سرّ سلّة القصب
في سكينة الليل كانت سلّة قصب قابعة على سطح خزانة عجوز، بجوار زهريّة من الخزف، فسمعتهما الخزانة يتحاوران حوارًا حميمًا غريبًا! ما بهن يتهامسْن في هدأة الليل؟ أتختلج، تُرى، نسمة الحياة في سلّة القصب، وزهريّة الخزف، وخزانة السنديان؟! كيف يتفاهمْن، يا تُرى؟! قالت سلّة القصب: موسى النبي عرفتُه قبل مولده. فروحه النقيّة، قبل ان تتجسّد في هذا العالم، كانت تسبّح الله في الملأ الأعلى. أمّا أنا فقد كنتُ ملاكاً يمجّد الخالق بجوار النبيّ العظيم. ثمّ حانت الساعة التي أوجبَت عليّ أن أسانده في رسالته على الأرض. سجدت للكائن المُبدع، باري العوالم، والغبطة تملأني، وباشرتُ تنفيذ مهمّتي؛ وهي أن تتغلغل روحي في طائفة من القصب كانت تنمو على شاطىء النيل. وسرعان ما قمتُ بواجبي. واذا أمّ موسى تُلهَم أن تأتي وتقطع ذلك القصب. ثم تكبّ على حبكه سلّة، بنشاطٍ عجيب. وانجزت حبك السلّة التي كانت سلاح الإنقاذ الوحيد الذي أمكنها ان تشهره بوجه أمر فرعون: ” أطفال العبرانيين الذكور جميعهم يجب أن يهلكوا وانهمرَ من عيني الامّ دمعٌ مدرار روى المهدَ المنقذ الذي سيحمل موسى. وتابعت سلّة القصب قائلة: وأثارت روحي الرقّة والشفقة في قلب الأميرة، وأوحَتْ لها أن تُنقذ الطفل وتربّيه بنفسها في قصرها. كان رائع الحسن، يخلب جمالُه لبَّها. لا، لن يموت، إنها ستُنقذه وتتبنّاه. ويروي التاريخ المقدّس وقائع القصّة: أمّا هناك، في منزل الصبيّ، فقد كانت الأمّ تنوح، ناقمةً على الأقدار التي فجعَت شعبَها. كانت ترتعش خوفًا وتنتظر… وبينما كانت الوصيفات والجواري منهمكات حول ابنة فرعون، مهتمّات بأمر اغتسالها في النهر، لمحت الأميرة السلّة وهي ترقص على الأمواج تحت اشعة الشمس. وتلبيةً لأمرها أسرعت الإماءُ نحو مهْد القصب، وحملْنه إليها. لقد كان اكتشافًا مثيرًا: طفل وسيم يبتسم للجميع، فيتناقلْنه ويداعبْنه. وقرّرت ابنة فرعون أن تأخذه. لكن، عليها أن تؤمّن غذاءه وتربيته. انها في حيرة! تُرى ما العمل؟ واذا بستار الأشجار الذي يحجب مريم يتحرّك تحرّكًا عجيبًا، فتظهر من ورائه صبيّةٌ خائفة، حييّة، تحاول الهرب من وجه ذلك الجمع. تبعتْها الجواري فأدركْنها، وقدْنها إلى الاميرة، فاستجوبتْها. وأبدت الصبيّة أنها لا تعرف شيئًا عن أمر الطفل والمهد. فأُوعِز إليها أن تسعى في البحث عن مُرضع بين العبرانيات. ولم تجد شقيقةُ موسى فرصةً مؤاتية أفضل لتأتي بأمّها، كمربيّة للطفل، إلى الاميرة. وتعبت سلّة القصب من الكلام، لكنّ زهريّة الخزف ما كان النعاس ليُراودها. فتابعت السلّةُ حديثها قائلة: لم تنس السلّةُ القابعة على سطح الخزانة الماضي البعيد. لكنّها سكتَتْ بغتةً وحبست انفاسَها. أمر غريب حدث، هذا المساء: حضور رجلٍ غير عاديّ أثار في روحها ذكرياتٍ غير منتظرة! لقد شعرت بهزّة، برعشةٍ داخليّة! ما رأيُ زهريّة الخزف وخزانة السنديان؟ في هذه اللحظة حدثَتْ في الغرفة حركة مفاجئة: صعد أحدٌ سلّمًا صغيرة بسرعةٍ وقوّة، وبخفّةٍ ورشاقة امتدّت يدُه الى سطح الخزانة، وأمسكت سلّةَ القصب وأوقفتْها عن الكلام. صمتت هي والسرُّ باقٍ!… الدكتور داهش
الروح يهبّ حيث يشاء.
الروح يمكنه أن يسكنها.
أيسكن هيكلاً من اللحم والعظم، وتستحيل عليه السّكنى في القصب أو السنديان أو الخزف ؟!
لا.
-كم من الذكريات بُعثت فيَّ عن الزمن السحيق!
على ارض مصر”.
_ وُضع الطفلُ في زورق القصب البدائي، ودُفع فوق أمواج النهر، وكانت روحي تحرسه، نافخةً في اللحظة المناسبة، النسائم اللطيفة حوله، وحاديةً زورق الأمل نحو الأميرة المصرية.
كانت مريم أخت موسى تراقب تلك الناحية، وستار من الأشجار يحجبها عن الرؤية، ولكن لا شيء كان يفوت نظرها. وإذا بموكبٍ ملكيّ يتقدّم الى ضفّة النهر…
وأُعجبت ابنة فرعون بها، فأسْدَت إليها عدة نصائح ووعدتْها بأجرٍ كبير لقاء تعهّدها للصبيّ.
_ارجوكِ، أكملي.
قالت لها .
-الزمن الهارب يمضي سريعًا، لكنّ مصر والنيل يكادان يُلامسان الأزل. أمّا شُجيراتُ القصب فهي ما تزال حيّة، وضفاف النيل ما برحت آهلة بجماعات كثيرة منها، فيها ينفح سيّالٌ من روحي مُرجِّعاً أصداء ذكرياته القديمة.
خاطرة غريبة عَبَرت في رأسها، وكانت على وشك أن تبوح بها:
_ أيكون موسى قد عاد إلى الأرض؟!
لكنَّ برقًا ومض على بياض الجدران، متعرجًا، وهبطَ الليل.
كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة” الجزء الأوّل، ص. 20-23