الذي بشّر به المصلوب، قانون مهاجر من عقول ونفوس هؤلاء القساة القلوب..
بنتيجة هذه المأساة:
توفي أسعد الشدياق سنة 1830 في السجن، وتُعدُّ مأساته استشهادًا فكريًا، إذ دفع حياته ثمنًا لحرية الضمير والرأي. ويُعدّ من أوائل شهداء حرية الفكر والاعتقاد في العالم العربي الحديث.
وقد شكّلت قضيته منعطفًا في تاريخ العلاقة بين الدين والسلطة والضمير الفردي في لبنان لتضيف صفحة إلى تاريخ المصلحين.
وكان لمأساته أثر جوهري في مسيرة أخيه، فارس الأديب والنهضوي الذي أصبح أحمد فارس الشدياق⁷. وانعكست تجربة اسعد واستشهاده في كتاباته الفكرية والنقدية للأوضاع الاجتماعية السائدة، والجهل المطبق، والتعصب الأعمى؛ موجّهًا سهام نقده الساخر إلى رجال الدين والمؤسسات التقليدية التي تحارب التنوير8.
كما أن هذه القصة أي قصة الشهيد اسعد الشدياق9، تكتسب بُعدًا أوسع إذا قورنت بالمعالجة الرمزية للاضطهاد في أدبيات الدكتور داهش؛ حيث يتحول الاضطهاد من حادثة تاريخية إلى نمط متكرر يظهر كلما اصطدمت سلطة مغلقة بفكرة جديدة أو بضمير يرفض الخضوع. فكل نظام مغلق يرى في الوعي الحر اضطرابًا يجب إخماده.
بقلم الأستاذ سامي واصاف
الشواهد:
1- قسيس بولس المذّوق راعي الطائفة المارونية وصديق العائلة وكنت على ما اعتقد في العاشرة من عمري ان لم تخني الذاكرة
2- والتي كانت قصة موثقة ومتوفرة مجانا على صفحات الانترنت وبالشكل الذي طبعت فيه في ١٥ أيار عام ١٨٦٠ على المطبعة التابعة للجامعة الأميركية
3- المعلم بطرس البستاني المشارك في ترجمة الكتاب المقدس، نسخة فاندايك بالمشاركة في التدقيق اللغوي مع الشيخ ناصيف والشيخ الزهري يوسف السير اليازجي في الترجمة الموثوقة والمعروفة على مطابع الكلية السورية والتي عرفت لاحقاً بالمؤثرة وهي النسخة العربية الاولى للكتاب المقدس وقد طبعت في بيروت في القرن التاسع عشر ما بين ١٨٤٠ و ١٨٦٠ بالجامعة االميركية
4- وهذا ما ورد تفصيله في المقال الثاني من سلسلة الاضطهاد فألقي عليه الحرم البابوي وشنق وحرق على الخشبة في الساحة العامة باشراف رهبان محاكم التفتيش والحشود تحيطهم من كل جانب للمشاركة في حضور هذه المسرحية الحية …
5- البابا إسكندر السادس واسمه قبل انتخابه رودريغو دي بورجا، تولى كرسي روما من١١ أغسطس ١٤٩٢الى وفاته في ١٨ أوغست ١٥٠٣ وامتدت ولايته نحو ١١ سنة و٧ أيام
6- يوسف بطرس حبيش بطريرك أنطاكية وسائر المشرق في النصف الاول من القرن الثامن عشر والتي امتدّت ولايته من ١٨٣٢ م حتى وفاته ١٨٤٥
7- قصة اسعد الشدياق للمعلم بطرس البستاني١٠١- ١١٠.
8- أحمد فارس الشدياق وسخريته من رجال الدين في كتاب “الساق على الساق”
استخدم أحمد فارس الشدياق في كتابه (الساق على الساق) أسلوبا تهكمياً لاذعاً في نقد مجتمع الرهبان ورجال الدين في عصره. وقد اعتمد على المقارنة والمفارقة لكشف التناقض بين الشعارات الروحية التي يرفعونها وبين بعض الممارسات الواقعية المنسوبة إليهم.
سخر الشدياق من رجال الدين الذين يطالبون العامة بالزهد، والصبر على الفقر، والابتعاد عن متاع الدنيا، بينما تتكدس الاموال والخيرات في الاديرة والمؤسسات الدينية. وتقوم المفارقة هنا على التباين بين خطاب ديني يدعو إلى الفقر الاختياري وبين واقع يتصل بالثراء والامتيازات.
كما انتقد تحويل بعض الطقوس والصلوات والممارسات الدينية إلى وسائل للكسب، بحيث تصبح خدمات تُطلب مقابل المال. ومن خلال هذا النقد، يكشف الشدياق كيف يمكن أن تتحول الوظيفة الروحية للدين إلى تجارة تستفيد من خوف الناس أو حاجتهم إلى الغفران والبركة.
التظاهر بالتقوى في مقابل السلوك الفعلي
تهكم الشدياق على المظاهر الخارجية التي قد تُقدَّم بوصفها دليلًا على التقوى، مثل اللحي الطويلة، والملابس الفضفاضة، والمسابح الكبيرة ، وإلافراط في الطقوس الشكلية. وهو يرى أن هذه المظاهر لا تثبت بالضرورة صفاء الضمير أو سلامة السلوك، وقد تصبح ستاراً يخفي الجهل والمصلحة الشخصية وحب السلطة.
كما يقارن بين الدعوة إلى العفة والزهد وترك شهوات الدنيا من جهة، وبين انغماس بعض رجال الدين في الراحة، والطعام، والوجاهة الاجتماعية، والامتيازات التي تمنحها المؤسسة الدينية من جهة أخرى. وهنا تتحول السخرية إلى وسيلة أدبية لفضح الانفصال بين القول والفعل.
9- استخدم أحمد فارس الشدياق في كتابه “الساق على الساق” أسلوباً تهكمياً لاذعاً لتعرية مجتمع “الرهبان” ورجال الدين في عصره، مستخدماً المقارنة والمفارقة إلظهار التناقض بين شعاراتهم الروحية وممارساتهم الواقعية.
الجشع المالي مقابل الزهد المزعوم
– مقارنة الثراء بالفقر: سخر من الرهبان الذين يطالبون رعاياهم بالزهد وتحمل الفقر، في حين يجمعون هم ألاموال والخيرات في الاديرة.
– تجارة الصكوك والطقوس: انتقد تحويل الطقوس الدينية والصلوات إلى سلع تجارية تُباع وتُشترى لكسب المال.
التظاهر بالتقوى مقابل السلوك الفعلي
– مفارقة المظهر والمخبر: تهكم على المظاهر الخارجية من لحى طويلة، وملابس فضفاضة، ومسبحات ضخمة، معتبراً إياها قناعاً لإخفاء الجهل والمصالح الشخصية.
– الورع المزيف: قارن بين وعظهم الناس بالعفة والترفع عن شهوات الدنيا، وانغماس بعضهم في ملاذ الطعام، والراحة، والوجاهة الاجتماعية داخل أديرتهم.
قارن بين رسالة الدين القائمة على الرحمة، وتحول الرهبان والمؤسسات الدينية إلى جهات تمارس الحرمان الكنسي، والترهيب، وقطع أرزاق من يخالفهم الرأي (كما حدث لشقيق المؤلف “أسعد الشدياق” الذي مات سجيناً في الدير).
المراجع:
نقل جرجي زيدان، في تراجمه وسياقاته التاريخية، الرواية الأساسية المتداولة في القرن التاسع عشر، ومفادها أن أسعد الشدياق اعتنق المذهب البروتستانتي، فتعرض لاضطهاد شديد من السلطات الكنسية المارونية، وسُجن في دير قنوبين سنوات طويلة حتى انتهى أمره إلى الموت في محبسه. كما أشار إلى أن هذه الحادثة كان لها أثر عميق في نفس أخيه فارس الشدياق وفي مسيرته الفكرية اللاحقة.
ومن الناحية التاريخية، فإن اتفاق مصدرين مستقلين نسبياً ــ بطرس البستاني من جهة، وجرجي زيدان من جهة أخرى ــ على العناصر الجوهرية للقصة (التحول المذهبي، السجن الطويل، الوفاة أثناء الاحتجاز، وتأثير الحادثة على فارس الشدياق) يمنح الرواية وزناً تاريخياً يصعب تجاهله، حتى لو ظلّت بعض التفاصيل موضع نقاش بين المؤرخين.
كما أن ما أورده أحمد فارس الشدياق نفسه لاحقاً في كتابه “الساق على الساق” فيما هو الفارياق عن اضطهاد أخيه وخوفه من مصير مشابه، يُعدّ شاهداً إضافياً يدعم الخطوط العامة للرواية التي نقلها كل من البستاني وزيدان.
إن المقارنة بين رواية بطرس البستاني، وإشارات جرجي زيدان، وشهادة أحمد فارس الشدياق نفسه، تكشف أن قضية أسعد الشدياق لم تكن مجرد حادثة فردية، بل أصبحت رمزاً من رموز الصراع بين السلطة الدينية وحرية الضمير في المشرق العربي خلال القرن التاسع عشر.
اولاً: بطرس البستاني كشاهد قريب من الحدث:
كان المعلم بطرس البستاني معاصراً للأحداث، وعمل مع المبشرين البروتستانت، وعرف أسعد الشدياق شخصياً. لذلك جاءت روايته ذات طابع توثيقي واحتجاجي في آن واحد.
العناصر الأساسية في روايته:
– اعتناق أسعد للأفكار الإنجيلية البروتستانتية
– اعتقاله بأمر السلطات الكنسية.
– نقله بين الأديرة.
– احتجازه سنوات طويلة.
– وفاته أثناء الاعتقال أو نتيجة ظروفه.
في رواية البستاني، لا يظهر أسعد كمتمرّد سياسي، بل كرجل اقتنع فكرياً بمعتقدات جديدة ورفض التراجع عنها رغم الضغوط.
ثانياً: جرجي زيدان كمؤرخ للنهضة
أشهر موضع أشار فيه جرجي زيدان إلى قضية أسعد الشدياق هو كتابه تاريخ آداب اللغة العربية، ولا سيما في القسم الذي يتناول أعلام النهضة الحديثة وسيرة أحمد فارس الشدياق.
قد كتب بعد الحادثة بعدة عقود.
لم يكن شاهداً مباشراً، لكنه كان قريباً من أجواء النهضة الفكرية التي ولّدتها القضية.
لذلك نجده:
– يقبل وقوع الاضطهاد بصورة عامة.
– يقر بأن أسعد مات في السجن.
– يربط الحادثة بتطور الفكر النهضوي.
– يركز على أثرها في أخيه فارس أكثر من تفاصيل السجن نفسه.
ويبدو أن زيدان كان يعتبر القضية دليلاً على الحاجة إلى التسامح الديني والإصلاح الفكري.
ثالثاً: شهادة أحمد فارس الشدياق
وهو الشاهد الأكثر أهمية كونه أخوه.
ولم يكن مؤرخاً محايداً؛ كان أخاً مكلوماً فقد شقيقه.
في كتابه الساق على الساق فيما هو الفارياق تظهر إشارات متكررة إلى:
– ظلم رجال الدين
– التعصب المذهبي.
– مأساة أخيه.
– خوفه الشخصي من التعرض للمصير نفسه.
ويرى عدد من الباحثين أن تجربة أسعد كانت أحد العوامل الرئيسية التي دفعت فارس إلى مغادرة لبنان نهائياً والدخول في مسار فكري جديد انتهى باعتناقه الإسلام واتخاذ اسم أحمد فارس الشدياق.
ومن الصعب تفسير هذا التحول الكبير بعيداً عن الصدمة التي أحدثها مقتل أخيه أو موته في السجن.
رابعاً: موقف المؤرخين الموارنة اللاحقين
في أواخر القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين ظهرت محاولات لإعادة قراءة القضية.
بعض الكتاب الموارنة:
لم ينكروا السجن.
لكنهم شككوا في بعض التفاصيل.
واعتبروا أن الروايات البروتستانتية بالغت في وصف الأحداث.
وأشاروا إلى أن السياق التاريخي كان يشهد صراعاً حاداً بين الإرساليات الأجنبية والكنيسة المحلية.
غير أن هؤلاء المؤرخين واجهوا مشكلة أساسية:
فحتى عندما يرفضون بعض التفاصيل، فإنهم يعجزون عن نكران وقوع السجن نفسه أو وفاة أسعد أثناء الاحتجاز.
خامساً: القيمة التاريخية للرواية
عند تطبيق منهج النقد التاريخي نجد أمامنا:
– شهادة بطرس البستاني.
– شهادة أحمد فارس الشدياق.
– روايات المبشرين المعاصرين للحدث.
– إشارات جرجي زيدان.
– غياب نفي معاصر موثق ومفصل من الطرف المقابل.
ولهذا يميل معظم المؤرخين اليوم إلى قبول الجوهر التاريخي للقصة:
– أسعد اعتنق الفكر البروتستانتي
– اعتُقل بسبب ذلك
– بقي محتجزاً مدة طويلة
– توفي خلال احتجازه أو نتيجة مباشرة له.
أما الخلاف فيدور حول التفاصيل الدقيقة والمسؤوليات الفردية ومدى تورط شخصيات بعينها.
البعد الرمزي
لهذا السبب تجاوزت قصة أسعد الشدياق حدود التاريخ الشخصي.
فهي تحتل في الذاكرة النهضوية العربية مكانة شبيهة بمكانة قضايا أخرى أصبح فيها الفرد رمزاً لحرية الفكر في مواجهة السلطة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب استمرار حضور أسعد الشدياق في كتابات الإصلاحيين والنهضويين، وسبب عودة اسمه مراراً كلما أثيرت مسألة حرية الاعتقاد وحرية الضمير في المشرق العربي.
كما أن هذه القصة تكتسب بعداً أوسع إذا قورنت بالمعالجة الرمزية للاضطهاد في أدبيات الدكتور داهش، حيث يتحول الاضطهاد من حادثة تاريخية إلى نمط متكرر يظهر كلما اصطدمت سلطةٌ مغلقة بفكرة جديدة أو بضمير يرفض الخضوع. وهذا ما يجعل قضية أسعد الشدياق حيةً في الذاكرة الثقافية العربية حتى اليوم.
نعم، إلى جانب بطرس البستاني وجرجي زيدان، تناول عدد من الأدباء والمفكرين والمؤرخين قضية أسعد الشدياق، ولكن بدرجات متفاوتة من التفصيل والأهمية.
أحمد فارس الشدياق وهو أهم شاهد بعد أسعد نفسه.
لم يكتب سيرة مستقلة لأخيه، لكن مأساة أسعد حاضرة في عدد من مؤلفاته، ولا سيما كتابه الساق على الساق فيما هو الفارياق، حيث يهاجم التعصب الديني ويشير إلى ما لحق بأخيه من اضطهاد. وقد ذكر جرجي زيدان أن أسعد كان أستاذ فارس الأول وأن موته ترك أثراً عميقاً فيه.
جرجي زيدان
في كتابيه:
– تاريخ آداب اللغة العربية
– تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر
وقد ذكر أن أسعد “تمذهب بالمذهب الإنجيلي” وأنه تعرض للاضطهاد حتى مات في دير قنوبين، وأن قصته بقيت متداولة بين أهل لبنان وسورية.
ألبرت حوراني
لم يكتب دراسة خاصة عن أسعد، لكنه أشار إلى دوره وقضيته ضمن حديثه عن بدايات النهضة العربية والإرساليات البروتستانتية وعلاقة ذلك ببطرس البستاني.
جورج أنطونيوس
في كتاب The Arab Awakening تناول نشوء النهضة العربية وأشار إلى البيئة الفكرية التي أفرزت شخصيات مثل آل الشدياق والبستاني، واعتبر قضية أسعد من الأحداث المؤسسة لذلك العصر
فيليب حتى
ذكر أسعد الشدياق في سياق تاريخ لبنان الحديث والاحتكاك بين الإرساليات البروتستانتية والكنيسة المارونية، وإن كان باقتضاب.
مفكرون معاصرون
في العقود الأخيرة عاد الاهتمام بقضية أسعد عند باحثين في تاريخ النهضة العربية مثل:
أسامة المقدسي في كتابه الصادر بالإنكليزية مدفعية السماء
Artillery of Heaven: American Missionary and the Failed Conversion of the Middle East “1980”
https://share.google/LaB2dPxiYHU5Q6due
ويعد هذا الكتاب اليوم من الدراسات الأكاديمية الحديثة عن أسعد الشدياق وقد نظر إلى القضية باعتبارها محطة مبكرة في تاريخ حرية الضمير والإصلاح الديني في المشرق.
المصادر بحسب قوتها التاريخية:
أسعد الشدياق نفسه (رسائله وما بقي من كتاباته).
بطرس البستاني (معاصر مباشر وشبه شاهد).
أحمد فارس الشدياق (شقيق الضحية).
تقارير الإرساليات البروتستانتية الأمريكية والبريطانية
كتاب “شهيد لبنان” (The Martyr of Lebanon)
• المؤلف: إسحاق بيرد (Isaac Bird) – نُشر عام 1864.
• المحتوى: السيرة الكاملة والمفصلة لأسعد الشدياق التي صاغها المبشر الأمريكي المعاصر له، متضمنةً رسائله الشخصية ويوميات اضطهاده.
جرجي زيدان (مؤرخ لاحق اعتمد على مصادر القرن التاسع عشر).
فيليب حتي تاريخ لبنان الحديث
من الناحية الأدبية، يمكن القول:
إن قضية أسعد الشدياق شكّلت رمزاً مبكراً لما سيسميه مفكرو النهضة لاحقاً “حرية الاعتقاد” و” حرية الفكر”، ولذلك ظل اسمه يتردد في كتابات النهضويين حتى وإن لم يفردوا له مؤلفات مستقلة…