مقالات

تعليل الظاهرات الداهشية

بقلم الشاعر حليم دموس

 

 

لقد واظب الشاعر والأديب المعروف حليم دموس على مراسلة عددٍ كبيرٍ من المجلّات بما يخصّ الدكتور داهش ومعجزاته والعقيدة الداهشية المُلهمة الداعية الى الوحدة الدينية الجوهرية وعودة الانسان الى حظيرة المثل العليا والفضائل. كما جابه إضطهاداً غاشماً مدافعاً ببسالةٍ عن عقيدته ومبادئها الفاضلة.

 كتب في المرحَلَةِ الدَّاهِشية من حَيَاتِهِ مُؤلَّفاتٍ عدّة حَوْلَ الدكتور داهش والداهشية منها كتاب “الوقائع الداهشية” في ٢٠ جزءاً . كما نظم شعراً معظم مؤلفات الدكتور داهش.

 وقد خصّ “مجلّة الدبّور “التي كان تربطه بمؤسّسها يوسف مكرزل صلة صحافية وأدبية، بعددٍ من هذه المقالات القيّمة. وقد تناول جزءٌ منها موضوع تعليل الظاهرات الداهشية ومصدرها ودحض التفسيرات العشوائية التي يطلقها البعض من إيحاء وتنويم مغناطيسي وغيرها. 

وإيماناً بأهميّة وفائدة هذه المقالات على الأفراد والمجتمع، ستبادر مجلّة “النار والنّور” الى إعادة نشرها مقسّمة في ٦ أجزاء. 

الجزء الأوّل: مقدّمة ودحض حجة التعليل بالإيحاء
الجزء الثاني: دحض حجة التعليل بالتنويم المغناطيسي وبمناجاة الأرواح
الجزء الثالث:دحض حجة التعليل بالفقيرية والسحر 
الجزء الرابع: تفسير الظاهرات الداهشية 
الجزء الخامس: أهداف الظاهرات الداهشية 
الجزء السادس: التعاليم الداهشية

 

الجزء االثاني: 

هل يمكن تفسير الظاهرات الداهشية بالتنويم المغناطيسي ؟

رأينا ان “الايحاء” لا يفسّر الخوارق الداهشية ولا ينطبق عليها في حال من الاحوال اذ أنّ ماديّة هذه المعجزات وثبوتها بعد انتهاء الجلسة ينفي الايحاء والوهم.
وسمعنا البعض يحاولون تعليلها بالتنويم المغناطيسي فيقولون :

إن هذه الظاهرات حقيقية لان الأدلة الثبوتية فيها لا تقبل الجدل وهي خوارق واقعية مدهشة للغاية ولكنّها تجري بقوة التنويم المغناطيسي .اما هذا التحليل السمج فإذا دلّ على شيء يدلّ على جهل هؤلاء الناس بالتنويم ، وهذا فراغ وجب سدّه .

لأن التنويم أصبح من العلوم التي يرجون منها فائدةً كبرى للمجتمع الإنساني . ولذلك فإننا نرى من الضرورة ان نعطي الشروح الوافية حول هذا العلم كي يكون كلّ فرد على بيّنة منه فيميّز حقيقته من باطله .

أولاً – ما هو التنويم ؟

التنويم هو إيجاد حالة النوم بطرق اصطناعية في بعض الاشخاص الذين لهم الاهليّة لأن يناموا . وعندما يحدث هذا النوم الاصطناعي يصبح الوسيط النائم طوع ارادة من ينوّمه.

ثانياً – كيف يتمّ التنويم ؟

لا يمكن أن يحدث التنويم بطرق سهلة كما يتوهّم البعض، فهناك أهليّة الوسيط وهي أهليّة نادرة للغاية .

وعندما يوجد هذا الوسيط يجب عليه القبول بأن ينام وإلاّ فلا يستطيع أحد أن ينوّمه مهما حاول المحاولون . واذا قبل الوسيط ان ينام فهناك شروط نفسيّة يجب أن تتوفّر به . وإلا فلا يمكن أن ينام . واذا توفّرت هذه الشروط، يجب على المنوّم أن يستعين بطرق خاصة لإحداث عملية النوم. مثلاً : أنه يسلّط على عيني وسيطه نوراً كهربائياً قوياً ليتعب أعصابه ويقوم بالضغط على مراكز الأعصاب في الرأس إلى ما هنالك من طرق محدّدة معروفة في المعاهد النفسية التي يقوم رجالها بدراسة هذا العلم .

ومن هنا يتّضح للقارىء أنّ العملية صعبة وصعبة للغاية. ولا يوجد في سائر العالم سوى نفر قليل من الوسطاء الذين يعدّون على الاصابع وهم لا يقبلون أن يناموا إلا لغاية علمية بحتة.

ومن الإحصاء العلمي الذي قامت به جمعية العلوم النفسية في لندن عام ١٩٤٧ ظهر أن الوسطاء الذين يستطيع العلم أن يؤكّد بانهم وسطاء في علم « التنويم المغناطيسي » لا يتجاوزون السبعة منهم اثنان فقط في إنكلترا في الفرع النفسي « بسيكولوجيا » في معهد «كمبردج» الشهير .

اما الخمسة الباقون فانهم متفرّقون بين اوروبا واميركا .

ولا يوجد في الشرق سوى مشعوذين ينتحلون لأنفسهم صفة المنوّمين بينما هم في الحقيقة يدجّلون بطرق سوف نكشف أسرارها وقد اكتسبوها من عشرات الألوف من مشعوذي أوروبا وأمريكا الذين هم ايضاً ينتحلون صفة المنوّمين زوراً وبهتاناً .

ثالثاً – ما هي إمكانيّات التنويم المغناطيسي؟

الجواب: عندما تحدث حالة النوم في الوسيط يصبح عندئذٍ طوع إرادة الشخص الذي نوّمه . وقد أثبت العلم أن النتائج التي توصلوا اليها هي الآتية:

١- يستطيع المنوّم أن يوحي لوسيطه ما يشاء فيقبل الوسيط هذا الايحاء وهو في حالة النوم . وينتهي الايحاء مع إنتهاء حالة النوم .

٢- يستطيع المنوّم ان يكتشف في وسيطه أثناء التنويم بعض النواحي النفسية المجهولة كصفات الوسيط و رذائله وخفاياه وأسراره وما أتى به من أعمال في الماضي .

٣- استطاع بعض الاطبّاء أن يستعينوا بهؤلاء الوسطاء لإكتشاف داء مشكوك به والدواء الناجع له .

٤- عندما يكون الوسيط في حالة النوم ينطلق سيّاله الروحي مثلما يحدث فينا أثناء النوم الطبيعي . وهكذا يرى الوسيط بسيّاله الروحي الأشخاص أو الأشياء أو الاماكن التي يأمره المنوّم بأن يراها فيصفها بدقة وقد أثبتت التجربة أن الوصف كان صحيحاً. ورؤية الوسيط للأشياء والأشخاص والأماكن كرؤيتنا إياها في الحلم مع الفرق أن الأحلام لا رابطة لها بإرادتنا أو بإرادة سوانا من الناس بينما رؤية الوسيط مرتبطة بإرادة المنوّم . وعندما يستفيق الوسيط ينسى كلّ شي.

٥- لقد أثبتت التجارب إمكانية إحداث شبه نوم مؤقت في بعض النسوة اللواتي هنّ على وشك الوضع أو الولادة. ولما كانت ولادة هؤلاء النسوة مؤلمة جداً وهي تؤلّف خطراً على حياتهنّ، فقد استعان بعض الاطبّاء بتنويمهنّ مغناطسيّاً تخفيفاً لآلامهنّ وقد نتج عن ذلك في بعضهن شبه غيبوبة أوقفت الألم وأحدثت تخديراً طبيعياً مع تسهيل الولادة . وقد جرى
هذا نظراً لحالة ضعف هؤلاء النسوة وتعبهنّ الشديد. هذا كل ما توصّل اليه التنويم المغناطيسي .

رابعاً – وهناك فئة المشعوذين باسم التنويم وتشمل فيها جميع من يقولون عن أنفسهم أنهم منوّمون في هذه البلاد. ولا نستثني منهم أحداً لأنّا جرّبناهم فعرفنا أنّهم دجّالون …

وها نحن نشرح الطرق التي يستعملها هؤلاء لخديعة الناس :

بهبط المشعوذ في أحد الفنادق . وسرعان ما تظهر إعلاناته في الشوارع والجرائد . فيأتي المستفسرون إليه فيأخذهم على حدة ويستفهم منهم ما يريدون السؤال عنه. ويبيّن لهم أن وسيطه لم يسمع شيئاً من حديثهم وأنه سيكشف هذا الحديث في أثناء نومه. فيقرع المشعوذ الجرس فيدخل الوسيط ويجلس على الكرسي فيعصب له المشعوذ عينيه ويضغط له على رأسه ويأمره ان ينام، واذا بالوسيط يحني رأسه رويداً رويداً متظاهراً بنومٍ عميق …

وهنا يسأله المشعوذ ماذا يريد الزائر معرفته … ويكرّر عليه السؤال بأشكال و أوضاع مختلفة لا يفهم منها الزائر إلا أنها أسئلة عادية لا صلة لها بما يريد معرفته …

وهنا يتكلّم الوسيط ويعلن للزائر محتويات سؤاله فيعطيه الجواب عليه جواباً مطاطاً فتحدث دهشة ويحدث إستغراب ويظن الزائر أن الوسيط عرف سؤاله السريّ بواسطة التنويم المغناطيسي ما دام أنه كان يجهله ولم يقل له عنه أحدٌ.

والآن ها أنّا نفضح هذه الطريقة الإحتيالية فنقول :

أولا ً – أنّ الوسيط كان مستيقظاً ومنتبهاً جداً لكل همسة وحركة وكلمة تصدر من شريكه المشعوذ .

ثانياً – إن المشعوذ قد أفهم وسيطه محتويات أسئلة الزائر بإحدى الطرق الآتية :

– توجد في أوروبا كراسي تصنعها بعض المعامل للمشعوذين خصّيصاً وهي تبيعهم إياها باسعار فادحة نظراً لدقتها فاذا أمعنّا النظر بإحدى هذه الكراسي وجدنا أنّ تحت المقعد كباساً مرتبطاً بشريط وهو يتحرّك بواسطة الكهرباء . فيضع المشعوذ هذا الكرسي وتحته سجادة وبهذه الطريقة يخفي شريط الكرسي عن أنظار الزائرين . وهذا الشريط متّصل بالطاولة التي يجلس وراءها المشعوذ وهو ينتهي الى زرٍّ كهربائي يخفيه المشعوذ أيضا عن أنظار زائريه. وعندما تبدأ جلسة التنويم المزعومة ويستغرق الوسيط في النوم الكاذب، يجلس المشعوذ وراء طاولته بعد أن يكون قد استفهم عن مراد الزائر إمّا شفاهياً وإما كتابةً، اذ يطلب منه ان يكتب أسئلته على ورقة يطّلع عليها . وعندئذٍ يلقّن المشعوذ وسيطه ما يجب أن يقوله اذ يضغط على الزر فيتحرك الكباس تحت المقعد . وهكذا تجري مخاطية تلغرافية بين المشعوذ وشريكه بالدجل إذ لكل حرفٍ كبسات معيّنة مثلما هي الحالة في التلغراف تماماً.

– اما الطريقة الثانية فهي طريقة كلامية ومصطلح عليها . وها إننا نشرح بعض الاصطلاحات :

لنفترض أنّ إسم الزائر أمين ويريد المشعوذ أن يُفهم وسيطه هذا الاسم فيستعمل لهذا الغرض اربع كلمات بعدد إسم « أمين » ويبدأ الأولى بحرف «ألف» والثانية ميم والثالثة ياء والرابعة نون فيقول له مثلاً :”إحكي . مين. يللي. ناظروا. ومن هذه الجملة التي يفهم منها الزائر أن المنوم يسأل وسيطه من هو الشخص الذي ينظره في نومه المغناطيسي يفهم الوسيط الكاذب أن إسم الزائر هو امين فيعلن عنه. وهكذا دواليك الى أن تنتهي الجلسة ويخرج الزائر متعجباً. وكان الاحرى به أن يخجل من غباوته فلا يكون ألعوبة في يد دجّالين محترفين .

-أما الطريقة الاصطلاحية الثالثة التي يستعملها المشعوذون لإيهام زائريهم بأنهم يقومون بعملية التنويم فهي طريقة كلامية تتلخّص بأن لكل كلمة يستعملها المشعوذ معناها الخاص يفهمه الوسيط.

فإذا قال له مثلاً : “أسرع” يفهم الوسيط حالاً أن الزائر يسأل عن أبيه ، واذا قال له “قل” ماذا يحمل بيده فمعناه انه يحمل قلماً . وهكذا “عجل” معناها “عن مرض” ، و نعم أي “عن سفر” إلخ.

وبهذه الاصطلاحات المتّفق عليها والتي تشكل قاموساً خاصاً يعرفه المدجّلون غيباً يستطيعون أن يتفاهموا دون أن يشعر الزائرون بهذه الحيلة..

-وإننا نسرد للقارىء طريقة رابعة بين الطرق العديدة التي يستعملها هؤلاء الماكرون وهي من أمهر طرقهم وأخدعها :

يربط المشعوذ عيني وسيطه بعصابة سميكة ثم يقف وراءه ويستطيع الوسيط أن يفهم دون أن يتكلم المشعوذ كلمة واحدة.

وهذا بالحقيقة أمر غريب لمن لا يطّلع على خفايا هذه المهنة المخجلة الخدّاعة .

أما السر فهو أن العصابة التي يشتريها المشعوذ من أوروبة هي كناية عن قطعة من الجوخ السميك أو اللباد الخشن ولها ثقبان بمسافة العينين . هذا من داخلها، أما من خارجها فينخدع الزائر ولا يستطيع ان يرى الثقبين لأنهما مخفيان بقطعة من الشاش الرفيع الشفاف “فوال” كالذي تستعمله النساء المحجّبات . وهذا الفوال يمتد على طول العصابة فيخفي الثقبين .

وبهذه الطريقة يستطيع الوسيط أن يری بوضوح جميع ما هو أمام عينيه . وفي الغرفة توجد مرآة معلقة على الحائط أو مثبتة في خزانة أمام الوسيط .

وتبدأ الجلسة. فيجلس الوسيط على كرسي موضوع أمام المرآة وهو معصوب العينين ويقف شريكه المشعوذ من ورائه، وهنا تتمّ الخديعة اذ يتفاهم الشريكان بواسطة الإشارات التي يعملها المشعوذ فيراها الوسيط في المرآة من ثقبي العصابة ، فيفهم من هذه الإشارات مراد الزائر.

فإذا مسح المشعوذ جبينه مثلاً يفهم الوسيط أن الزائر يسأله عن تجارة وإذا فرك المشعوذ عينه اليمنى فهم الوسيط أن السؤال يتعلّق بغرضٍ ضائع . و هكذا يقوم المشعوذ بحركات عديدة وإشارات مختلفة يجريها بصورة طبيعية للغاية لا تلفت إنتباه الزائرين منها أنه يمسك بيده قلماً أو يسقط على الارض مسطرة أو يخطو في الغرفة أو يسعل أو يتنحنح أو يعطس، وجميع هذه الإشارات يراها الوسيط في المرآة أو يسمعها فيدرك معناها المتفق عليه.

وهذا ما يسمّونه تنويمهم المغناطيسي، وطريقة كشف هذا الدجل بسيطة وهي أن يطرح الزائر على الوسيط المتظاهر بالنوم أربعة أو خمسة أسئلة كهذه :

هل يطول سفر أبي؟ (مع العلم أن أبي متوفّي) ، أو : هل يشفى خالي من مرضه؟ (مع العلم أن لا خال لي) إلخ …

فيسقط الوسيط في الفخ ويبدأ بسرد أمور وهمية لا وجود لها فيفضح نفسه بنفسه. إذ إنّ الوسيط المغناطيسي الحقيقي يعرف الأفكار عندما يكون في غيبوبة النوم وهو يعرف أن الأسئلة مختلقة فبيّن هذا الإختلاف ويعلن الحقيقة.

و بعد أن درسنا هذا الموضوع بجلاء تام و بيّنا حقيقته من باطله، نسألك ايها القارئ : هل يمكن تفسير الظاهرات الروحية الداهشية بالتنويم المغناطيسي ؟

وهل يمكن استحضار أغراض ضائعة منذ سنين وإماتة حيوانات حيّة ثم إعادة الحياة اليها بعد أيام وشفاء الأمراض المستعصية بصورة فجائية خارقة دون علاج ولا دواء، ونقل حجارة ضخمة أو سواها من الاشياء من مكان الى مكان وغيرها كثير من المعجزات التي ذاع صيتها في طول البلاد وعرضها ورآها المئات من خيرة الناس ودقّق فيها المفكّرون والعلماء فإذا بهم يخشعون أمام عظمتها وسرّها الهائل:

الجواب : كلاّ ثم كلاّ .

هل يمكن تفسير الظاهرات الداهشية بمناجاة الأرواح؟

عندما انتشرت أخبار العجائب التي جرت على يد الدكتور داهش تحيّر الناس في معرفة حقيقتها لأنّها من
الأمور الغير المألوفة والتي لا يمكن تصديقها لمن لم يشاهدها ويعاينها بنفسه .

بالرغم من عدم تصديق الناس لهذه الظاهرات وقع هؤلاء في تناقض فاضح وهو أنهم حاولوا تحليلها …. ومن هنا تتبيّن سخافة هؤلاء الناس لأنه من غير المعقول أن يحلّلوا أمراً قالوا عنه بأنه من المستحيل حصوله .

ولكن الحقيقة تقضي بأن تقول ان هذه الغرائب هي حقاً محيّرة ، فلا لوم على الناس اذا استغربوها . بل اذا أنكروها لأنها من الأمور التي لا يمكن ان تتم على يد بشري والتي لا يمكن أن تصدّق إلا اذا صدّقنا بحقيقة الكتب المنزلة وبحقيقة الأنبياء والرسل السماويين .

ولكن يسرّنا أن نعلن أن هذه الظاهرات هي من الحوادث الواقعية التي يمكن مشاهدتها والتثبّت من صحتها بالطريقة التي يختارها المرء . وقد شاهدها العشرات والمئات والألوف ففهم البعض مرماها وهدفها واستصعب البعض الآخر إتباع الطريق التي دلّتنا عليها هذه الظاهرات وهي طريق الروحانية المملؤة بالاشواك والصعوبات والطافحة بالتضحيات ونكران الذات .

وأخذ هذا الفريق الخائف الخائر العزيمة والارادة أن يموّه على نفسه ويحاول تضليل نفسه فيقول :

ولماذا الاستغراب؟ إن العجائب الروحية حقيقة واقعية ولكنها ليست صنفاً محصوراً عند الدكتور ذاهش بل هي تجري عند من يناجون الارواح وعند فقراء الهنود …

وقد استرعت أنظارنا هذه الملاحظة فأردنا ان نكشف الستار عن حقيقة مناجاة الارواح وحقيقة فقراء الهنود كي لا يؤخذ أحد بالخيالات ولا يبني حكمه على أسس الحقيقة الغرّاء .

وهذه هي النتيجة الراهنة التي وصلنا اليها نسردها لإنارة القرّاء علّهم يستفيدون منها .

مناجاة الارواح Spiritisme:

في عام ١٩٤٨ و أي منذ مئة سنة كاملة “كان السيد ج. د. فوکس” يقطن في مدينة هيدزفيل نيويورك مع زوجته وابنتيه .

وفي أحد الأيام سمعت هذه العائلة نقرات على حائط المنزل . وبعد التحقّق عرفت أن هذه الضربات حاصلة بقوة غير بشرية غير منظورة.

وانتشر الخبر في تلك المدينة وتكاثر عدد المتفرّجين والمدقّقين وهذا ما دعا الحكومة الأميركية للتدخّل فعيّنت لجنة أقرّت هي أيضاً أن هذه الطرقات حقيقية لا غش فيها وأن القائم بها كان غير منظور .

وأراد السيد فوكس أن يخاطب هذا الطارق المجهول الذي غيّر له مجرى حياته وقلبها رأساً على عقب وسبّب له انزعاجات كان بغنى عنها أهمّها قدوم الناس على بيته بعشرات الألوف … فجلس الى مائدة منزله ووجّه كلامه الى الكائن الغير المنظور قائلاً :

إذا كنت تفهمني أطرق طرقة واحدة على الحائط .

فسمع الحاضرون طرقة واحدة و بعد امتحانات مماثلة جديدة تبيّن أن هذا الكائن الغير المنظور يفهم جيداً ويرى جيداً ليس المادّة فحسب بل الأفكار وما تكنّه الصدور أيضاً .

ووضع السيد فوكس إتّفاقية كلامية بينه وبين هذا
الكائن الغير المنظور أساسها عدد الطرقات يختلف بكل حرف من الأحرف الأبجدية .

وبدأت المسامرة ، ففهم الحضور أن الطارق هو روح أحد البيّاعين المتنقّلين وانه عندما كان متجسداً على الأرض كان قد هبط في نفس المنزل الذي يقطنه السيد فوكس ليقضي فيه ليلته وإذا بصاحب الفندق وأحد معاونیه يدخلان عليه وهو نائم ويقتلانه غدراً واضافت الروح قائلةً:

أمّا جسمي فقد دفنه هذان المجرمان في قبو المنزل . فاحفروا الأرض تجدوا آثاره … واضطربت عائلة فوكس لهذا الخبر وأرسلت فوراً تدعو رجال الشرطة للتحقّق مما قالته الروح . وهرع الحضور إلى القبر . وأخذوا يعملون فيه حفراً ونبشاً حتى عثروا على بقايا هيكل عظمي يعود عهده إلى سنوات بعيدة . فتأكّد لهم حقيقة حديث الروح .

وانتشرت هذه الأنباء في كافة انحاء أمیر کا وأوروبا فتملّكت القوم موجة من الجنون اذ اصبح الجميع بشوق عظيم للتكلم مع الارواح ومناجاتها .

وفي أحد الأيام أعلنت روح ذلك التاجر المقتول لعائلة فوكس أنها ستنقطع عن التكلّم وأوصت الحضور أنهم يستطيعون مناجاتها بواسطة مائدة خشبية لا يدخلها معدن واعطتهم أوصافها .

ومنذ ذلك الحين انقطعت الطرْقات على الحائط . ومنذ ذلك اليوم انتشرت مائدة الارواح في كل مكان . فبينها كنّا بطارقٍ واحد على جدارٍ واحد أصبحنا بملايين من الطارقين على ملايين من الموائد ( الطاولات ) وممّا لا شكّ فيه ان قضية الطاولة أمر محيّر ، وقد آمن بصحّته كثير من رجال الفكر نذكر منهم :

کمیل فلاماريون، أوغست فاكيري، موريس لاشاتر، كونن دويل، الدكتور رولنير

وغيرهم من كبار المفكّرين وعلماء النفس.

ولكنّه يمكن أن أعزى حركة الطاولة الى عوامل شتّى غير العامل الروحي كالمغناطيسية الحيوانية المنبثقة من الجسم . والسيّال الحيوي . أو غيره من القوّات الغير المعروفة .

ولذلك ليس من الممكن أن يستند المرء على حركة الطاولة لإثبات أو نفي وجود الروح بصورة علمية جازمة.

وكلّ ما يمكن أن يقال أن السبيريتزم ، في حالته الحاضرة حدث يعود تفسيره الى آراء كل إنسان ونظرياته ولا يمكن على الاطلاق أن يؤخذ كأساسٍ لبنيان عقيدة راسخة والدليل على ذلك أن كثيرين شاهدوا هذه الجلسات بواسطة الطاولة فلم يؤمنوا بصحّتها . كما أن البعض الآخر يؤمنون ايماناً ثابتاً بها .

إذن فالقضية هي مجرّد تقدير لا يستند على اساس خاضع للامتحان.

هذا هو ما يسمّونه مناجاة الارواح فأين نحن من الظاهرات الروحية الداهشية؟

ومثلما جرى في التنويم المغناطيسي الذي سرعان ما أصبح آلة شعوذة واحتيال في أيدي المستثمرين الأنذال هكذا جرى في مناجاة الارواح هذا العلم الذي سرعان ما تناولته أيدي المشعوذين فوضعته في مصاف العلوم الخفيّة وأخذوا يدّعون بإسمه إدّعاءات ما أنزل الله بها من سلطان وكلّها طرق تدجيلٍ رخيص يفضحه كلّ من أراد فضحه وكل من له قليل من الخبرة والانتباه.

فمن هؤلاء المشعوذين من يدّعون بالوساطة الروحية اي أن الأرواح تهبط وتحتل أجسامهم وتخاطب الحضور بواسطتهم .

وهذا الإدّعاء باطل يمكن فضحه لكل من صادف أمثال هؤلاء الكذبة، أمّا طريقة فضحه فهي كما يلي :

أولاً – إن الروح تعرف كل ما يتعلق بالأرض. وجميع الخفايا و الاسرار المتعلقة بالفرد والمجموع . فهي مثلاً تعرف فكرك وما قمت به من أعمال علنيّة وسريّة في حياتك د، وتعرف جميع ما تكتمه في صدرك وميولك وعلاقاتك الى آخر ما هنالك من النزعات النفسية والهواجس الفكرية .

فعندما يحاول أحد الدجّالين أن يخدعك مدّعياً بانه « وسيط روحاني» وأن الأرواح تحتلّه فما عليك إلا أن تفكر بأمرٍ خاص من الأمور فاذا سألته أن يوضّح لك فكرك فلن يستطيع إلى ذلك سبيلا.

واسأله عن أمرٍ شخصي يجهله الناس فلا يستطيع ذلك المشعوذ أن يعرفه . ومدّ له شركاً واسأله عن أمر مختلق لا أساس له فيقع في الفخ للحال وعندئذٍ يتبيّن لك بوضوح أن هذا الوسيط أفّاك اذ لا يمكن لأبناء البشر أن يكونوا وسطاء روحانيين …

ثانياً – ومن هؤلاء المشعوذين من يدّعون الخوارق بقوة الروح .

وقد شاهدنا هذه الخوارق السمجة الكاذبة فأسفنا كيف يستسلم الناس بسهولة كليّة لكلّ من يخدعهم ويهزأ بعقولهم .

ففي إحدى الحفلات قام أحد المشعوذين وأعلن أنه سيقوم بخارقة روحية مدهشة … فوضع على المائدة جمجمة إنسان . وقال للحضور :

  • إن هذه الجمجمة ستجيبكم على أسئلتكم.

ونزل الى القاعة وأخذ يسأل الحاضرين، ثم يخاطب الجمجمة فيقول:

يريد السيد أنطوان أن يعرف هل أن والده في صحة جيدة في أميركا، فيا أيتها الروح الخفية أجيبينا على هذا السؤال بواسطة الجمجمة . فإذا كانت صحة الوالد جيدة أطرقي ثلاث طرقات ….

واذا بفكّي الجمجمة ينفتحان وينطبقان ثلاث مرات .

وإذا بالجماهير وقد استولى عليها الدهشة والذهول ….

ولكن تلك الدهشة تنقلب الى خجلٍ عميق عندما يفهم الحضور أن هذه الجمجمة العظميّة الفارغة تحتوي على آلة كهربائية متّصلة بشريط دقيق معلّق على لوحة موضوعة في الطاولة حيث تكون الجمجمة . وهذا الشريط يمتد الى ما وراء الستار حيث يقف معاون “الوسيط” الدجّال فيكبس على زرٍّ كهربائي ويحرك فكّي الجمجمة كما يشاء..

وهنا يظهر الاحتيال والرياء بوضوح وجلاء.

وهكذا قل عن جميع «الخرافات التي ينسبونها إلى مناجاة الارواح وكلها حيلٌ واهية الأركان متزعزعة البنيان ، تنهار سريعاً عند الامتحان، وعند الإمتحان يكرم المرهدء أو يهان

وهناك رهطٌ كبير من المستثمرين المستغلّين الذين يدّعون الإتصال بالعالم الروحي بواسطة القهوة ، والكتابة الأتوماتيكية السريعة وغيرها من الطرق الثعلبانية.

ولكن جميع هذه الطرق تتبيّن سخافتها و تُفضح أكاذيبها عند التدقيق ولذلك فقد عجز العلماء الحقيقيّون عن التثبت من وجود ” العالم الروحي” بصورة أكيدة لأن جميع هذه البضائع التي عرضت أمامهم محشوّة بالأكاذيب والحيل التي لا تلبث أن ينكشف أمرها ويفضح سرّها ويهتك سترها .

وهذه كانت من الأسباب التي حدت بعلماء الغرب الى أن يتركوا جانباً الابحاث الروحيّة لينصرفوا إلى الأبحاث المادية لأنهم لم يعثروا على حادثة راهنة خاضعة للتحقيق وحاملة جميع البراهين التي يفرضها العقل والمنطق ويسلّم بها العلم الصحيح.

ولذلك فلا عجب اذا أثارت الظاهرات الروحية الداهشية ضجة عظمى في الوطن والمهجر لأنها تخرج عن كل مألوف، ولا تتصل بأي أمرٍ معروف .

ولا نبالغ إذا قلنا أن هذه المعجزات الداهشية حدثٌ وحيد في بابه سيهزّ العالم هزّاً. وسيجلب إلى هذه الديار زرافات وجماعات من العلماء والباحثين ورجال الفكر الذين سيأتون من مشارق الأرض ومغاربها لمشاهدة هذه العجائب الإلهية ، والإستنارة بما تكشف عنه من آفاقٍ جديدة تجعلنا نطلّ على عوالم ما وراء المادّة .

error: Content is protected !!