صِراعُ الآلهة
بقلم الكاتب حسين يونس

بين يديك، عزيزي القارئ، مُقدِّمة لكتابي “صِراع الآلهة”، أنشره تباعاً في هذه المجلَّة ” النَّار والنُّور”، يهدف الى تسليط الضوء على بداية الصِّراع منذ الأزل وحتى يومنا هذا، مع الأخذ بعين الإعتبار عوامل الصِّراع ما قبل إنبثاق الكون ويكون زمان ومكان، وما يترتَّب عليه من أبعادٍ على الرُّوح الأُم والنَّفس والجسَد.
هي رحلة استقصائيَّة في ذاكرة الرُّوح قبل أن ترتدي ثوب المادَّة، يتناول قضيَّة الوجود الإنسانيّ وصراع الإِرادات من منظور “ميتافيزيقي” غير مسبوق.
في هذا الجزء، نعيشُ في لحظة ما قبل السقوط، حيث يتجلّى وهم الألوهيَّة الذاتيَّة وانقسام السيَّالات الروحيَّة، مَّما يقدّم تفسيراً وجودياً جذرياً لأصل الصِّراع البشريّ.
هي رحلة البحث عن الجواب المفقود: لماذا نقْتَتل؟ وكيف استبدلنا وجه الحقيقة بعوالمِنا الخاصَّة التي خَفَتَ فيها النُّور حتى استحال مادةً وقيداً؟”
قبل البدء:
في البدء، حين سقطت الرُّوح في المادَّة، حدث لها ما يشبه “الإرتجاج الوجوديّ”. تكاثفتُ الذَّرات حول النَّفس ممَّا أدخلها في حالة نسيانٍ كثيفة، جعل رؤية “النُّور الأزلّي” مُستحيلة. في هذا الزُّحام، استبدلت السيَّالات الروحيَّة ذاكرتها الكونيَّة بـ”ذاكرة بيولوجية”؛ فصارت تظنُّ أنَّ أصلها من الطين، وأن بقاءها مرهونٌ بالاقتتال على موارد هذا الطين، مُتناسيةً أنها ضيوفٌ في ملكوتٍ لا يملكون فيه حتى “أنفاسهم”. وفي محاولة إسترداد ذاكرةٍ فُقِدت في تفاعلات المادّة، نعمل على أن “نتذكر” تلك اللحظة قبل السقوط، نسترجع حالة الكينونة الروحيَّة التي خسرناها مع بداية عزف أول لحنٍ بعيداً عن السيمفونيَّة الإلهيَّة.
وقبل أن نُبحر على زورق الحقيقة الروحيَّة، ونترك شاطىء المفاهيم البشريَّة الضيِّقة، لا بُدَّ من إرساء قواعد المِلاحة في هذا البحر الذي لا ساحل له، نقف وقفة خشوعٍ فكريّ، نرفع الشِراع بإذن الله جَلَّ جلاله لِننْفذ إلى ما وراء الحُجب، حيث لا أُفق يحدّه بَصَر، ولا مادَّة تقيِّد الرُّوح، ولا زمن يحصي الأَنفاس. نحن الآن في حضرة “الوجود الكُلّي” قبل أن يتكثَّف النُّور في قوالب الطين. نتأمَّلُ في الوجود، نبحثُ في الحقيقة ونُعبِّر عمَّا يجول في الخاطر، بعيداً عمَّا تراه العيون وما يشعر به القلب، نفتح الباب واسعاً للحريَّة الروحيَّة، تاركاً للآخرين حريَّة التفكير، وإدراك الحقيقة من حيثُ هي نورٌ ينساب ولا يُفرض.. .
كانت الأرواح تسبح في بحرِ الأزل، تُدرك كمالها، وتعرف أنَّ كلُّ نبضة نورٍ تصدر عنها هي مَدَدٌ من النَّبع الإلهيّ. وأن تكون الرُّوح “على مثالِ خالقها” لا يعني أنَّها وُهِبَت صفة “الخلق “، والله هو “الخالق” المُُطلق، حجبَ عنها سرِّ الخلق الأعظم، لكنَّه منحَها القدرة على “التشكيل” داخل مُحيطها. ولكي لا تكون الأرواح مُتطابقة تماماً في نزعاتها وقراراتها، ما يعني الإستنساخ التَّطابقيّ، وبالتالي مُجرَّد “أصداء” جامدة. فصلَ إله الآلهة بين الرُّوح وذاتها بموجب النَّاموس الإلهيّ، لخلقِ مساحةٍ لحريَّة الإختيار والمسؤوليَّة، بناءً على ما أعطانيها من قبسِ الإِرادة لكي تكون “خالقة لأفعالها”، ما يفتح المجال للمُشاركة في الجوهر الإبداعيّ..
ولإنتفاءِ الجمود الوجوديّ، تحرَّكت الأرواح بقرارٍ ذاتيّ، وبدأت رحلة الإمكانيَّات المتساويةً عند نقطة البداية لتتفاوت في الإِستحقاق عند المُمارسة. شعرت بلذَّة الوجود المُنفرد، حيثُ وجدت فيضاً من القوَّة والجمال والقدرة على الإختيار. وفي غمرة النشوة، توهَّمت السيَّالات الروحيَّة ذات النَّزعة الضعيفة الى الحقِّ والخير والجمال أنَّها النُّور الذي يشعُّ من تلقاءِ ذاته، وأنَّ إمتلاء النُّور هو إمتلاك له، مُتجاهلةً أو مُتناسيَّةً أصلَ ذلك. وبمجرَّد أن أحسَّت بجمالها، ادَّعت ملكيته، إذ لم ترَ في نفسها “انعكاساً”، بل رأت “منبعاً”، ومعه تحوَّل “الجمال” إلى “غرور”، و”الفيض” إلى “ادعاء”. فبالنسبة لسيَّالٍ توهَّم أنَّه أصل الحركة، أصبح النظر إلى وجه الله “قيداً” لا يُطاق، لأنه يفضحه ويُظهر عجزه أمام الحقيقة المُطلقة ومصدر النَّور.
بدأت السيَّالات بالالتفات بوعيها بعيداً عن المصدر، هرباً من ثغرة النَّقص لتعيش وهم السيادة، انطلاقاً من أنَّني أشعر بإِرادتي، وأشعر بجمالي، وأملك قرار حركتي… فإذن أنا أصلُ هذه الحركة. هذه الأنا الواهمة، فتح الباب واسعاً لإِساءة استخدام القدرة في التجلّي والإِبداع حتى توهَّم الكثير منها، أنَّها “خالقة لذاتها”، تملك طاقة “السيَّال” التي تؤثِّر في المادَّة وفي السيَّالات الأخرى.
وبعيداً عن تحرُّك الإِراداتِ كأمواجٍ في مُحيطٍ واحد، تعزف لحن الخالق، توقَّف العزف الجماعي ليبدأ العزف المُنفرد، ومعه تحوَّل التَّناغم الى تنافسٍ إبداعيّ. وبدلاً من أن تُبدع السيَّالات الروحيَّة في خالقها، به وفيه، إستخدمت إرادتها لتُبدع لنفسها وضدّ غيرها. والإبداع هنا يعني السيطرة، بخلقِ صورٍ وعوالمٍ خياليَّة داخل وعي السيَّال ذاته، ومحاولة إِجبار السيَّالات الأُخرى بالإعتراف بجمالِ خلقه هو لا خلق الله عزَّ وجَلّ. من هنا بدأ صِدام الإِرادات الإبداعيَّة كصِراعٍ في تلك العوالم السحيقة بين السيَّالات في محاولة كلٍّ منها فرض مِثاله الخاصّ على الوجود الرُّوحي، وبالتالي الماديّ بعد السقوط. هذا الصِدام لم يكن قتالاً بالمعنى الماديّ، بل كان اشتباكاً في الرؤى الوجوديَّة. من حيثُ لا يقبل السيَّال إرادة أُخرى تحدُّ من إِبداعه، خصوصاً في نفس المجال.
وبناءً على ثغرة الجهل وقبس الإرادة الذي استحال إلى زَهوٍ بالذَّات، حاول الكثير من السيَّالات الروحيَّة الإبتعاد عن وجه الله وخلق عوالمها الخاصّة المُضيئة، إنطلاقاً من طبيعتها النُّورانيَّة وتشابهِها مع النُّور الإلهيّ، فالجوهر واحد والذَّات مُشعّة. هذا الإختلاط في المُساواة والتَّشابه في المصدر أدَّيا الى سوءٍ بالتقدير بين النُّور ومصدر النُّور. وبالتالي كانت العوالم التي خلقتها السيَّالات لتُمارس فيها ألوهيَّتها بعيداً عن الله لم تكن عوالم نورانيَّة، بل كانت ظلالٌ ماديَّة. لأنَّ السيَّالَ لا يملك “القدرة على الخلق من العدم”(وهي صِفة إله الآلهة وحده)، وعليه كان بناءُ عوالمه من “تشويه النُّور” الذي يحمله، يمارس فيها “ألوهيَّته” وسط أرواحٍ أخرى أقنعها بوهمه، أو صارعها لتخضع لإِبداعه. وكلَّما ابتعدَ عن وجه الله خَفَتَ تردُّده الرُّوحي، خبا نوره، فقدَ شفافيَّته، نَسِيَ أصله السماويّ، تكثَّفَ ماديَّاً وعظُمَ الشقاء.
وهكذا تكون عوالم المادّة ليست خلق الله عزَّ وجَلّ، فالله روحٌ كُليٌّ محضٌ، لا يندمجُ مع الطبيعة المادِّيَّة ولا يُخالطُها. يقول الدكتور غازي براكس:” وﷲ إذْ أبدعَت إرادتُه الوجود معلومَه ومجهوله، لم توجِدْهُ في صورته المادِّيَّة، لا الصورة الحاضرة ولا أيَّة صورةٍ منذ بَدْء التكوين المادِّيّ، بل خلقَ ﷲ الوجودَ الأصليَّ عالَمًا روحيًّا مُنزَّهًا عن الدَّنَس وبالتالي عن المادَّة وقيودها الزمانيَّة المكانيَّة. فـﷲ روحٌ مَحضٌ قُدُّوسٌ سرمديّ لا نهائيّ في القُدرة والمعرفة، وخَلقُه يجبُ أن يكونَ كائنًا روحيًّا محضًا قُدُّوسًا سرمديًّا قريبًا منه في القُدرة والمعرفة. فالأُلوهةُ لا تُكَوِّنُ إلاَّ كائناتٍ إلهيَّة.
أمَّا الأكوانُ المادِّيَّةُ، في صورتها الحاليَّة وفي صُوَرِها السابقة، فليست إرادةُ ﷲ هي التي شاءَتها هكذا، إذْ إنَّ المادَّةَ نقصٌ وفسادٌ ومجلبةٌ للشرّ، وتعالى ﷲ عن أن يُريدَ نقصًا وفسادًا وشرًّا، وهو الكمالُ المُطلَق، وهو المحبَّة. لكنَّ ﷲ يُهيمنُ هيمنةً كُلِّيَّةً على العوالِم الروحيَّة مثلما على العوالِم المادِّية بما أوجدَه من نواميسَ إلهيَّةٍ ثابتةٍ تضبطُ الكلَّ ضبطًا عادلاً. وهو الذي يمدُّ الأَكوان والكائنات روحيَّةً ومادِّيَّة بقواها وعناصرها التكوينيَّة الأُولى المتنوِّعة وفقًا لاستحقاقها، وهو الذي يُراقبُها ويُحاسبُها ويُثيـبُها ويُعاقبُها، ولا تخفى عليه خافيةٌ مهما دقَّت.”
إذن، بناءً على الفكر الداهشيّ، يكون انبثاق الكون الماديّ مكاناً لعزل الأرواح التي فقدت شفافيَّتها، وليس انفجاراً فيزيائياً صُدْفياً (كما تقول نظريَّة الانفجار العظيم)، لا بل كان “تكثُّفاً روحياً” ونتيجة حتميَّة لعمليَّة فقدان النُّور لطاقته الإلهيَّة بسبب وهم الأنا، ليكون بمثابة “مختبر” أو “مدرسة” تُجبر فيها الرُّوح على مواجهة نقصها عبر مُعاناة المادَّة. تختلف درجاتها وخفوتها لتفاوت درجة عصيانها وابتعادها عن وجه الله. فالكواكب، والنجوم، والذَّرات والذُّريرات ليست إلا تمثيلات ماديَّة لهذا الشتات الرُّوحي، وكلَّ جُرمٍ سماويّ هو سجنٌ أو مستقرٌ لسيَّالاتٍ مُعينة تتشابه في درجة خفوت نورها وبعدها عن الله.
انبثاقُ الكونَ الماديّ كان وسيلة إلهيَّة لتحويل الخطيئة الروحيَّة إلى تجربة زمنيَّة؛ فالمادَّة والزَّمن هما القيدان اللذان يمنعان الرُّوح من التَّمادي في وهمها المُُطلق، ويُجبرانها على الاعتراف بضُعفِها وحاجتها للمصدر، لا بل هو الرحمة في صورة شقاء، تُعيد السيَّالات السَّاقطة الى رُشدِها.
إشتعلت ثغرة الجهل في الكون الماديّ، وبهُت نور الحقّ، وغابت شمسُ الحقيقة، وحُجِبَت رؤية المُستقبل وعواقب الأمور،. وعندما يغيب النور، تسود الظُّلمة، وفي الظُّلمة يرى كل سيالٍ، الآخر كـعدو أو كعائق، لا كجزءٍ من الرُّوح الأم، محاولاً إِثبات الذَّات في عالمٍ فقد فيه الجميع بوصلة الحقيقة ولذَّة الإنتماء للكلّ. بدأ يخبط خبط عشواء، يحاول بناء عالمه الخاص في منطقة المجهول دون بصيرة، فيصطدم بعالمِ الآخر، ويتحوَّل الإِصطدام إلى إقتتالٍ وجوديّ وانهيارٍ أخلاقيّ للسيطرة على ذلك المجهول.
الصراع بدأ كـ “ردِّ فعلٍ دفاعيّ” في عتمة الرُّوح؛ فالخوف هو وليد الظُّلمة، والصراع هو وليد الخوف. فقد فقدت السيَّالات القدرة على رؤية وحدة الجوهر ومعه بدأ الصِّراع بين الآلهة.