الخير شقيق الشرّ
بقلم الدكتور محمد يونس
تبدأُ الرحلة في زمنٍ سحيق.
ها هو قايين وقد سفك دم أخيه هابيل، ولكنّه لم يُعاقب بالقتل بل وضع الله عليه علامةً ليُمنع قتله .
وها هو موسى النبيّ ، الذي كان بالاستطاعة عبر معجزاته الخارقة التي وهبها الله له أن يمحق فرعون وشعبه الظالم ، ولكنّ ما قام به كان الإنذارات المتتالية حتّى هجر أرض القهر والاستبداد هارباً مع شعبه المختار تاركاً فرعون لعلّه يرعوي.
ثمّ ها هو داوود النبي الذي كان بإمكانه أن يقتل الملك شاوول الظالم ولكنّه عفا عنه مِراراً وتكراراً مفضّلاً تحمّل ألوان العذاب على القضاء عليه.
وها هو سليمان الحكيم وقد تفجّرت ينابيع حكمته المقدّسة بلسان مشيئة الربّ قائلاً : “إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ مَاءً، فَإِنَّكَ تَجْمَعُ جَمْرًا عَلَى رَأْسِهِ، وَالرَّبُّ يُجَازِيكَ.” (أمثال 25: 21-22)،
طالباً الصفح والتسامح عسى الشرّ يندمُ خجلاً وحياءً من أعماله البعيدة عن نور الحقّ والحقيقة.
وها هو المسيح المعلّم الفادي، الذي بدل أن يبيد أعدائه بإحدى معجزاته الروحية، إذاه يصرخ ودمه القاني يسيل على خشبة الصليب، ” يا أبتاه، أغفر لهم فإنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون”، مضحّياً بذاته على مذبح حبّهم رغم شرورهم وغلاظة قلوبهم، راسماً بتضحيته العظمى ذلك الطريق الذي يجب السير على خطاه دائماً وأبدا.
وها هو النبيّ العربيّ الكريم ، والذي رغم ظلم قريش له من إضطهادٍ ونفيٍ وإيذاء، وبعد أن فتح مكّة لم ينتقم ممّن ظلموه وساموه أقسى ألوان العذاب، بل سامحهم وهداهم الى نور الإسلام المقدّس علّهم يهتدون ويرتقون بنفوسهم وأرواحهم.
وها هو رجل الروح المؤيّد بالمعجزات الخارقة داهش الحبيب، ينشد في صلاته نشيد الرحمة والتسامح والهِداية لخطأة الارض وأشرارها هاتفاً: “أبعد عنّا الأشرار والهازئين بكلام الله، أنر بصائرهم. طهّر أرواح الخطأة وأرسل لهم قبساً من أنوارك الإلهية فيخشعوا لعظمتك.”
ورغم الإضطهاد العنيف الذي تعرّض له جرّاء عقيدته الداهشية النيّرة الداعية إلى الخير والمحبّة والوحدة الدينية الجوهريّة، ورغم ما قاساه من جلدٍ وسجنٍ وتشريدٍ وتعذيب ونفي، إذاه يمنع أتباعه عن ارتكاب أيّ عمل عدائي نحو مضطهديه محتكماً إلى القانون والى مشروعيّة الكلمة والموقف لاسترجاع حقّه السليب لعلّ ظالميه يهتدون وتتنوّر بصائرهم.
فلكأنّ تلك العلامة التي وضعها الله على قايين مانعاً قتله وإنهاء حياته، قد وضعها أيضاً على أشرار الأرض والهازئين بتعاليمه المقدّسة.
لكأنّ الله شاء أن لا يتخلّص الخير من الشرّ في هذا الكوكب عبر القضاء عليه.
لكأنّه أمرٌ إلهيٌّ صارمٌ لا جدال فيه:
أنّ قدر الخير في هذا العالم هو أن يهدي الشرّ الى النور والحقّ والحقيقة،
أن يكون الشمعةَ التي تحترق وتذوب وتفنى فداءً لنور الهِداية و الخلاص،
أنّ هدفه في هذا الوجود هو ليس القضاء على الشرّ بل مساعدته ليسمو ويغدو خيراً مثله،
أن الحلّ ليس بالانتقام وموت الشرّ، بل بالموت من أجله، وبالتضحية العظمى من أجل خلاصه وعودته إلى حضن الحقيقة و النور، حضن الله الحنون المتسامح والمنتظر دائماً وأبداً عودة الإبن الضال.
أنهّ على الخير في هذا الوجود أن يقبل مصيره طائعاً وراضياً بل وفرحاً لأنه ينفّذ مشيئة الله الاولى والأخيرة، أن يكون مشعل الهداية، وفي نفس الوقت کاشفاً عن لحم جسده الحي متحمّلاً من أجل تلك الهداية المقدّسة أقسى أنواع العذاب والاضطهاد والآلام علّ الشرّ يرعوي وعسى أن تُغرس في قلبه بذرة نورٍ سماوية تنمو مع مرور الأحقاب والأدهار لتصبح شجرةً وارفة الظلال تثمر خيراً وحبّاً وتسامحاً وفضيلةً.
أنّ تلك الرصاصة المجرمة التي اخترقت جسد نبيّ السلام غاندي وهو يقول لا للعنف والقتل مسامحاً قاتله وداعياً طوال حياته الى المحبّة اللامتناهية نحو الجميع، أقربون وأبعدون، أصدقاء وأعداء، مؤمناً أن الحل الحقيقي هو باتّباع الحقيقة كمثالٍ أعلى حتى يرتدع الشرّ ثمّ يندم ويتوب،
وأن السيف الذي طعن الإمام علي وهو يصلي خاشعاً الى ربّه، مسامحاً قاتليه طالباً عدم الانتقام من الخوارج، مجسّداً في حياته مبادىء المحبة والتسامح والوحدة الدينية والانسانية بين الجميع،
وأنّ السلاح الغادر الذي أنهى حياة مارتن لوثر كينج وهو يسير في مسيرات اللاعنف والسلم علّ أخوته في الوطن يعودوا إلى رشدّ الاخوة والتسامح والمحبة،
وغيرهم وغيرهم من المصلحين والهداة الذين لاقوا العذاب والآلام والمشقّات في سبيل هداية من هم بحاجة الى الهداية والى إنارة طريق أخوتهم الأشرار كي يصبحوا أخيار متحمّلين من أجلهم التعذيب والقتل.
فالخير يعرف حقّ المعرفة أن الشرّ هو أخوه الضائع عن طريق الحقّ الالهي،
والخير لا يريد الانتقام بل جلّ ما يريده هو أن يعود أخوه إليه بعد ان يكون قد ارتقى في سلّم درجات الوعي وتخلّص من رواسب الإثم والضلال.
والخير يعرف ويؤمن إيماناً يقينياً أنه والجانب الشرير واحدٌ ولا خلاص لواحدٍ دون الآخر ولا سعادة مطلقة دون الاندماج مع بعضهم البعض ومع الخالق العظيم.
وكما بدأت الرحلة في الأزمنة السحيقة، هكذا ستستمرّ حتى إنتهاء الزمان والمكان،
الخير يضحّي وينوّر ويتحمّل ويصبر ويهدي ويصلّي ويتأمّل ويسعى دون عنف ودون انتقام بل بمحبةّ مطلقة مستمدةٍ من الله عزّ وجلّ، حتى يتحقّق الهدف المنشود ويرتقي الشرّ من تلقاء إرادته الحرّة ويصبح خيراً، مندمجاً بالحقّ ،بالحقيقة، بالله.