شهادات ومعجزات

أهداف الظاهرات الداهشية

بقلم الشاعر حليم دمّوس

 

 

لقد واظب الشاعر والأديب المعروف حليم دموس على مراسلة عددٍ كبيرٍ من المجلّات بما يخصّ الدكتور داهش ومعجزاته والعقيدة الداهشية المُلهمة الداعية الى الوحدة الدينية الجوهرية وعودة الانسان الى حظيرة المثل العليا والفضائل. كما جابه إضطهاداً غاشماً مدافعاً ببسالةٍ عن عقيدته ومبادئها الفاضلة.

وقد خص “مجلة الدبور” التي كانت تربطه بمؤسسها يوسف مكرزل صلة صحافية وأدبية، بعدد من المقالات القيمة.

 وقد تناول جزءٌ منها موضوع تعليل الظاهرات الداهشية ومصدرها ودحض التفسيرات العشوائية التي يطلقها البعض من إيحاء وتنويم مغناطيسي وغيرها. 

وإيماناً بأهميّة وفائدة هذه المقالات على الأفراد والمجتمع، تبادر مجلّة “النار والنّور” الى إعادة نشرها مقسّمة في ٦ أجزاء. 

الجزء الأوّل: مقدّمة ودحض حجة التعليل بالإيحاء
الجزء الثاني: دحض حجة التعليل بالتنويم المغناطيسي وبمناجاة الأرواح
الجزء الثالث:دحض حجة التعليل بالفقيرية والسحر 
الجزء الرابع: تفسير الظاهرات الداهشية 
الجزء الخامس: أهداف الظاهرات الداهشية 
الجزء السادس: التعاليم الداهشية

 

الجزء الخامس: أهداف الظاهرات الداهشية

 

عندما تمّت الظاهرات الروحيّة على يد الدكتور داهش، خلقت في طول البلاد وعرضها، بل في جميع انحاء الشرق بلبلةً ما بعدها بلبلة.

وسبب ذلك أنّ الاخبار التي كان ينقلها شهود تلك العجائب لا يمكن أن تُصدَّق، لأنّ هذه العجائب لا مثيل لها على الإطلاق في أيّ قطرٍ من الاقطار وفي أيّ جنسٍ من أجناس البشر.

فلو كان لها مثيل لما اكترث بها الناس. ولما تهافت على مشاهدتها ودراستها جمهرةٌ كبيرةٌ من المفكّرين الذين أتينا على ذكر بعضهم في المقالات السابقة. وخصوصًا لمّا ثبت أتباع الدكتور داهش والمؤمنون برسالته ذلك الثبات الجبّار متحمّلين الاضطهاد الغير المبرّر وشتّى أنواع السجون والتنكيل بثغورٍ باسمة وصدورٍ رحبة غير هيّابين ولا وجلين.

فلكلّ عملٍ سببه. ولكلّ موقفٍ أسبابه.

وليس من المعقول أن يقبل أفرادٌ من خيرة أبناء البلاد من الذين يتمتّعون بماضٍ ناصعٍ وسمعةٍ طيّبة أن يدخلوا الدور المخصّصة للأثمة والمجرمين وأن يذوقوا الألم والحرمان مدة سنواتٍ طويلةٍ وأن لا يلين عودهم بل يزداد صلابةً على صلابةٍ مع مرور الأيّام وكرّ الأعوام لو لم تكن هناك حقيقةٌ ثابتة لديهم تثبّت عزائمهم وتشحذ إراداتهم وتهديهم الى الطريق السويّ الذي يتبعونه وهو محفوفٌ بالأشواك والمصاعب.

وهذه الحقيقة ليست مبنيّة على طمعٍ ماديّ أو منفعةٍ دنيويّةٍ، إذ أثبت الداهشيّون أنّهم يضحّون من أوقاتهم ونشاطهم وأموالهم وحتّى بأرواحهم في سبيل رسالتهم.

وهذه الحقيقة هي أنّهم قد تثبّتوا بالبرهان القاطع والحجج الدامغة أنّهم أمام حدثٍ عظيم سوف يترك أثره البليغ في تاريخ هذه الأرض. وسوف يحوّل تحويلاً تامًّا العقائد المادّية الطاغية على هذا العصر المُسيِّرة الأمم والأفراد في جميع اتّجاهاتهم وشؤونهم وأعمالهم.

ولا خجل أن نعلن أمام الملأ بأنّنا قبل أن نتعرّف الى الدكتور داهش و نلمس لمس اليد ظاهراته الروحيّة التي کشفت لنا عن خلودنا بعد الموت، كنّا من المادّيين الحقيرين شأننا في ذلك شأن جميع البشر دون استثناء. إنّنا لا نبوح بسرّ إذا قلنا أنّ الناس أجمعين لا يؤمنون إلاّ بالمادّة ولا يفكّرون ولا يحلمون إلّا بها ولا يفعلون ولا يعملون إلاّ في سبيلها.

فإذا كانت الأمم في حروبٍ متواصلةٍ فإننا لم نسمع حتى الآن أن تلك الحروب قد جرت دفاعًا عن الآداب أو العلوم أو الفنون أو الفضائل. أمّا الحقيقة الواقعيّة إنّ الامم تشنّ الحروب لأجل مصالحها المادية الخسيسة:

المال، النفوذ، البترول، المعادن الخ …

واذا فشلت جميع المعاهدات واذا افلست جامعة الامم “المرحومة”، وابنتها هيئة الامم المتحدة. واذا غاب السلام عن هذه الأرض وأخذت الدول تلجأ الى التسلّح من جديد استعدادًا لحربٍ ساحقةٍ ماحقة، فجميع هذا يعود سببه ليس لاختلاف المبادئ والانظمة كما يدّعون كذبًا، بل لأنّ كل أمّة من أمم الأرض ترغب ضمنًا في السيطرة التابعة على سائر العالم لتستثمره وتحيا بالرفاهية والمعرفة وبسطة العيش على أشلاء الغير.

أمّا الاقوال المنمّقة والوعود البرّاقة فكلّها من أساليب الرياء والاحتيال تمهيدًا لتحقيق تلك الاحلام الأثيمة مثلما يعرف ذلك كل إنسان.

فالمادّة إذن هي إله الأمم الذي تتّجه إليه الصلوات والعبادات والتضحيات وهي المُسيّرة لسياسات الشعوب والمُدبّرة لخططها واتّجاهاتها.

وهكذا قل عن السياسات المحلّية في كل بلدٍ، فجميع السياسيّين يتذرّعون بالمثل العليا لخديعة الناس وما إن يتوصّلوا الى الحكم إلا وتبرز حقيقتهم الجشعة وشهواتهم الرهيبة.

فالرأسماليّ والاشتراكيّ والشيوعيّ والفاشيّ كلهم في كفّة ميزانٍ واحد: فكلّهم ينادون بالعدل والحريّة والمساواة والإخاء الخ .. ولكن هذه البضائع كلّها تتلاشى عندما يتوصّلون الى أهدافهم إذ لا يكادون يتسلّمون مقاليد الأحكام في بلدٍ ما حتى تبرز حقيقتهم البشرية المبنيّة على النزعات المادّية الساقطة والشهوات والمظاهر التدجيلية السخيفة ويأمرون وينهون لا حسبما كانوا يعلنوا بل حسبما تقضي عليهم أجسادهم وما يمكن فيها من نزعاتٍ ورغبات. وهكذا قل عن المؤسّسات الدينيّة على اختلاف انواعها، فالشرائع الإلهيّة السامية وبيوت الله كلّها مُسيّرة لخدمة الدنيويّات.

وكلّها مُسيّرة لصالح من يقومون برعاية تلك الأديان. وإذا أردت الاختبار أيّها القارئ العزيز والتحقيق بنفسك عن صحّة ما أقوله، فما عليك إلا أن تقصد أحد رجال الدين وتطلب منه عشر ليراتٍ لمساعدة أحد الفقراء، والدين يفرض عليه الرحمة ومساعدة الفقير، ولكنّ الشهوات المادّية تعرض عليه الاحتفاظ بهذا المبلغ لذاته کي يشتري به ما يتنعّم به.

وإني أتأكد أن رجل الدين هذا سوف يغلق بوجهك بابه، ويستنبط ألف عذرٍ وعذر ليتملّص من الدفع. الأمر الذي يبرهن لك بجلاءٍ أنّ قلبه وروحه وأحشاءه مشدودة شدّا مكينًا بالمادة ومنفصلة كل الانفصال عن القيم الدينيّة المقدّسة. ولكنّك إذا قصدت هذا رجل الدين نفسه وعرضت عليه تجارةً رابحة أو دعايةً انتخابيةً أو مناورةً استثمارية من ورائها نفوذٌ وفائدةٌ ماليّة، تراه يسرع بضمّك إلى صدره وتقبيله لوجنتيك وتسخير الدين والسماء والجحيم تلبيةً لرغبتك واقتناصًا لتلك المادّة النجسة.

وليس إلا البلهاء الذين لم يروا هذه الحقائق ويلمسوها.

وهكذا قل عن الجمعيّات والشركات والعائلات والاحزاب والمنظّمات.

وهكذا قل عن كل فردٍ من أفراد البشر. فالكل لا يستيقظون صباحًا إلا على فكرةٍ واحدة: ماذا نأكل؟ ماذا نلبس؟ كيف نربح؟ كيف ننشغل؟ كيف نلذّذ أجسادنا:

والكلّ لا يقضون نهارهم إلا ضمن هذه الدائرة المغلقة والحلقة التي لا تطلّ على أفقٍ آخر.

والكلّ ينهون نهارهم ليحصوا ماذا جنوه في يومهم من مادّياتٍ قذرة وماذا سيفعلون في الغد..

وفي سبيل هذه الأصنام المادّية نرى الكلّ مستعدّين لارتكاب الصغائر والكبائر دون رادعٍ يردعهم، ودون رجاءٍ روحيّ يهديهم ويقودهم.

وكان من نتيجة هذا الوضع الحقير وذلك التفكير المجرم أن انقلبت الدنيا إلى جحيمٍ لا يطاق تعجّ فيه ثعابين الشرور وأفاعي الشهوات ورياح النزوات الوضيعة، فتُضعضع كل نبالةٍ
وتُلاشي كل شرفٍ وكرامة وتجعل من هذا العالم مستنقعًا نتنًا لا يطيب العيش فيه إلا لكل جرذٍ حقير.

أما الادّعاء بالإنسانيّة والفضيلة ونشرات القيم الروحيّة المقدّسة فكلها ثرثراتٌ فارغة لا تستند إلى حقيقة ولا وجود لها على الإطلاق. فأكبر إنسانيّ يتهرّب أمام أية تضحيةٍ تُطلب منه في سبيل الخير إذ إن إنسانيّته هي مجرّد نصائح كلاميّة يجود بها على الغير ولا يقبل أن ينفّذها في نفسه.

فالإنسانية تضحية. والتضحية هي تجرّدٌ عن المادّة. والمادّة متأصّلةٌ في ذلك الإنسانيّ، طاغيةٌ على بصره وبصيرته فلا يستطيع التخلّص منها أو التنازل عنها.

وأكبر عبرةٍ تاريخيّة لنا في “الميثاق الأتلنتيكي” الإنساني… فإذا به عند التنفيذ “ميثاق أتلانتيكي مادّي” بُني على المصلحة وأوّل من نقضوه هم أولئك الذين وقّعوه! …

وقد قلت أنّه قبل أن نتعرّف بالدكتور داهش كنّا من تلك الطينة الحقيرة. فلا هدفٌ لنا إلا الأكل والشرب وكسب المال واللذاذات الجسدية على اختلافها.

وعندما تعرّفنا إلى هذا الرجل العظيم وشاهدنا ما شاهدنا من ظاهراتٍ روحيةٍ لم يبق لنا مجالٌ للشكّ في أنّ وراء هذا العالم حياةٌ أخرى بل حيوات. وأنّنا بعد الموت نبقى ولا نتلاشی.. فنحن خالدون وجسدنا الترابيّ وحده الزائل الفاني.

ولا شكّ أن الاديان قاطبةً تعلّم هذا التعليم الذي لا جديد فيه ولكننا نقرّ ونعترف أنّ إيماننا الدينيّ كان مجرّد عقيدةً عاطفيةً موروثة، شأننا في ذلك شأن جميع البشر.

وهذه العقيدة الموروثة لا قوّة لها على الإطلاق. وهي مجرّد إيمانٌ شفهيّ حيث نتلفّظ نصف مقتنعين، ولأجل هذا ترى الناس يخالفون أديانهم وشرائعها الصريحة.

فالظاهرات الروحيّة التي تمّت بوساطة الدكتور داهش قد نقلت هذه العقيدة من حقل الآراء والنظريّات إلى حقل الحقائق الواقعيّة. وهذا هو الحدث الجديد الذي لا يعلو عليه حدثٌ بأهميّته.

وعندما تأكّدنا أنّ الذين سبقونا إلى الأبديّة لا يزالون احياء درّاكين يتمتّعون بكيانهم الذاتيّ ومنهم من يشقون ومنهم من ينعمون، وعندما أظهروا لنا حقيقة وجودهم بتلك العجائب التي لا يستطيع البشر أن يأتوا بها لأنّها تتجاوز حدود المقدرة البشرية المُسيّرة تحت أنظمةٍ ثابتة.

وعندما عرفنا أن كل فكرٍ وكل كلام وكل عملٍ منا باقٍ بموجب قوانين نجهلها وأنّنا سنحاسب عنه حسابًا دقيقًا.

وعندما نظرنا إلى حياتنا الأرضيّة فوجدناها غائصةً في الحقارات، غارقةً في التّفاهات، محدودةً باتّجاهاتها، سقيمةً في تكرار أعمالها، وسخةً بكلّ ما يحيط بها من أمورٍ كنّا نراها عظيمة وإذا بنا نجدها أحقر من أحقر ذبابة،

عندئذٍ خشعنا أمام القوى الخالقة المهيمنة الغير المنظورة، وتوسّلنا إليها أن تغفر ذنوبنا، آخذين على عاتقنا أن نسير سيرةً لا اعوجاج فيها ولا التواء، منفّذين رغبة الله تعالى وإرادته القدسيّة العادلة في اتّجاهاتنا وأقوالنا وأعمالنا، غير مكترثين بأقاويل الناس وثرثراتهم العجفاء، وهم أحقّ من يستحقّ الرحمة والشفقة على ما هم فيه من ضلالةٍ وجهالة.

وقد تطوّعنا لنشر هذه الحقائق کي يتّعظ بها كلّ إنسان ويعود الى الطرق العادلة النيّرة التي يرغبها الله والتي فيها وَجدنا الدواء الناجع لأمراض هذا المجتمع الإنسانيّ والسبيل الأوحد للخلاص الأبديّ.

وهذا التغيّر الذي تغيّرناه هو المعجزة الكبرى التي لم تكن تلك العجائب وتلك الآيات إلاّ لتُحدثه وتخلقه.

هذه هي اهداف الظاهرات الداهشيّة.

 

error: Content is protected !!