وتدمّرت الكرة الأرضيّة
وأُعلنت الحرب الذريّة الهائلة الرعب بين روسيا وأمريكا … وبدقائق دُمّرت روسيا تدميراً نهائيّاً ، وتلاشت أمريكا من عالم الوجود ، وتسمّم الفضاء ، وامتزج باشعاعاتٍ نوويّة تشبّعت بها الغيوم ، وحملتها الرياح الى أربعة أرجاء الكرة الأرضيّة ، فمات كلّ ذي نسمةٍ حيّة.
وشمل الأرض صمتٌ أبديّ ، فلا صروح شامخة ، ولا أشجار مورقة ، ولا أعشاب خضراء نديّة ، ولا أثر لجماد أو حيوان . لقد تلاشى الجنس البشريّ ، وأُبيدت حيوانات الأرض وطيورها قاطبةً ، واعتراها سكونٌ مخيفٌ عظيم الرعب !
لم يبق في دنيا البشر سوى الهواء المشبع بالاشعاعات النوويّة يطوف في أرجائها ، وهو الشاهد الوحيد على ما جنته أطماع هؤلاء البشر الكافرين بنعمة الله عليهم فدمّروا أنفسهم تدميراً تامّاً. هذه الأطماع الأشعبيّة الشيطانيّة أوردتهم موارد التهلكة ، فزهقت أرواح الجنس البشريّ ، وأُبيدت بلايينه بلحظاتٍ خاطفة .

مغارة آمنة في أعماق المحيط
هناك في أرخبيل قصيّ ، وفي أعماق هوّة صخرية غائصة بأعماق البحر السحيق الأغوار ، التجأت سوهاديا ابنة سلطان زنجبار الحاكم بأمره ، وبرفقتها الشابّ المالاوي مكراساد. فقد أحبّته بمجامع قلبها ، ولكنّ الفارق الاجتماعي يقف حائلاً بينها وبين زواجه ، فهي لا تستطيع البوح بحبّها له ، وإلاّ فالسيف يقطع عنقها فوراً ، فوالدها صرامته مشهورة ، وغضبه أسرع اليه من سرعة الفكر. فارتأت أن تغادر قصر والدها ليلاً ، وتذهب مع من سبى لبّها، ملتجئةً لأغوار الهوّة الصخريّة الثاوية بأعماق المحيط. وقد اكتشفت هذا المخبأ الحصين من قائد يختها وقبطانه ، فطلبت منه أن يكتم أنباءه عن الجميع ، فصدع لأمرها.
وعندما عوّلت على الالتجاء اليه زوّدت هذا الحصن السحيق الأغوار بفراشٍ وثيرٍ وأطعمةٍ محفوظة تكفي شخصين طوال ستة أعوام ، اذ قرّرت العيش في هذا الملجأ الأمين ، دون أن تخرج الى سطح الأرض خوفاً من اكتشاف مقرّها . والأمر الذي طمأنها هو وفاة القبطان بحسكة استقرّت بحنجرته ، فمات اختناقاً .
سوهاديا ومكراساد
وفي اليوم الذي فرّت هاربة مع حبيبها ، سارا في الليل بين جبال من الصخور البحرية ، مجتازين ثغرات عددها كبير ، فمن ثغرة في صخر تقود الى ثغرةٍ أخرى فيها ممرّ مستطيل ، ثم هبوطٌ عميق ، ليصلا الى صخرة أخرى فيها أخاديد وحفر متصاعدة ارتقياها بجهد وصبر وأناة ، الى تعرّجات تقودهما الى صخرة بداخلها ممرٌّ مستطيل يقطعانه ليصلا إلى صخرة جبّارة جوفها فراغ وهو من صنع الطبيعة اذ لا يد بشريّة قامت بحفره وتفريغه .
فسارا فيه ، وإذا بالطريق أصبحت منحدرة ، فكانا يتشبّثان بنتوءات صخرية كى لا يتعثّرا. وهكذا تقدّما حتّى وصلا الى قعر الصخرة الجبّارة . واذا بردهةٍ كبرى تتلوها ردهات تصغر وتكبر ، ثم رواقٌ مستطيل عالي السقف الصخريّ .
ودُهش حبيبها لوجود فراش وثير فٌرش فوقه غطاء من الحرير الثمين . وكانت تلالٌ من الأطعمة موضوعة بانتظام في الردهات الفسيحة ، وآلافٌ من زجاجات البيرة والخمور والمياه المعدنية. وقد ساعدها بايصال كلّ ذلك الى هذا الحصن الخفيّ قبطان يختها ، وذلك بتكتّمٍ تامّ قبل أن تدهمه المنيّة.
المرأة دينها الحب فهو معبودها المنشود
في هذه الليلة الليلاء ذاتها سلّمت الأميرة نفسها لحبيبها وهي ترتجف من الوجد العارم ، غير عالمةٍ بأنه لم يبق في عالم الأرض سواها ومن اصطفته لقلبها زوجاً وحبيباً .
- أي حبيبة روحي ومانحتي السعادة القصوى ، إنّ روحي تترنّح من عظم الألم لعدم استطاعتنا الصعود والظهور ، فكيف السبيل لجعلك تتنسّمين الهواء الطّلق ، وكم ستبقين أسيرةً في هذا السجن السحيق الأغوار ؟
- لا بأس عليّ يا حبيبي ، فلا تشغل فكرك بهذا الأمر اطلاقاً ، فالحياة معك في هذا المكان الأمين أراه فردوساً غارقاً بلذاذاتٍ إلهيّة . وبلحظةٍ خاطفة يغيّر الله من حالٍ الى حال، فدعني سعيدةً معك أيّها الحبيب ، ولا تفكّر بأي أمرٍ مزعج ؛ أولست سعيدا مثلي؟
- إنّ سعادتي كبرى ، يا معبودتي الفريدة ، ولكن ما يدرينا كم سنمكث في هذا المكان منفردين ؟
- لقد حسبتُ للأمر حسابه، وها أنت ترى أنّني أحضرت من المؤن ما يكفينا لستّة أعوامٍ طويلة . وعند انتهاء هذه الأعوام يخلق الله ما لا تعلمون ، كما أنّني أحضرت عدداً كبيراً من الكتب . واذا رُزقت بأطفال ، فسنعلّمهم القراءة والكتابة ، فقرّ عيناً أيها الحبيب الحبيب .
فناءٌ شاملٌ عامّ
كانت الاشعاعات النوويّة تطوف أرجاء الكرة الأرضيّة ، فهلكت الكائنات ، ولم يبق مخلوقٌ يتنسّم الحياة ، كما تبخّرت كلّ أدوات الأرض واختراعاتها …. حتّى الطائرات أصبحت دخاناً ، وكذلك السيارات استحالت الى بخار ، وكلّ ما أنتجه البشر أمسى بخبر كان! وأصبحت الأرض صحراء مخيفة ، لا شجرة ، ولا زهرة ، ولا شيء فيها ، فهي الآن خرابٌ ، وقفرٌ خواء خلاء!
ولو عرف الحبيبان هذا الأمر الجلل لقُضي عليهما ذعراً ووجلاً .
ومرّت الأعوام تباعاً
ومضت الأيّام مسرعةً ، وتصرّمت الأسابيع ، وتلاشت الشهور ، ثمّ أُبيدت الأعوام وهما لا يجرؤان على الصعود إطلاقاً .
ها هو العام الثالث لوجودهما في هذه الأغوار السحيقة ، وها نجلها قد أصبح عمره عامين ، والأمّ حامل الآن .
والأطعمة ابتدأت تتناقص ، وإن يكن ما يزال منها كميّات لا بأس بها .
وكانت الاشعاعات الذريّة تطوف في أرجاء الأرض ليل نهار. ولكنّها لا تستطيع اختراق الصخور واعوجاجاتها وانحرافات مسالكها . وكان الحبيبان يتنشقان الهواء السليم المختزن بين اعوجاجات هذه الصخور ، وإلاّ لتسمّما. فهذا الحصن السحيق الأغوار حفظ لهما حياتهما . فيا للأقدار ما أشدّ غرابتها!
حبيس وحبيسة
وولدت الأميرة سوهاديا طفلة جميلة أطلقا عليها اسم حبيسة ، مثلما كانا قد أطلقا على شقيقها اسم حبيس . وكانا يقتلان الوقت بقراءة الكتب العديدة . وها هو حبيبها مكراساد يكاد ينهي ما تبقّى من الكتب التي لم يقرأها ؛ وكم تمنّت لو أحضرت منها الآلاف .
وكانت سوهاديا قد أحضرت بذوراً عديدة لعددٍ كبير من الأزهار والبقول. وقد أينعت الزهور ، وكانت تضفي رونقاً على مقرّهما السحيق . كما كانت أنواع الخضر تنمو وتؤتى أكلها ، فيتناولونها بشهية وشغف.
وكان الأب يلقّن طفله بعض الكلمات ويداعبه ويلاعبه ، ويحاول أن يبعث السرور ويبعد السآمة عن زوجته وحبيبته.
- سوهاديا أيتها الحبيبة ، ما قولك بصعودي لأرى ماذا جرى في خلال هذه السنوات الأربع ، ونحن منعزلان عن العالم الخارجي انعزالاً تاماً ؟ وجحظت عينا سوهاديا رعباً ، وتشبّثت به قائلةً :
- رحماك ، لا تفعل ، وإيّاك أن تفكّر بهذا الأمر ، فربّما عرفك أحدهم . فالموت يكون مصيرك ، والقبر يكون مثواي . فعِدني ، عِدني أن لا تعود تفكّر بهذا الأمر الخطير.
- سوهاديا ، أيتها الحبيبة المفدّاة ، لقد غيّرتْ منظري هذه الأعوام الأربعة ، فلا يمكن لأقرب أصدقائي التعرّف عليّ . أولم تقولي لي ، منذ اسبوع ، إنّ وجهي قد تغيّر ، ومن الصعب على أصدقائي التعرّف إليّ ، فيما لو شاهدوني .
- هو ما تقول ، فالحياة في أعماق البحار تحيل الشابّ شيخاً، والصبية عجوزاً شمطاء ، ولكنّه الحذر ، فالحذر واجب بالنسبة لظروفنا .
مخاوف هائلة
ولفظ العامّ السادس أنفاسه ، ونفدت الأطعمة ، ولم يبق إلا بضع زجاجات من الخمور والماء المعدني.
- إذاً ، إمّا الموت جوعاً أو صعودنا وملاقاة منيّتنا بقطع عنقيْنا ذبحاً دون شفقة أو رحمة .
- وطفلانا ؟ أيمكننا التغاضي عن صرخات الجوع المفجعة بعد نفاد الزاد والماء ؟
! ربّاه ، رحمتك أيها الخالق ، أنقذنا ، مثلما أوقفت الزلزال الجهنميّ منذ ستّة أعوام فأنقذت حياتنا ، وإلاّ لتدمّرت جبال الصخور فوقنا ، ولفغر البحر فاه ولابتلعنا بأعماقه السحيقة .
الجوع الكافر أصعده الى سطح الأرض
ونفذ الطعام ، ولم تبق قطرةٌ من الماء ، ومزّقت صرخات الطفلين الفضاء ، فجنّ جنون والديهما . وصاحت سوهاديا :
- إصعد يا مکراساد اصعد ، وأْتنا بالطعام لطفلينا ، وليكن الله حارسك ومعيدك الينا. وقد سبق لي أن أحضرت مبلغاً كبيراً من المال ، فهاك بعضه ، وابتع لنا الأطعمة ، وكن حريصاً غاية الحرص أيّها الحبيب . فإن أعادك الله سالماً فهي نعمةٌ عظمى ، وإذا لم تعد فانّي سأعرف أنّ القضاء والقدر قد نفّذا إرادتهما بك، واذ ذاك سأصعد بولديّ وأضعهما على قارعة الطريق ليأخذهما من يكونان من نصيبه. ثمّ أنتحر لأنّه لا معنى لحياتي بدونك .
وبكى وبكت ، ثمّ قبّلها مراراً وتكراراً مثلما قبّل طفليـه ، وصعد وعين زوجته ترمقه بحزنٍ عظيم ، وروحها تكاد تفارق جسدها النحيل .
أحقيقةٌ أم خيال
لم يطل غيابه أكثر من ساعة ، ثمّ عاد صفر اليدين من الطعام ! وكان جاحظ العينين وقد اصفرّ وجهه اصفرار الموت ، وازرقّ ما تحت عينيه ، وتغيّر منظره فكأنّه جاوز الستّين من سنيه ، وهو ما يزال شابّاً في مطلع حياته .
فذُعرت زوجته ذعراً هائلاً ، واستسرعته ليعلمها النبأ اليقين.
- مكراساد ، ماذا حلّ بك ؟ هل اكتشفوا ملجأنا ، وهم بطريقهم الينا ؟ ! تكلّم بربّك ، ودع عقدة لسانك تُحلّ وأعلمني الحقيقة .
- سوهاديا ، إنّي أكاد أُجنّ ، أو انّي أصبحتُ مجنوناً بعد سجن ستة أعوام بأعماق المحيط . إنّ ما شاهدته لا يصدّق، إنّ ما رأيته مرعبٌ للغاية ، ومخيف الخوف الهائل ، ومذعر الذعر الطاغي !
- وماذا شاهدت يا مكراساد ؟ أعلمني الحقيقة ، فقد فرغ صبري ولجّ بي الشوق المعرفة الحقيقة .
- سوهاديا ، إنّ المدينة أصبحت مدينة الموتى ، فلا حركة ولا نأمة ، لا أبنية ولا صروح ، لا أشجار ولا أزهار ، لا سيّارات ولا شيء إطلاقاً سوى صحراء سوداء دخانها يعمي الأنظار ، وليس من مخلوق يسير في هذه الصحراء الفارغة من الحياة ! ترى ، هل أنا مجنون أم حالم ؟ !
سوهاديا ظنّته واهماً
ما أنت إلاّ واهم ، فالسنوات الستّ جعلتك تتخيّل الأوهام وتتحدّث بالأضاليل السرابيّة والأوهام الترابيّة. فدعني أصعد برفقتك لأرى الحقيقة بأمّ عينيّ الاثنتين .
حقيقة مفزعة
وصعدا معاً حتّى بلغا القمّة ، ثمّ غادرا المرتفعات الصخرية وتجاوزاها . وذهلت سوهاديا ذهولاً عظيماً ، ثمّ صُعقت لهول ما شاهدته وهو لا يُصدَّق ! الأرض مستوية ، ولكنّها سوداء حالكة الإهاب ! فليست ترى أية بناية أو أية سيّارة أو أي سائر ، فالسكينة تغمر المكان والزمان ! لا شيء إطلاقاً! لا حركة … حتى ولا نأمة تؤكّد وجود حياة . فراغ وصمت مخيفان ! والسكينة الشاملة قد ضربت أطنابها فلا تسمع ركزاً أو ايقاعاً !
وطواهما الموت معاً
وفجأةً هبّت ريحٌ عاتية تَنسّم هواءها الزوجان ، وسرعان ما بدا التسمّم واضحاً على قسمات وجهيهما . وحالاً عرفا الحقيقة المرعبة ، فصاحا معاً :
- إنّها الحرب النووية ! إذاً ، لم تكن زلزلة تلك التي سمعنا زمجرتها المرعبة منذ ستة أعوام، بل كانت القنابل النوويّة التي دكّت أرجاء الأرض دكّاً تامّاً . وهوى مكراساد أرضاً وهو يردّد اسم طفله حبيس ، مثلما هوت سوهاديا وهي تردّد اسم طفلتها حبيسة .
وسيضمّهما الموت بعد ساعات قليلة . فهل سيلتقيان بوالديهما ؟
الدكتور داهش
أنجزت كتابتها في تمام الساعة الثالثة من فجر 1978/7/30 بشقّة الأخ غازي براكس في نيويورك .
من كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، الجزء الثاني.