من هو الدكتور داهش؟
بقلم الأديبة ماري حداد
“من رسالةٍ أرسلتها الأديبة الفنانة ماري حدّاد في ٢٧ كانون الثاني ١٩٤٦ الى الكاتب والصحفي “جبران مسّوح”، صاحب مجلّة “المختصر” التي كانت تصدر في بونس أيرس في الارجنتين، والذي اهتمّ بقضية اضطهاد الدكتور داهش ونشر عنها العديد من المقالات.
من هو الدكتور داهش

نشأ في عائلة نكبها الدهر فذاق من العذاب ومن بطش الأقدار أهوالاً وهو شخصية فذة ، نبيلة في مراميها ، رفيعة في أفكارها وأهدافها ، عركها الدهر عركاً جباراً ، فجعل منها شعلة من العواطف الرقراقة والإحساسات اللطيفة نحو كل ما هو عادل نبيل شريف.
وقد تعرفنا اليه اتفاقاً ، فوجدنا فيه مقدرة روحية ، وعبقرية أدبية جذبتنا اليه مع لفيف من خيار القوم أدباً وثقافة.
وهو صاحب مؤلفات تجاوز عددها السبعين ، رغم سنّه الحديث ، خاض فيها المواضيع الاجتماعية بروح عالية وأفكار سامية تعود بالخير على جميع من يطالعونها ، وبأسلوبه السهل الممتنع الذي أعجب أدباء الشرق ممن يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة ، وأثارت دهشة أبناء العلم ومحبي الآداب.
وها إنني أرسل إليكم شيئاً من هذه المؤلفات لكي تطلعوا عليها ، وربما نالت استحسانكم.
وفوق جميع هذا فالدكتور داهش مصلح ديني ، واجتماعي عظيم ، صاحب عقيدة راسخة تملأ صدره الرحب . فهو ينشد (العدالة) في عالم طغت عليه المظالم ، يأكل فيه القوي الضعيف ، ويبطش فيه الذئب المفترس بالحمل الوديع .
وهو ينشد ( المحبة) بين الشعوب والأفراد ، تلك المحبة التي أوصت بها جميع الاديان ، والتي تعبث في تحقيقها الغايات الغاشمة .
وهو ينشد الترفع عن ( المادة ) الطاغية ، والاتجاه نحو الفضيلة والمثل العليا .
وهو يتغنى بخلود الروح وما تجره هذه العقيدة من واجبات إصلاحية في كل فرد .
ويرى لأجل تحقيق هذه الأساطير الخيالية – ويا للأسف – أن لا طريق سوى العودة الى ما أوصى به المصلحون والمرسلون والأنبياء الأطهار .
فالأديان قد انقلبت الى مؤسسة تجارية تُنحر فيها الفضيلة والمبادئ السامية على مذابح المادة والشهوات ، ومنابر النور والهداية قد انقلبت إلى منابر ظلام .
وكم وكم من الاختلاقات الوضيعة قد أضافها رجال الدين الى الدين الصحيح مدى الأجيال والقرون .
وكم وكم من البدع ما زالوا يبتدعونها للحصول على ذلك المال الخسيس ، وتلك السيطرة الدنيوية الزائلة الفانية.
فالدين لم يبق ديناً ، بل أصبح آلة تتلاعب بها يد الغايات ، وقد شوهت هذه المآرب وجهه الجميل ، فجعلته آية ازدراء واحتقار بين الشعوب ، وعنوان الظلام والظُلاّم الغلاظ الرقاب عوضاً من ان يكون شعلة نورانية مقدسة تهتدي بها الجماعات ، وتسير في أثرها الأمم .
وقد وطّد الدكتور داهش العزيمة على أن يعلن هذه الحقيقة بصوته الجهوري ، وأن يدعو الناس للعودة الى الطرق النبيلة والى وصايا الأنبياء ، وليس مثلما يعلّمهم إياها رجال الدين النفعيّين .
كما إنه أعلن أن الأديان المعروفة جميعها منزلة يجب احترامها والاعتراف بها لأنها جميعها تحض على الصلاح ، وهي إرادة الله عز وجل .
فالتعصّب جريمة بشرية تجرّ عقابها من ورائها ، وما الجرائم والمآثم والمجازر الدموية التي جرت في تاريخ العالم من جراء التعصب النعيم إلّ بيئة صريحة وبراهين ساطعة عن هذه الحقائق .
فرغبة الله جل جلاله لا تتفق البتة مع استعمال الأديان لغايات تعصبية قبيحة . فالأديان جعلت مختلفة اختلاف الشعوب والألوان ( ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ). ولكنها جميعها تأمر بالعدالة والمحبّة الشاملة لا بالأحقاد والضغائن .
أما نحن فقد جذَبنا هذا التعليم الصحيح الفصيح فانضممنا إلى الدكتور داهش، وأصبحنا ندين بأفكاره ومبادئه .
المراجع:
-كتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا “، ص. ١٤٩-١٥١.
-(لوحة (الدكتور داهش) رسمتها الفنانة ماري حداد، “متحف داهش للفن”.
https://daheshmuseum.org/portfolio/marie-hadad-portrait-of-dr-dahesh/)