حول المبادئ الداهشيّة
بقلم الأديب يوسف الحاجّ
نبذة عن الأديب يوسف الحاجّ (1880- 5 حزيران 1955):
– ولد عام 1880 في بلدة الشبانية في لبنان. أنشأ مدرسةً داخلية في الشبانية من جيبه الخاص وكان لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره حين شرع في عمله ذاك.تحوّلت لاحقاً إلى “مصح الشبانية”.¹
– هاجر الى مصر والعراق وإيران وفلسطين وطاف على القسم الأوفر من البلاد العربية وقضى شطرًا من حياته في فرنسا بذل فيها جهودًا كبيرة في السياسات وبنوع خاص الدعاية الماسونية بعدما انشأ جرائده “الوقائع الماسونية” في بيروت و”الأنوار” في دمشق و”الشاغور” في المتن و”المغرب” في المغرب الاقصى.¹
– كان في وقتٍ من الأوقات مندوباً عاماً على شروق سوريا وفلسطين والعراقين، وحاز درجة ٣٣ ، (وهي اعلى درجات الماسونية العامة),² قبل أن يترك الماسونية فيما بعد ويخرج منها.
– اعتنق العقيدة الداهشيّة التي أسّسها الدكتور داهش في ٢٣ آذار ١٩٤٢ بعد أن شهد معجزاته الخارقة للطبيعة ولمسَ قوّته الروحية وآمن بتعاليمه السامية الداعية إلى الخير والفضيلة والوحدة الدينيّة الجوهريّة ووحدة العائلة الإنسانيّة. فكان المؤمن الأوّل فيها وأوّل من بشّر بها علنًا في حفلةٍ أدبيّة خطابيّة في الثاني عشر من شهر أيار عام ١٩٤٢ في (نادي المهاجرين) في بيروت.³
– كان من أوائل المؤرّخين للوقائع الداهشيّة قبل أن يتولّى المهمّة بعده الشاعر المعروف حليم دمّوس.⁴
– له مؤلّفاتٌ عدّة منها: (التمدّن)- 1911، (دحض الظنون عن عشيرة الفرمسون)- 1923، (الشيوعية أو روسية الحمراء)-1933، (هيكل سليمان أو الوطن القومي اليهودي)، (الدكتور داهش والروحانية)- 1946، وغيرها.
تمهيد
في أواخر عام ١٩٤١، تعرّف الأديب يوسف الحاجّ على الدكتور داهش، وأصبح فيما بعد المؤمن الأول بالعقيدة الداهشية التي بدأ عهدها في الثالث والعشرين من آذار ١٩٤٢.
ويقول الدكتور غازي براكس: “كان على الأرض أن تنتظر حتى ٢٣ آذار ١٩٤٢، لتشهد تمام الحدث الجلل، إذ إنّ الأرواح العلوية تنزّلت، في هذا اليوم، على الدكتور داهش، بحضور المؤمن الأول الأديب يوسف الحاجّ، معلنةً قيام الرسالة الداهشيّة، وبدء التاريخ الداهشيّ في العالم، وذلك في أول جلسةٍ روحية عقدها مؤسّس الداهشيّة.”⁵
(الدكتور داهش والمؤمن الأوّل يوسف الحاجّ)
وفي الثاني عشر من شهر أيار عام ١٩٤٢، دعي الاستاذ يوسف الحاجّ الى التكلم في حفلة خطابية أدبية في (نادي المهاجرين). فتحدث عن اللغة العربية وجمالها وأسرارها وآدابها، وأنشد قصيدة بليغة عنوانها (أمّ اللغات).
ثم فاجأ الجمهور بموضوع الروحانية، بعد أن شهد من الدكتور داهش ظواهر روحية تكاد لا تصدق.⁶
وفي كتاب “معجزات مؤسس العقيدة الداهشية ومدهشاته الخارقة ” يشهد الاستاذ يوسف الحاج على ما رآه من معجزات وخوارق تجلّت على يدي الدكتور داهش وكيف أنارت العقيدة الداهشية طريقه وغيّرت من مجريات حياته وكيف دعته يلمس الحقيقة الالهية عبرها ويرى الفرق العظيم بين مبادئها السامية وتعاليمها الروحيّة الخالدة وبين عقائد الأرض المادّية الفانية، قائلا”:
“..أشكر القوة الموجدة التي كشفت الحجاب عن عيني، وَدَعَتْني أن أتوصل إلى معرفة الحقيقة الروحية السامية ….بعد أن تكشفت لي الحقيقة ، وشاهدت بأم العين ما لم أكن لأصدق به مما لا يخطر على بال ، حتى في عالم الأحلام والخيال ، ووجدت البون الشاسع الذي كان يفصل ما بين الحقيقة وعدمها؛ لذلك جئت بهذه الصفحات لأدوّن فيها الجلسات الروحية والعجائب الداهشية التي جرت أمامي ، والتي لمستها لمس اليد ، والتي أتمنى لكل بشري مثلي ، وأخ لي في الانسانية، أن يلمسها كلمسي إياها ، وأن يرفع الله الغشاوة عن عينيه فيرى ما رأيتُ ، وَيَتَمَتَّع بما تَمَتَّعتُ به ، فيشعر بالغبطة السرمدية والسعادة الحقيقية التي هي غاية الغايات لكل حي .”⁷
ويسرّ أسرة مجلّة “النار والنور” مشاركة القرّاء الكرام بمقتطفاتٍ من كتاب “الدكتور داهش والروحانية” للأديب يوسف الحاجّ، تلقي الضوء فيها على أبحاثه وآراءه وإيمانه بالدكتور داهش وبالداهشيّة وأهدافها السامية الداعية إلى الخير والمحبّة والأخوّة العالمية.
الجزء الأوّل:
حول المبادئ الداهشيّة⁸
بقلم الأديب يوسف الحاجّ
نقلناها عن كتابنا ( داهش والداهشيّة)، الذي نبيّن فيه بكل جلاءٍ ووضوح من هو الدكتور داهش أصلاً وفصلاً، مولداً ونشأةً وتاريخاً، وما هي الداهشيّة. ويشرح ذلك الكتاب جواهر الأديان كافةً وعلاقة الداهشية بها مؤيداً ذلك بأدلةٍ وبراهين منطقية لاهوتية لا تقبل الردّ.
ثم أنّه يقول بوحدة الأديان من حيث الغاية الروحية، وبوحدة الأوطان أيضاً رغم الفوارق والفواصل التي أبعدت البعض منها عن البعض الآخر، كما أنه يقول بوحدة الغاية من كلّ الرسالات الروحية المنزلة والاتجاهات النبوية رغم اختلاف اللغات والعادات والأزمنة، ويشرح شرحاً وافياً النبوّات وما هي والأنبياء ومن هم والروابط الروحية التي تربطهم جميعاً بوحدة الغاية والقصد.
وهو يقول: إن الخلق كلّهم مسوقون حتماُ بناموس النشوء والارتقاء والرجعة الى علّة العلل وغاية الغايات التي هي الله جلّ جلاله. أمّا ما يعتور السير في هذا السبيل من تقدُّم وتأخُّر ولفٍّ ودوران فهو على ذمة صاحبه، إذ لكل عملٍ ثوابه وعقابه والناس أحرارٌ بما يفعلون.
ثم يعود فيقول أنّ الناس يسيرون في طريق المخالفة لكل ما ورد في كتبهم الدينية من حيث الغاية الروحية المقصودة، ويرى أنه لو تبع كل فريقٍ جوهر دينه ووصاياه لتلاقى الناس في كل ما يعملون واتّجهوا جميعاً نحو المحبة والفضيلة والسلام وكانوا بغنى عن هذه الفوضى القاسية وهذا الضلال الداجي ولكانت الارض جنَّة من جنَّات الله وفردوساً من فراديس الخلود.
وهذه بعض كلمات ذلك الكتاب عن المبادئ الداهشية:
أولاً- إنّ الداهشية تنادي بوحدة الخليقة واستقرار الفضائل الروحية في كل شكلٍ من أشكال الديانات السماوية، لأن مرجع كل عاطفةٍ تدفع بالانسان نحو الحق إنما هو مرجعٌ واحد لا يتجزّأ ما لم تتجزّأ الأكوان كلها وتدبُّ الفوضى الى القوة الخالقة والمظاهر المخلوقة وذلك من المستحيلات في حكمة الله وطبيعة الوجود.
ثانياً- من المعروف الثابت أن الدين يصلح الحياة ولا معنى لدينٍ لا تصلح الحياة به، وإن كل انسان من أي عصرٍ كان وإلى أية طائفةٍ ينتمي إنما هو روحانيّ إذا قام بواجباته نحو ربّه ونفسه وقريبه، والقريب في العرف الروحانيّ هو مطلق إنسانٍ على وجه الارض.
ثالثاً- إن هذا الجيل الذي ساد فيه التقاطع بين أبنائه ويسمّونه جيل المدنيّة والقانون لهو أحوج الاجيال الى الروحانيّة والرجوع الى الله وزرع بذور الألفة والاتّحاد وتنمية عواطف التساهل وإحترام الذات في كلّ ما فيه من جامعاتٍ ومذاهب.
رابعاً- ترى الداهشية عدم إمكان البناء صحيحاً إذا كانت الأدوات غير صالحة، لهذا قد اتّخذت على عاتقها ترقية الفرد أولاً ترقيةً روحانيةً عمليةً اختيارية، وجعل هذه الترقية أساساً لترقية المجموع. بناءً عليه ترى الداهشية أن العمل الأوّلي إنما هو عملٌ فرديّ مجرَّد، فهي تكشف لكل فرد من أبنائها حقيقة الوجود ووجودهم فيه والغاية من الحياة والموت، وتبيّن لهم كل نقيصةٍ لا بد من تجنّبها وكل فضيلةٍ لا بد من اتّباعها طلباً للكمال، فهي تقاتل الرذيلة وتعضد وتعزّز الفضيلة.
خامساً- إن الداهشية ترفع الشخصية وتبنيها بينما نرى قوانين الاجتماع تضلّلها وتهدمها ، فهي تعيد الثقة الى النفس وتساعد على التجدّد وتسلّح الانسان ضدّ أهواء نفسه وما كمن فيها من التطرّف، وهكذا تسوق الفرد الى السعادة الحقّة بمساعدتها ايَّاه على تكوين ذاته. وتعتقد الداهشيّة أن هداية الانسانية لمن أصعب الامور وأصعب من ذلك دفع هذه الانسانية الى معرفة نفسها وهذا لا يقوم الا بدفع الافراد ليكون كل انسانٍ استاذاً لنفسه في فنّ الحياة الروحية.
سادساً- إنّ الداهشية تطلق قوّة الاعتماد على النفس، وهذه القوة تكون غالباً متردِّدةً او يائسةً لكثرة ما كذّبتها عوامل الحياة، فتقف منفردةً ويقودها هذا اليأس الى حيث تغور وتختفي، فتأتي الداهشيّة إلى هذه القوة فتشجّعها وتثبّت فيها حرية الضمير تّجاه كل شيء في سبيل التوازن.
سابعاً- يعتقد الناس أن الكمال قليلٌ في هذا العالم أو أنه غير موجود، أما الداهشية فتعتقد بوجود هذا الكمال وبأكثر مما يُظنّ حسبما ورد في الكتب الدينية، ولكنه يبقى غالب الأحايين مجهولاً وقد عاش به ومن أجله ألوفٌ وملايين من الشعوب لم يعط لهم أو هم أهملوا إعلانه ورفعه أمام جاهليه، فالداهشية تستخلص هذا الكمال وتعلنه وتعليه وهي لا تجهل صعوبة ذلك، فإن العصر الحاضر متأخرٌ أدبياً كل التأخّر رغم ارتقائه المادي الباهر، وإن أهمّية هذا الواجب يثبت لها وجوب قيامها به مهما كلّفها الامر.
ثامناً-إنّ في تحويل المطامع الشخصية نحو وجهة المطامع العامّة تحت راية الإيمان العاقل تتولّد الملذّات الشريفة والمتنوّعة في الانسان، وهكذا يتَّفق الفكر مع العمل، إذ بدون هذا الاتفاق لا يمكن أن تَسْلم الانسانية من الاخطار، وما الفكر في الانسان إلا قوةٌ تنتقل من حقيقةٍ محسوسة الى حقيقةٍ هي ما وراء المحسوس، فالداهشية تساعد الفكر على هذا الانتقال، فالعمل ينتج من القوة التي نحسبها تأملاً مجرداً.
تاسعاً- ان رجل الانسانية يتمشى في سبيل الدهور ظالماً نفسه بنفسه، مولداً شقاءه من شقائه ، مخترعاً من الفضيلة اشكالاً تتنافر وتتباعد عن مصدرها الروحاني الاول ، وعبثاً يحاول دهاقنة السياسة وأقطاب الاجتماع الوصول الى التخلص من هذه الفوضى التي ستجر وراءها اهوالا مخيفة ان لم يلجأ الانسان للمرة الاخيرة الى الدين القويم المجرَّد من كل دخيل ونزيل.
عاشراً أو أخيراً – إنّ هدف الداهشية في هذه الارض هو متابعة العمل بدون كلال في السبيل الذي يوحّد البشرية وينشر فوقها راية السلام لتتحرَّر ابدياً وتعيش تحت لواء المحبة الحقّة التي تعدّها للدخول في ملكوت الله وجناته الخالدات حيث السعادة الدائمة التي يعجز القلم واللسان عن وصفها مهما علت الأفكار وسمت العقول وامتدّت أجواء الخيال في سماوات التصوّر …..
مراجع:
1: كتاب “هيكل سليمان”، ليوسف الحاجّ، ص. 167.
2: كتاب “هيكل سليمان”، ليوسف الحاجّ، ص. 22
3: المحامي خليل زعتر، “جريمة القرن العشرين” ، الدار الداهشية للنشر، نيويورك، ٢٠١٨ ، ص. 31
4:حليم دموس، معجزات مؤسس العقيدة الداهشيّة ومدهشاته الخارقة، (دار النار والنُّور، بيروت، 1983)، ص. 49،31
5: “غازي براكس، (مدخل إلى الداهشيّة)، الدار الداهشية للنشر، نيويورك، 1992, ص.38.
6: حليم دموس، معجزات مؤسس العقيدة الداهشيّة ومدهشاته الخارقة، (دار النار والنُّور، بيروت، 1983)، ص. 39
7:حليم دموس، معجزات مؤسس العقيدة الداهشيّة ومدهشاته الخارقة، (دار النار والنُّور، بيروت، 1983)، ص. 15-16.
8:يوسف الحاج، “الدكتور داهش والروحانية”، ص 9