بإسم مُحمَّد
قرأنا عن دين مُحمّد، نبيُّ الرحمة والتسامح، فوجدنا معرفة أساسيَّة فيها قضايا أخلاقيَّة ورؤية كونيَّة شاملة، تُشكِّل نظاماً وجوديَّاً يُحوِّلُ العبادة الى وعي بالذات والكون. رأينا أنَّ الكونَ خُلِقَ من إله واحد، والواحد هنا ليس مُجرَّد رقم، بل هو الذي لا إله إلاَّ هو، يسري في الكون وذرَّاته وذُريراته ولا يُختزلَ فيه، وليس كائنٌ آخر مُنفصلٌ يظهر في كلِّ شيء، بل هو الحقيقة المُطلقة في كلِّ شيء، وأنَّ كل شيء يخضع لإرادة ذلك الخالق.

فهمنا من كلماته دعوةً الى الحريَّة ليتمكَّن الإنسان من ممارسة قناعته وتوفير الظروف المُناسبة لنموِّه وتطوُّره، بقوله تعالى في سورة الكهف، الآية 29:” وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ .” عَلِمنا من آياته أنَّ العدل والمُساواة حقٌّ إنسانيٌّ أساسي، يُحرِّر الإنسان ويمنح الأمان، يحمي الضُّعفاء والمظلومين، بغضِّ النَّظر عن جنسِهم ودينِهم ولونِهم وحتى عرقِهم.
فيها دعوةٌ الى التأمُّل في الخَلقِ وأهدافه، لإستكشاف الذات وفهم طبيعة الوجود والغاية من الحياة. تُلقي الضؤ على مفاهيمٍ لها أبعاداً روحيَّةً تُعيدُ تشكيل الوعي الإنسانيّ لينعكِسَ كمرآةٍ للذات الإلهيَّة سلاماً وجمالاً ومحبَّة في تصرُّفاته وسلوكه، وتسخيراً لقدراته خدمةً للإنسانيَّة. تحُثُّ على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى الإلتزام بالتعاليم الإلهيَّة، تُحفّزُ على العمل الصالح وتجنُّب الشرِّ والرذيلة، تدعو الى العفو والتسامح والتعايش مع الأديان الأخرى، تُشجِّع الحوار والتفاهم وحلّ النزاعات بالطُّرق السلميَّة، كما التعالي فوق الإختلافات في الفكر والثقافة والدِّين.
أدركنا أنَّ السعي الى تحقيق الكمال الروُّحيّ ونيلِ السَّعادة الأبديَّة، تكمنُ في طيَّات فلسفته الروحانيَّةً تفاعلاً بين الإرادة الإلهيَّة والحريَّة البشريَّة، تنعكسُ إيجاباً في مسار الإرتقاء والإدراك والمعرفة، وأكثر عدلاً وإنسانيَّة في بناءِ مُجتمعاتٍ أكثر أماناً. عرفنا أنَّ العبادة ليست طقوساً وشِعارات، بل إنتصاراً على السوء الذي في النَّفس، فالإنسان مسؤولٌ أمام الله عزَّ وجَلّ عن أفعاله وأعماله مهما دقَّتْ، يتحمَّلُ عواقبها مهما طالت.
وجدنا في دينِ مُحمَّد، مشروعاً إلهياً مُتكاملاً، يعتمد البُنى الفكريَّة للإنسانيَّة، يُعيد تشكيل المفاهيم ولا يُلغيها، يفتحُ بابَ المعرفة لفهم العلاقة الجدليَّة بين إرادة الله وسلوك البشريَّة، وما يربط بينهما في البُعد الوجودي والنظام الكلِّي، وتحويل العدالة من مُجرَّد فضيلة أخلاقيَّة الى نظام كونيٍّ مُتجذِّر في الإرادة الإلهيَّة. عرفنا أنَّ الأديان تنبعُ من مصدرٍ إلهيٍّ واحد، تُتِمُّ بعضُها البعض، ولا تناقُضَ فيها من حيثُ الجوهر، وليست نهائيَّة مُطلقة في أيٍّ منها. فخطُّ المعرفة الروحيَّة المُنزلة ذات المصدر الإلهيّ نسبيَّة، يُبنى اللاحق منها على السابق، تشترك في المبادىء والقيم والسعي الى الأهداف النبيلة، أساسها جوهر الأخلاق مُتمثِّلة بالوصايا العشر. لكن مع تطوُّر مدارك البشر يُلقي الرُّوح الإلهيّ الضوء أكثر على حقيقة الوجود الماديّ والروُّحيّ، بحيثُ تبدو منها دقائقٌ وتفاصيلٌ وأعماقٌ ما كانت تظهرُ في الأديان السابقة. مع العلم بأنَّ جميعَ الحقائق التي أُتيحَ للبشر أن يعرفوها عن طريق الوَحيِ الروحيِّ المُنـزَل على الأنبـياء هي واحدة لا تتغيَّر؛ أمَّا الحقيقةُ المُطلَقة فكامنة في العوالِم الروحيَّة الإلهيَّة وبالتالي في القوَّة الموجِدة.
قرأنا في سيرة مًحمَّد نهجاً مُتميِّزاً، وعمقاً فلسفيَّاً يجمع بين الإلهيّ والإنسانيّ في سبر أغوار الوجود وإدراك جوهر القِيَم وحدود المعرفة البشريَّة يتجاوز إستعراض الفلسفة السطحيَّة، والنسبية الأخلاقية نحو رؤية أكثر شمولاً وعمقاً، لتصبح أفقاً مفتوحاً لإمكانيات الوجود الإنساني في أكمل صوره. وجدناه يجمع القدرة الإستثنائيَّة لتحويل النظريات المجرَّدة والاهتمامات العملية الى الواقع المحسوس، دون أن يسقط في فخ الانفصال عن الواقع، تجاوز المألوف التقليدي والقيود المفروضة على الذَّات.
رأينا فيه الإنسانَ الكاملَ الذي تجسّدت فيه الحكمةُ الإلهيّةُ، والإنسان المُتحرِّر من عبوديَّة الشهوات والنزعات الدنيويَّة، التي جعلت من تحرُّرِه عبداً خالصاً للّه عزَّ وجلّ دون سواه، وهذه العبوديَّة هي ما تُسمَّى الحريَّة الحقيقيَّة، فالمُطلق لا يُدرك إلاَّ بالإنفصال عن الذَّات. وجدنا في شخصيَّته صفات النبوَّة وسمات القائد الروُّحيّ والسياسيّ، حيثُ جمع بين السلطة الماديَّة والروحيَّة، والقيادة الأخلاقيَّة في مُعالجة الفقر والجهل ودور المرأة، يُعطي دروساً عمليَّة بالغة في الأهميَّة لرفع الظُّلم عن المظلومين، رأينا كيف يَحُلُّ المشاكل التي اعترضت مساعيه الروحيَّة المُبكرة في نشر رسالته، وكيفيَّة تعاطيه مع الإضطهاد، قرأنا عن نهجه في التعامل مع الصِّراع والهجرة وبناء مُجتمعه في المدينة المنوَّرة، التي تمثَّلَتْ فيه القيم الأخلاقيَّة مُمارسةً عمليَّة.
عرفناه الصادق الأمين، لا يُكره على الدِّين، قدوةٌ حسنة لكلِّ زمانٍ ومكان، دمثُ الأخلاق، جسَّد الكمال البشري في أخلاقه وأفعاله، يدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، ونَبْذِ الشرك والأصنام بالحكمة والموعِظة الحسنة، يُجادل المُضلِّين بالتي هي أحسن، ويُقنِع بالحجَّة والبُرهان، ثابتٌ في ربِّه ودعوته ودينه، صابرٌ على إعتداءات قريش ومن معهم من الأعراب، يتحمَّل الأذى والإضطهاد بصبرٍ وثبات، لا ييأس ولا يتراجع ولا يستسلم. يدعو إلى تحرير النَّفس والإنسان من الظلم والإستبداد، والتخلُّص من العبودية والجهل، وكذلك من التمييز الطبقي والعرقي.
وجدناه يُراعي أحوالَ النَّاسِ وظروفَهم، يعمل على تحقيق الكرامة الإنسانية، يتمتع بالرحمة والتسامح، يتجنَّب العنف حيثُ كان يعفو عن أعدائه، ويدعو إلى الصفح والتخلّي عن ثأر التاريخ الى عدالة المُطلَق. وحَّد بين القبائل والعشائر المُتناحرة تحت راية الإسلام، وأرسى أواصر الأخوَّة بين المؤمنين، نشر القِيَم الأخلاقيَّة وحارب الرذيلة بكلِّ أشكالها، حرَّم وأد البنات ومنح المرأة حقوقاً لم تكن لها في المجتمع الجاهلي، حثَّ على العلم والمعرفة، ودعا الى العدل والمساواة بين الجميع، عرفنا منه أنَّ الإنسانَ نفسه ليس كيانًا ماديَّاً عابرًا، بل مسؤولٌ عن إختياراته أمام الله في تصرُّفاته وأعماله لغاية وجوديَّة سامية، داعياً للتغلُّب على الشهوات، لأنَّ أثرها لا يزول، وتتجاوز حدود الحياة والزمان.
قرأنا في سيرة مُحمَّد، شخصيَّة محورية بدَّلت مجرى التاريخ، حيثُ أحدثت ثورةً شاملة في المجتمع الجاهلي، كان لها تأثيراً عميقاً غيَّرت وجه الحياة في شبه الجزيرة العربية بشكل جذري، إنعكست إيجاباً في المُعتقدات الدينيَّة المُتعدِّدة والولاءات السياسيَّة المُتنوِّعة، وكذلك على التبادل الإقتصاديَّ والثقافي.أدركنا في شخصيَّته التكامل بين البشريّ والإلهي، حيثُ لا ينفصل الزُّهد عن القيادة ولا الرُّوح عن المادَّة، حيثُ أسَّس الدولة الإسلاميَّة في المدينة المنوَّرة، ووضع لها دستوراً ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. كما أرسى مبدأ الشورى في الحكم. وضع أسس الشريعة الإسلامية، التي تنظم حياة المسلمين، أساسها العدل والمُساواة في أساس الحُكم والتعامل مع الآخرين. والتزاماً بالعدالة الإنسانيَّة، وضع قواعد الحرب والسّلم في الإسلام، ففرض ضوابطَ أخلاقيَّة صارمة على الحرب لضمان حماية المدنيين وعدم سفكِ الدماء، كوسيلة للدفاع عن النَّفس وحماية المظلومين، وليس هدفاً بحدِّ ذاته، حتى لوكان من أجل نشر الإسلام. والسَّلام هو القاعدة الأساسيَّة في الإسلام، فالأخلاقُ ليست مُجرَّد شِعارات نتغنَّى بها، بل هي إلتزامٌ وقت المِحَن، قمَّة العفو عند المقدرة، فيه أسُس حقن الدماء وعدم الإجهاز على الجرحى، وحظرٌ لقتل الشيوخ والنساء والأطفال والعُزَّل الذين لا يُشاركون في القتال، فالحرب يجب أن تُحصَر في نطاق المُقاتلين فقط، ولا يجوز التمثيل بجثثِ القتلى، ولا مكان للغدر والخيانة. ومعاملة الأسرى مُعاملة إنسانيَّة، على أن يُطلق سراحهم بعد إنتهاء الحرب، كما يجب على المُسلمين الإلتزام بالعهد والمعاهدات التي يبرمونها، ولا يجوز الخروج عليها إلا إذا خالف الطرف الآخر شروطها.
رأينا في سيرة النَّبي العربيّ ثُنائيَّة الكمال الوجوديّ، تتجلَّى بين الذات الإلهيَّة المُجرَّدة والعالم الماديّ المحسوس. يقول محيي الدين بن عربي:” إن الحقيقة المحمدية هي الصورة العلمية الإلهيَّة لحقائق الوجود كله”. رأينا فيه نهجاً حيًّ يتجدَّدُ مع كل قراءة عميقة تعكس العلم الأزليّ للوجود، تُشير الى أن الخيرَ ليس مفهوماً مجرَّداً، بل ممارسةً تُعيد تشكيلَ الوجود يَقتَدي به كل عاقلٍ وصاحب ضمير، يُمثِّلُ أعلى درجات الإنسانيَّة، يتجاوز الطقوس والشعارات، يُحرِّر من أغلال العُرف الى مُطلق القِيَم، يُنير طريق الحياة ويفتح باب السماء للتائبين والنَّادمين والسَّاعين الى تحقيق الكمال الإنسانيّ، والوصول الى أعلى درجات الكمال الروحيّ.
قرأنا في سيرة أصحاب مُحمَّد، عن تأثير الفكر الإسلامي حين يُلامس المُطلق والحُبّ الإلهيّ في صياغة الإنسان المؤمن وتحوُّله الجذري، حيثُ تزول الثنائيَّات، يتلاشى الشعور بالانفصال ويُصبحُ الجزء من الكُلّ، يتجاوز وهم الذَّات والكلمات والمفاهيم، يُصبحُ أكثر وعياً بمسؤوليَّته تجاه الكون، ليدرك طبيعة الحقيقة والوجود، وأنَّ الألم جزءٌ من التجربة الإنسانيَّة، لكنَّه ليس النهاية، حينها فقط يشعر بالسكينة والسلام الداخلي. طالعنا عن التوافق بين العقل والنَّفس، عن ذلك النداء الخفيّ الذي يتردَّدُ صداه في أعماق الكينونة الأزليَّة، عن النُّور الذي يُلامس مسارات الرُّوح، يُنير الظلَّ بين القِيَم والأفعال، حتى تتجاوز المعرفة المنطق بإجاباتٍ تكشفُ عن سرَّ الوجود، فتُزاح الغشاوة عن البصيرة وتُتَّخذ القرارات المُتَّسقة ما يدلُّ على وعياً ذاتيَّاً وفهماً واضحاً للدين والدُّنيا على حدٍّ سواء. تصفَّحنا عن اللغز الوجوديّ في إئتلاف الأرواح والإنسجام التَّام بين الذات والآخر، عند التخلّي عن إدِّعاء إمتلاك الحقيقة، والتسليم بأنَّ الآخر يُمثِّلُ إمتداداً لوجودها، يحملُ في طيَّاته أسرار إكتمالها، يتجاوز مُجرَّد التعايش السِّلمي والتفاهم المُتبادل، يقوم على مجموعة من الأسس والقِيَم الأخلاقيَّة، وإن اختلفت الآراء والمشاعر، ليصل الى حالة من الوحدة والتكامل، أساس العلاقات الإنسانيَّة القويَّة. وبناء مُجتمعٍ مُتعاونٍ ومُتماسك. وهذا ما لا تُدركه العقول المُتحجِّرة التي ترفض أن تكون إلاَّ صدى لِما كان، تقبع في سجونها، تحوّل تقاليدها الى نصوصٍ مُقدَّسة، ونصوصِها الى أصنام.
قرأنا في سيرة أصحاب مُحمَّد، عن الإنتماء الوجودي الى جِذرٍ واحد، يربطُ الأرواح قبل الأجساد، يسري نور الإيمان فيها مُتغلغلاً في حنايا النَّفس وخوافيها، يُرافقها في رحلة البحثِ في الحقيقة المُتجدِّدة، تُدركُ بأنَّ البشر ما خُلقوا ليتناحروا بل ليتعارفوا، وأنَّ أكرمهم عند الله أتّقاهم، ولا فرق بين عربيٍّ أو أعجميٍّ إلاَّ بالتقوى، والمؤمنون إخوة، وأن الإنسانُ أخُ الإنسانِ شاء أم أبى،. وجدنا القلوب التي آمنت بالله ورسوله تتآخى في الجهاد والإستشهاد والحُبّ والتفاني في مواجهة أهواء النَّاس وتأويلاتهم، تبذلُ الغالي والنفيس وتتحمَّل الصِّعاب والمخاطر من أجل إعلاء كلمة الله، تُشارك النبيَّ العربي مرحلتيّ الإضطهاد والهجرة، وتُقاتل انتصاراً للحقِّ في وجه الظُّلم الكامن في النَّفوس الضعيفة. وجدنا النسيج الخفي في الدِّين والدنيا سياجاً من نورٍ يُضيء المعمور بعيداً عن ضجيج الأرض، يُضيء مساراتٍ لا يصلها الفكر، يَفُكُّ ألغاز الوجود بدل أن يحجُبُه جمالاً لا تنتهي أُفقه، يحملُ سكون القلب حواراً بين صمْتين، تأمُلاً في الوجود وإيماناً بأنَّ الحقُّ لا يُفرَض، إنَّما إنعكاساً لبصماتٍ في الحياة تتركها فيما تعيشه، يُحطِّمُ الأوثان الكامنة في النُّفوس، يكشفُ عن مقاومة النَّفس لمُغريات الحياة إثباتاً للحقِّ، وتمرُّداً على الجهل والأنانيَّة.
قرأنا عن الصدِّيق والفاروق وذو النورين وذو الفقار، ككائناتٍ وجوديَّة تحملُ عبء الوعي في صحراء الجهل، تبحثُ عن المعنى في عالمٍ لا معنى له يترنَّحُ بين صراع القِيَم والعادات المُتوارَثة في قلب التجربة الإنسانيَّة، تتمرَّدُ على المُجتمع حين ترفض أن تكونَ مجرد رقمٍ في معادلة الكون، تتجرَّأ على أن تحملَ مشعلًا في ظلامٍ لا ينتهي، لتكتشف أنَّ الحقيقة ليست نوراً هادئاً، بل صاعقةً تُحرِقُ ما تلمس، تُشهرُ سيف الحقِّ حينما تتحوَّل الحقيقة إلى سلاحٍ ذي حدَّين، إمَّا الحريَّة أو مقبَضَ السيف لتُصبحَ أسير السُّلطة تُلغي الآخر بإسم اليقين.

قرأنا عن الخلفاء الراشدين كشخصيَّاتٍ تاريخيَّة حافظوا على وحدتهم في ظلِّ تناقض المصالح وتعدُّد التفسيرات، جسَّدوا المأساة الكامنة بين النوايا الطاهرة وعُقمُ الواقع، حملوا مشعل الحريَّة واحترقوا بنار الفوضى. قرأنا عن القيادة الحكيمة وعرفنا العدالة في الإسلام.
وعليه، لم يكن الإسلام يوماً مُجرَّدَ طقوسٍ وشعائر، ولا مجموعة من القواعد القانونيَّة، ولا إظهاراً لإعجاز في اللغة وبيانها، ولا إعلاناً عن وجود الله عزَّ وجَلّ، بل هو نظامٌ فلسفيٌّ روحيّ مُتكامل، ورؤية كونيَّة شاملة، وتجربة روحيَّة عميقة، يسعى الى تحقيق التوازن بين الإنسان وربِّه وبين الإنسان وأخيه الإنسان، حماية النَّاس وحقوقها، وتهذيب النَّفس وضبط ميولها، وفهمٍ أعمق للحقائق الروحيَّة والإرتقاء الى مستوى أعلى من الوعي.
نسقٌ وجوديٌّ يتجاوز التشريع، معرفة الله كحقيقة ثابتة تُلامس الذات، ومفهوم لا يُدرك بالمنطق. وليس من شيء مُنفصلٍ عن ذاته الإلهيَّة، بل تعبير عن إرادته، ونفحة من روحه.
لكن ما أن امتدت الدولة الإسلامية لتشمل مناطق واسعة، حتى تحوَّل الوحي من نصٍّ سماوي إلى تأويلات بشرية قابلة للخطأ. لأن السلطة، في نهاية المطاف، هي مرآةٌ لتضاريس النفس الإنسانية، بكل ما فيها من نور وظلام.
ومن رحم الجاهليَّة ولد أبناء مُضطهدي النَّبي العربي، الذين قاوموا دعوته بشراسة، وشنّوا عليه الحروب المُتتالية. حتى إذا ما أنتصر الإسلامُ والمُسلمون، ركبَ أبناءهم موجة الإنتصار، وأعادوا تشكيل هويَّتهم تحت راية الإسلام لاحتواءِ القوة الناشئة، وكونهم أبناء سادة قريش ذو بأسٍ عظيم، يحملون جِراح الماضي، لبناء المُستقبل الآتي، تولوا قيادة الجيوش بإسم محمّد والإسلام، ليس حُبَّاً ولا إيماناً، بل إكمالاً لمسيرة آباءهم وعقلية الغزو والغنائم، وما كان في الدَّعوة من قِيَمٍ وأخلاقٍ تحوَّلت الى إستعبادٍ وسبيٍ وقتل. وبدل أن يكونوا حرَّاسًا للحقيقة أصبحوا جلَّاديها. فالقادة الجُدُد لم يهزموا أعداء الأمس فحسب، بل إنتصروا ثأراً لدين آباءهم. وهكذا أصبح الإسلامُ يُنجِبُ وحوشاً ضاريَّة تفرِضُ حقيقة القوَّة.
ومن فائض القوَّة، انبثقت السُّلطة، فكان الخُلفاء والأولياء والقادة العسكريين، ومن رحم التشريع والتنظيم والأحكام المُستمدَّة من الدِّين أصبحَ للدينِ رجالاً. وبين رجال السُّلطة ورجال الدين صراعٌ صامت خفيّ، حيثُ يعتقد الأول أنَّ الحقَّ يخدُم المصلحة العُليا للدولة، فيُعيد كتابة التراث الدِّيني بلغة المصالح. بينما يرى الآخر أنَّ الحقَّ مُرتبطٌ بالنَّص المُقدَّس، وأنَّه وحده المُخوَّل بالتأويل، لذلك يحاول تسييس المُقدَّس. يجمع بينهما ترويض الإنسان خوفاً من القلق الوجوديّ.
ومن قول الفيلسوف نيتشه وصفه أنّ ” إرادة القوَّة ” هي التي تدفع الكائنات الى التحالف مع أعدائِها للبقاء. فيتحالف الخصمان، لحاجة رجال السُّلطة هالة من التقديس لتبرير حكمهم، وحاجة رجال الدِّين لحماية مصادر قوَّتِهم، فتقبضُ الأولى على زمام الأمور، وتُبارك الثانية بإسم السماء، سيفٌ يقطع وكتابٌ يُبرِّر.
وبين بقاء السُّلطة وإنتشار الدِّين، ينبثقُ إتحادٌ يحمل في طيَّاته تناقُضات الوجود البشريّ، يجعل من الحكم مشيئةً إلهيَّة، ومن الدين أداةً للسيطرة، يحتكرُ فيه رجل الدِّين فنَّ التأويل لتُصبِحُ النُّصوص المُقدَّسة منجماً لإستخراج الحقائق المُطلقة، يلعب دور الإله لترويض الجماهير، ويتحوَّلُ الى آلة تَصْنَعُ الخنوع في أتون الوجود الإنسانيّ، فيه يتصارع الجوع مع الجهل حتى يُصبحُ الإتِّحادُ معبداً للقهر.
وحين تتعارض مصالح السُّلطة مع مصالح رجال الدين، يلتحمُ المُقدَّس بالمُدنَّس، وينفجر الصِّراع كمأساةٍ وجوديَّة، يستغلُّ رجل الدِّين أعمق حاجات الإنسان الى اليقين والخلاص. فتُصبحُ الكلمات تنزيلاً والأفعال سُنَّةً، تُبنى من سيرته ملحمةً مُقدَّسة، ومن كلماته أحاديثٍ نبويَّة تحملُ سرَّ الوجود. يدَّعي التواضع والخضوع لإرادة الله ويُضفي على نفسه ألقاباً قُدسيِّة. حتى يُظنُّ أنه من عندِ الإله ومن المعصومين عن الخطأ في الرأي والتصرُّف، وله الكلمة الفصل في الدُّنيا والآخرة على السواء.
هذا الوهم المُعمي للبصائر، المشوّه للحقائق الروحيَّة، ينخرُ في النَّفس البشريَّة، يحوِّل القيم العليا التي هي أساس القِيَم الروحيَّة، التي أقرَّتها الأديان ونادى بها الأنبياء والهُداة والمُصلحين الروحيين الى شعاراتٍ وشرائعٍ وطقوس، يُضحّي بالمُطلَق الصحيح، مصدرِ المحبَّة والرحمة الشاملة لإشباع الغرور وإرضاءِ النفوس المريضة. حتى يعتقد المُتديّن أنَّها الحقيقة المُطلقة وباب الخلاص. ومع مرور الزَّمن تتحول الأفكار الى عصبيَّات طائفيَّة ومذهبيَّة، يتغنَّى بها أشياعها ويبذلون من أجلها النَّفس والنَفيس.
ومن أجلِ الحقيقة التي توارثوها، والوهم الذي أينع في النفوس، وإيحاء المُتديِّنين المُتطرِّفين لأنفسهم أنَّهم دائمًا على حقّ في آرائهم وتصرُّفاتهم، وشعورهم بالتفوُّق، يتعذَّر عليهم قبول الرأي الآخر أو حقّ التأويل والإجتهاد والإعتقاد، أو حتى العيش في مناخ الحريَّة الفكريَّة، خوفاً من تهديد وجودهم.
والمُتعصّب لا يرَى حقائق، لإعتقاده بإمتلاك الحقيقة المُطلقة، يخشى الحياة والحريَّة، فقد بنى من أحجار الجهل المُقدَّس سجناً مُظلِماً يقبع في أروِقَته رفضاً لصوت العقل وخوفاً من لمس الحقيقة، فعمى البصيرة قد فصلَ بين الذَّات والوهم.
يقول الدكتور غازي براكس:” إنَّ خُلُوَّ الأديان من المحبَّة والتسامح ومن مُمارسةِ القِيَم الروحيَّة والنَّزعات الإنسانيَّة يجعلُ من الأديان بُؤَرًا للأحقاد والكراهية وأدواتٍ للقمع والترهيب ووسائلَ استعجالٍ لتقَهقُر الحضارات.”
من هذا المُنطلق، يلجأ المُتديِّنون المُتطرِّفون بإسمِ الدِّين الى التحريض على الكراهية والعنف ضدَّ الآخر، ونشر الأكاذيب والشائعات والتعبئة والتجنيد، والدَّفع الى إستخدام العنف من خلال الإعتداءات والتخريب التي تؤدّي الى تأجيج الصِّراعات واندلاع الحروب والنِزاعات وما بينهما من انتهاكٍ لحقوق الإنسان وممارسة التمييز ضدِّ الأقليَّات. أضف الى ذلك تدمير البُنى التحتيَّة والموارد الإقتصاديّة.
اليوم وبإسمِ مُحمَّد، نرى بعد اربعة عشرة قرناً، ومن أعماق الوجود الإنسانيّ، حيثُ تختبىء الذكريات كأشباح في قلب الزمن، وتنام في زوايا النَّفس، كيف إستيقظت الأحقادُ الدفينة من عُقالها في نفوس المُتطرِّفين المُتديِّنين التكفيريين، تستلهمُ من السماءِ لغةً لتبرير جرائم الأرض، تُصيغُ من الإختلاف عداوة، تختزلُ التاريخ الدِّيني الى مجموعة من الأحكام الدمويَّة، تنبعثُ منها دعوات الموت وصراعات الأجداد، تقذف حِمَمَ الماضي، لتُشعِلَ الحروب الوجوديَّة، تُلهِبُ هويَّة الحاضر، تعيثُ في البلاد حرقاً وتدميراً وقتلاً وإجراماً، تختزل معها مأساة الحياة وجروحها، وتحوّل الرُّوح الجماعيَّة الى رمادٍ تعجزُ الكلمات عن الوصف والتعبير.
ولا يسعني في هذا السِياق، إلاَّ أن أُردِّدُ ما قاله رجل العلم والفلسفة إبن سينا:” ايُّ ربٍّ ربُّكم ؟ وايُّ دينٍ دينُكم ؟ ابتُلينا بقومٍ يظنون ان الله لن يهدي سواهم، يدعون الناس الى الجنَّة وهم عاجزون عن دعوة يتيمٍ الى مائدة ، يدعون الناس الى الجنة، وأوطانهم مليئة بالمتسولين و ماسحي الاحذية ، حمقى البلاد و قطاعي الطرق اخذوا مال الارض و ورثوا بيت السماء ..
ونحنُ كداهشيين، لسنا ببعيدين عن دائرة العُنف تلك التي لا تمتَّ بصلةٍ الى الدِّين والله ومحمَّد، وهذا ما يُحتم علينا الذهاب الى إثنتين، أن نزرع بذور المحبَّة بين النَّاس وذلك بنشر تعاليم النبي الحبيب الهادي ورسالته في أصقاع الأرض. إستناداً لقول النبي الحبيب الهادي:” من العار أن نغادر هذا العالم دون أن نترك أثراً طيباً فيها.” ثانياً أن نلتزم تلك التعاليم، فالتقوى خير مُبعدٍ للمُعاناة والألم.