مقالات

المشروع الإلهيّ بين الفصل والوحدة

بقلم الكاتب حسين يونس

 من تشظّي السيّال إلى وحدة المعراج:

 

من مُنطلق أنَّ القوَّة المُوجِدة وحدة مُطلقة، والإندماجُ حالة من التَّجانس الكامل، كان من المُستحيل أن يندمجَ فيها كيانٌ مُجزَّأ أو ناقص. لذا، لا يمكن للرُّوح الأُم أن تعود للإِندماج في الحضن الإلهيّ ما لم تستردَّ جميع سيَّالاتها المُبعثرة في العوالمِ ما دون ذلك وعلى إختلاف درجاتها ودركاتها. وما يسري على الرُّوح الأُم وسيَّالاتها، يسري على السيَّال الأُم وأجزاءه. من حيث لا نجاة للفرد إلا بتحقيق التكافل مع أجزائه المبثوثة في نسيج الوجود بأسره، ولا عبور نحو دوائر النُّور إلا بجمع شتات السيَّال.

وبين لمّ شمل الأَجزاء المُبعثرة بوصفه حشداً للطَّاقة، ومعراج السيَّالات بوصفه ارتقاءً نورانيَّاً، يتكشَّفُ لنا المشروع الإلهيّ كأَعظم تجليَّات العدالة الإلهيَّة؛ فبموجب قانون الوحدة الذي لا يقبل التجزؤ، تكمن أوجه التَّشابه المُذهل من حيثُ المسؤوليَّة الفرديَّة والكونيَّة لكلِّ مُنبثقٍ عنهما. وفي هذا رؤية أبعاد السَّعي للرسل والأنبياء لإنقاذ البشريَّة. إذ أنَّهم في الحقيقة يُمارسون عمليَّة لمِّ شملٍ لسيَّالاتِ الأُمهات الأرواح.

 

وفي نظرةٍ أوليَّة، نرى في أنَّ السيَّال الأُم لا يمكنه الإِنعتاق عمودياً ما دام مُبعثراً في أفقيَّة متاهات المادَّة؛ فالمعراج الحقيقي يبدأ لحظة إنصهار الإمتداد إلى بوتقة الوحدة عِبرَ لمّ شمله واتِّحاد أجزائه بالعمل الصالح والتأمُّل. هنا تصبح الوحدة هي الشرط والمحرِّك في آنٍ واحد، فبمجرَّد تلاشي حالة التشظِّي واستعادة السيَّال لوحدته، يكتسب زخماً إشعاعيَّاً يمنحه شفافيَّة الجوهر، ممَّا يجعله يطفو فوق العوالم الكثيفة وينفذ باتجاه ذروة الوجود ككتلة واحدةٍ لا تقبل الإِنقسام. فحركةَ السيَّال التي تخضعُ لنظامِ الاستحقاق الرُّوحيّ والآليَّة الكونيَّة الدقيقة، هي الحقيقةُ التي تتجلّى كبرهانٍ ساطعٍ على النَّاموس الإشعاعيّ العام الذي يُنظّم صيرورة السيَّالات؛ بل هو القوةُ الفاعلةُ التي تُحددُ مستوى السيَّال مساراً ومصيراً بناءً على درجةِ صفائهِ أو كثافتهِ الإِشعاعيَّة. فبينما تتجلَّى الأفقيَّةُ في مراحل التقمُّص عدالةَ الإِسترداد وضرورة لمّ شتاتِ الأَجزاء المُبعثرة كشرطٍ لإِكتمال النِّصاب الإشعاعيّ، تكرِّس العموديَّةُ حتميَّةَ الإنعتاق والسُّمو للسيَّال الذي استعاد وحدته. وبذلك يتبيَّن أنَّ الناموسَ هو الخيطُ الخفيُّ والمُدبِّر الحكيم الذي يُدير لحظة الإنعطاف المفصليَّة بينَ شتاتِ الأرضِ وعوالم الرُّوح، ومُعلناً أنَّ الوحدةَ الإشعاعية هي البوَّابةُ الوحيدة التي يَنكسرُ عندها أُفقُ المادَّةِ لِيُفتحَ طريقُ السَّموِّ المُطلق نحو عالم الرُّوح. 

في حالة الشتات، تفرضُ المادَّة بكثافتها وجاذبيَّتها على السيَّالات حالة من الغيبوبة الروحيَّة؛ حيثُ تجعل الجزء ينسى الكلّ، وتظنُّ الأجزاء المُبعثرة للسيَّال أنَّها كياناتٍ مُستقلَّة بذاتها ومُنفصلة عن أصلها، فتضيعُ في الأَشكال التي تسكنها، وتغرق في صِراعاتِ المادَّة الزائلة وهمومها، تتماهى مع الحواسِ الخمس، وتظنُّ أنَّ أقصى طموحهِا هو إشباعُ رغباتِها الماديَّة الآنيَّة.. لكن عندما يُدرك الكائن أنَّ كينونته موزَّعة بين العوالم وأبعادها، تبدأ اليقظة الرُّوحيَّة كتمرُّدٍ لكسر قيود المادَّة الكثيفة. في هذه اللحظة، يتوقفُ السيَّالُ عن كونهِ مفعولاً به تحتَ سطوةِ الجاذبيَّةِ الأرضيَّة، ليصبحَ فاعلاً يمتلكُ إرادةً فاعلة، مُعلناً بدءَ رحلةِ الإِنعتاقِ من سجنِ الكثافةِ نحو حريَّةِ النُّور. فالوعي عبارة عن تغييرٍ في طبيعة الكائن نفسها، وليس مجرَّد تغيير في الأفكار، يعمل على جمع أشعة الأجزاء المُشتَّتة في السيَّال الأُم، وهذا ما يمنحه القدرة على المرور عبر الأحداث الماديَّة دون أن يتلوَّث بها.

في عمليَّة جمع الأجزاء المُبعثرة، كان للإِستهواء الغامض في حدِّ ذاته كطاقة محايدة هو ما يُحدِّد مصير الكائن. من حيثُ تُمثّل القانون الجوهري للمغناطيسيَّة الروحيَّة، فهي تنقل مفهوم الإِستهواء من دائرة الغواية والشتات إلى رحابة الإِستهواء العلويّ. هنا، لا يعود الإستهواء فخاً للسقوط، بل يصبح قوة جذبٍ نُورانيَّة تعمل على إستعادة الأَجزاء المبعثرة لردّها إلى أصلِها الواحد. فعندما ينجذبُ الكائن الى الحقِّ والخير والجمال أينما كان وفي أي كائن كان، فإنَّه في الحقيقة يستجيب لنداءِ التماثل السيَّاليّ، وفي هذا عملية جَذْبٍ وجَمْعٍ نحو الوحدة والإِرتقاء، فالقيم المُطلقة ليست أفكاراً مجرَّدة، بل هي تردُّداتٍ عالية تمتلك قوَّة جَذْبٍ هائلة، تسحبُ الذَّات من مدار الأَنا الى محور الحقيقة، والعكس صحيح.

وإذا اعتبرنا أنَّ المادّة هي مَغناطيسٌ يَشدُّ السيَّالاتِ نحو النومِ والنسيان، فإنَّ العملَ الصالح بمعنى الترفُّع عن المادَّة أو التضحية في سبيل الحقّ، يكون القوَّة الدافعةُ التي تُخلخل كثافة المادَّة، مُحطمةً رتابةَ النسيانِ لتفتحَ ثغرةً في جدارِ الغيبوبة، يَنفذُ منها السيَّالُ نحو مداراتِ الإرتقاء. وفي هذا إستعادةٍ لسيَّالٍ كان مفقوداً في متاهةِ الأنانيَّة، ممَّا يُقلّصُ مساحةَ اللاشعورِ الرُّوحيّ، ويُختزل التقمُّصات الآتية في أثواب المادَّة.

في الفكر الداهشيّ، نحن لا نعيشُ السنين، بل نعيشُ المحاولاتِ المستمرَّة للإنعتاق من عوالم المادَّة وفتحِ أبواب السُّمو المُطلق. فالعمر الأرضي ليس رحلة زمنيَّة بقدر ما هو فرصة تردُّدية لإِختبار مدى تماسك السيَّال وقدرته على إِستعادة جوهره الأَساس. وفي هذا الإطار، يخرج الموت من مفهومه التقليديّ وطابعه الجنائزيّ ليصبح حدثاً تقنيَّاً وإجراءً كونيَّاً في صيرورة السيَّالات. يقول الدكتور داهش في كتابه ” كلمات” ص,116:” الموتُ يقظةٌ جميلة ينشدها كلُّ من صَفَتْ نفسه وطَهُرَتْ روحه، ويخافها كلُّ من ثَقُلَتْ أَفكاره وزَادتْ أَوزاره.” في قراءة أوليَّة لهذه الحكمة الداهشيَّة، نرى ناموساً إلهيَّاً يحكمُ الوجود، ونتيجة تردُّديّة حتميَّة لمِا زرعه الإنسان في سيَّالاته، تتراوح بين صَفائها الإشعاعيّ وثِقَلها الماديّ، وبينهما الموت كفعلٍ يُسقطُ هيبة الجسد ويُنهي ديكتاتوريَّة المادَّة. لكن، إذا خُضنا في جوهرِ الفكرِ الداهشيِّ، مُتلمّسينَ ما جالَ في فكرِ الدكتور داهش، فإنَّنا لا نجدُ أنفسنا أمام فلسفةٍ نظريَّة، بل أمام  آليةكشفٍ للكينونة، ينتقل فيها الوعي من رصدِ ظواهر الأشياء الى مُعاينة حركة السيَّالات الخفيَّة. ومعه نُدرك بأنَّ المادَّة ليست جوهراً ولا تمثّلُ حقيقة الوجود، بل هي حالة تكثيف آنيَّة لسيَّالاتٍ روحيَّة. فالفكرُ هنا لا يقرأُ الوجودَ كأجسامٍ صلبةٍ أو أحداثٍ عابرة، بل يراهُ كـنسيجٍ إشعاعيٍّ ومنظومة إهتزازيَّة دافقة ودائمة، وفي حركة صعودٍ وهبوطٍ مُستمرَّين في كنف النَّاموس الكلّي الهيمَنَة. وفي حكمته خروجاً عن المألوفِ المُتعارف عليه عند البشر، إذ يرى أن الموت ليس نهايةً للوجود، بل فعل تعريةٍ كونيَّة تُنهي سُلطة الأنا المُخادعة لتبدأ سُلطة الحقيقة، لا بل عمليَّة آليَّة لتحرير النَّفس من قيود الزمان والمكان المُقيَّدة بسجنِ الأَبعاد، حيثُ يستعيد السيَّال بصيرته ليقف أمام الحقيقة وجهاً الى وجه، يكتشفُ فيها أنَّ الوهم الذي كانَ يحجبُهُ لم يكنْ إلا سراباً مُتجسِّداً تبدَّدَ بفعلِ النَّاموس، ومعه يغدو ماضيه وحاضره ومستقبله سجلاتٍ مفتوحة تتوهَّج بوضوحٍ مُطلق، فيه الميزانُ العادل الذي يضعُ كلَّ سيَّالٍ في مكانِهِ الحقيقيِّ ضمنَ النسيجِ الكونيّ، حيثُ تتغيَّر الأثواب وفقاً لمستوى تطوُّرها، وقد تكون ولادة في عالمٍ أسمى، أو إعادة ترميمٍ في ثوبٍ بشريٍّ جديد من خلال ناموس العدالة الإلهيّة.

وبما أنَّ الموتَ في صيغته المعروفة، يُشكِّل الخوف الأكبر الذي يرافقُ الرحلة البشريَّة منذ أول نَفَسٍ لها في رداءِ المادَّة. هذا الخوف هو في جوهره رهبة العبور بين الأبعاد الكونيَّة في مواجهة حتميَّة العودة الى كنفِ الحقيقة، من حيثُ تناسينا قوانين السماء لنُرتهن لقوانين الأرض. ففي غمرةِ انغماسِنا في وهم الحياة الأرضيَّة، توهَّمنا أنَّ الجسد الطينيَّ هو هُويتُنا الأَصيلة، فصار الإِنعتاقُ منه يَبدو لنا كأنَّه فناءٌ، والحقيقةُ أنَّهُ ليس إلاَّ إسترداداً للكينونة. وبناءً على هذه الرؤية، كان الخوف لمن “ثَقُلَتْ أَفكاره وزَادتْ أَوزاره” فجوة تردُّديَّة بين كينونة الإِنسان الحاليَّة وبين النَّاموس المُطلق. فالسيَّال الذي يشعرُ بثقل أفكاره، هو يُدرك لا شعورياً أنَّ انجذابه بعد الموت سيكون نحو الأسفل أو نحو تقمُّصاتٍ شاقّة ومُؤلمة. وبالتالي يكون الخوف من الموت ليسَ قدراً محتوماً على الجميع، بل هو حالةٌ تصيبُ بالدرجةِ الأولى مَن ثَقُلَتْ أَفكارُه وزادت أَوزاره؛ ذلك الكائن الذي جعلَ من كينونتِه مخزناً لكثافةِ المادَّةِ بدلاً من أن يجعلهَا مِعراجاً للنُّور، وفي ذلك رهبة المواجهة مع الحقِّ والحقيقة العارية، حيثُ لا يُمكن تزوير النوايا أو تبرير الأفعال.

بينما تتجلَّى كينوناتٌ نورانيَّةٌ تَرى في الموتِ فجراً يملؤُه الطمأنينة، وسكينةٍ تخترقُ حدودَ المادَّة. إنَّهم يبتسمونَ للموتِ لأنَّهم يَعرفونَ لغتَهُ.. لغةَ السيَّالاتِ المتحررة التي وجدتْ أخيراً طريق الحقِّ ومنبعَ النُّور. فالنفسُ التي صقلتْ سيَّالاتِها وسَمَتْ بأفكارِها من أدرانِ الأَطماعِ والأَوزار، وهي لا تزالُ في كَنفِ الجسد، أدركت أنَّ الوجود الأرضيّ سجنٌ من أوهام التملُّك وشهوات النَّفس، فلم تَعُد ترى في الموت نهايةً مُظلمة، بل باتتْ تُدركُ يقيناً أنَّ كينونتَها قد اشتاقتْ الى رحاب العوالم العلويَّة. إنَّه الانعتاقُ الحتميُّ الذي يُنهي كابوس المادَّة الطويل، ويَردُّ السيَّالات إلى مصدرِها؛ وبما أنَّ مصدرَها هو الضياءُ الصَّرف، فلا مكانَ للرهبةِ من العودةِ إلى حيثُ ذاك الضياء.

إنَّه يقينُ من صفَتْ نفسُه وخَفَّتْ أَحمالُه، فغدا الموتُ في ناظريهِ ليس عدواً يتربَّص، بل هو المحرِّرُ الذي يَشرعُ أبوابَ الأبديةِ أمامَ تلكَ السيَّالاتِ التي استحقَّتْ بِتجرُّدِها أن تتَّحدَ بجمال المُطلق؛ فتلك الكينونات التي إستبصرت وأَدركتْ أنَّ الأرضَ ليست إِلاَّ سجناً، هي وحدَها المؤهلةُ لتحطيم قضبان المادَّة والإِنعتاق نحو الخلود.

ولكن بين رهبة الفناء وسكينة الإنعتاق، باب جهاد لا بُدَّ من ولوجه للعروج الى السماء والإندماج بالأُم الرُّوح، فمن أين يأتي سمو السيَّال وصفاء الأَرواح؟ 

في حضرة الموت تقف السيَّالاتِ البشريَّة عند مفترق نقيضان لا يلتقيان، حيثُ تُرسمُ ملامح الرحلة القادمة كرهبةِ جذبٍ للأسفل أو سكينةِ دفعٍ للعروج. فالموت واحد، لكن العبور يختلف من حيثُ مدى ارتهان الكينونة للمادَّة. وبما أنَّنا نتحدَّثُ عن الوحدةِ والعروج، كان لا بُدَّ من تناولِ مَقامَ مَنْ “سَمَتْ نفسُه وصَفَتْ رُوحُه”، كـجوازِ عبورٍ إشعاعيٍّ لا يمكنُ دُونَهُ اختراقُ حُجبِ المادَّةِ الكثيفة. فالسُّموُّ هنا ليس حالةً ذهنيَّةً مجرَّدة، بل هو فعلُ إرتقاءٍ روحيّ يُجرِّدُ السيَّالاتِ من أوزارِ الأرض، يصقلُ جوهرها بيقين الحقِّ والنُّور والجمال، ويمنحُها الرنين المتوافقَ مع تردُّداتِ العوالمِ العلويَّة.

هذا الصَّفاءَ هو الذي يُحوِّلُ الكينونةَ من كتلةٍ أسيرةٍ للجاذبيَّة الترابيَّة إلى طاقةٍ نفَّاذة قادرةٍ على شقِّ طُرق النُّورِ نحو الأُمِّ الرُّوح. فبقدرِ ما يرتفعُ منسوبُ الطُّهرِ في السيَّال، تُطوى الأبعاد بينه وبين المصدر، ليصبحَ الموتُ في نهايةِ المطافِ مجرَّدَ لحظة التحامٍ حتميَّة؛ فيها يذوبُ الشعاعُ الذي صَفَتْ مرآتُه في بحرِ الإِشعاعِ الأَكبر، مُعلناً اكتمال الدائرةِ وعودةَ السيَّال إلى حِضنِ أزليَّتِهِ الذي انبثق منها بسلامٍ واطمئنان.

وفي هذا المجال لا بُدَّ من الإشارة الى أنَّ عروج السيَّال واندماجه بالرُّوح الأُم يقودُنا حتماً إلى الوقوفِ أمام بوَّابات دوائر النُّور الإلهيَّة؛ تلك المداخلِ المهيبةِ التي لا تُفتَحُ بالتَّمني والمناجاةِ اللفظيَّة، بل بجهادِ السيَّالات وصَهرِ الكينونةِ في بَوْتقةِ التجرُّد. فبواباتُ الضياءِ ليست مجردَ معابرَ رمزيَّة، بل هي بواباتُ جِهادٍ مَرير لِولوجِ العوالمِ الروحيَّة، حيثُ يتوجَّبُ على كلِّ شعاعٍ قيَّدته براثن المادَّةُ أن يَنزعَ عن نفسِه أوزارَها لِيستحقَّ العبور. وفي كلِّ بوَّابةٍ محطَّةُ اختبارٍ لصَيْرورةَ التَّهذيب النُّورانيّ، والاتِّساقَ مع تردُّداتِ النَّاموسِ العلويَّة.

فالدخول الى رِحاب النُّور الإلهيّ يتطلَّب ثورةً على النَّفس ضدَّ الذَّات الترابيَّة، تَبدأُ من جهادِ الأَنا وتَنتهي بتطهيرِ آخر ذراَّتِ الإِرتهان الماديّ. وفي هذا التَّخلي التَّام عن الرَّغبات الماديَّة والنَّزعات الدنيويَّة والشَّهوات البهيميَّة. فالعوالمُ الروحيَّةُ لا تَفتحُ ذراعيها إِلاَّ لِمن أثبتَ في ميادينِ الجِهادِ الأَرضيِّ أنَّهُ ابنُ النُّور، وأنَّ سجنَ المادَّةِ لم يَعُد يكفي لفيضِ كينونته.

في ماهيَّة السُّمو وصفاء السيَّال:

لا يمكنُ ولوجُ العوالمِ العلويَّة والاندماجِ بالأُمِّ الرُّوح ما لم نفهم أولاً السرَّ الكامنَ في قدسيَّةِ الإنعتاقِ التَّردُّدي، من حيثُ هو فعل إسترداد النُّور الذي خَفَتَ نتيجةَ خيار الإِنفصال الأزليّ عن مركز النُّور الإلهيّ. فبناءً على مُعادلةِ النُّورِ والظِّل، كان في الإنفصال مأساة السيَّال الكبرى، إذ لم يفقد ببعده عن الخالقِ حريَّتَهُ فحسب، بل خَفَت نوره. فبقدرِ ما يبتعدُ الشعاعُ عن مصدره، يَخفتُ بَريقُه وتزدادُ كثافتُه. ومن ثمَّ تَتَابع السقوط في دَهاليزِ العوالمِ الماديَّة. بيدَ أنَّ السِيَّالَ الأُمَّ في رحلة الإرتقاء والعودة، يشرعُ في جِهادِه نحو بواباتِ الضياء. فالسُّمو، في جوهرهِ، ليس إلاَّ إنبعاثاً إِشعاعيَّاً تقوده السيَّالاتُ الأُم في ثورتِها العارمة ضدَّ أَغلالِ المادَّة؛ لِتُنهيَ بذلك حقبة الإِبتعاد، حيثُ لا يعود السيَّالُ تائهاً يتخبَّطُ في متاهاتِ الأَبعادِ الكثيفة، بل شُعاعاً استردَّ ذاكرتَهُ النورانيَّة ليندمج في الرُّوحِ الأُم مرَّةً أخرى.

فعل السُّمو، هو الفعلُ العكسيّ لمأساةِ الإِنفصال بناءً على ذات المُعادلةِ، هو المسارُ الذي تخلعُ فيه الكينونةُ أسمالها الترابيَّة، يرفع تردُّد السيَّال بنسقٍ تصاعديّ، فيبدأُ النُّور الخافتُ بالإتِّساع حتى يبلغُ ذُروةَ الجلاءِ التي تجعلُ منه شعاعاً مَحْضاً، حتى يستردَّ هُويَّتَه الإشعاعيَّةَ الأولى. لكن هذا المسار ليس ترفاً فكريَّاً، إذ كيفَ يتسنَّى لهذا السيَّال أو الجزء منه، المُكبَّل بأغلال المادّة أن يرتفعَ فوق جاذبيةِ الشَّهوات؟ وكيف يغدو الصَّفاءُ حقيقةً واقعةً تُحوِّل أسير الظَّلام من هيكلٍ ماديّ الى فيضٍ من نور؟

إنَّ الرحلةَ نحو السُّمو تبدأُ من اللحظة التي يُدركُ فيها الكائنُ أنَّ صقلهُ لسيَّالاته هو المهمةُ الكونيَّةُ الأسمى، وأنَّ كلَّ درجةٍ يكتسبها في سُلُّمِ العروج، هي خطوةٌ فعليةٌ نحو التحرُّرِ الأَبديِّ والعودةِ الى محراب الأَنوارِ الإلهيَّة. من هنا، كان لا بُدَّ من الشُّروعِ في أَخطر وأَقدس ملحمةٍ يخوضها السيَّال في أيَّةِ حالةٍ كان، وهذا ما يرتكزُ على أساسين، هما ترويض الذَّات وكبح جماح أهوائها، وإعادة ضبط الإتِّجاه التردُّدي حيثُ الحقّ والنُّور.

فبعد عمليَّة لم شتات الأجزاء المُبعثرة في خضمِّ هذا الكون الفسيح التي تسبق الوثبة الكبرى نحو النُّور، كان لا بُدَّ من تحوُّل الذَّات من حالة السيولة والتشتُّت إلى حالة الوحدة والتركيز. هنا تبدأ الذَّات الإنسانيَّة إِدراك مدارج الإرتقاء، تنشأ قوّة إنبعاثٍ هائلة كنتيجة طبيعية لتركيز القوَّة، تصُهِر السيَّال الأُم في بوتقة الإرادة الواعية، وتُحوِّل إتِّجاه النَّزعات المُتضاربة صوب الحقّ. وبهذا يتحوَّل السيَّال المُرتبط بالأرض وإغراءاتها الى لطافةٍ مُرتبطة بالبصيرة والنُّور. في هذا التحوُّل يُمنَحُ السيَّال شفافيّة روحيّة تسمح له بخرقِ حُجُبِ المادَّة، والقدرة على ملامسة الحقائق الروحيَّة في أَبعادها السامية، والوصول إلى مداراتٍ معرفيَّة فوق إِدراك البشر العاديين. 

في غمارِ الصراعِ الكونيُّ المحتدم في أعماقِ السيَّال الأُم بين قوى الجَذب نحو الأَسفل وقوى الإِنعتاق نحو الأعلى، يقع تحت تأثير إستهواءٍ غامض، مصدره السيَّالات الخفيَّة التابعة له والمُبعثرة في عوالمٍ كثيرة، تتسلَّلُ إلى مكامن النَّفس من فجوات التردُّد، مُستغلةً تراخي الإرادة لتغرقه في كنف الأوهام والميول العابرة. يقول الدكتور داهش في حُلُمٍ مهيبٍ رهيب، من كتابه قصصٌ غريبة وأساطرٌ عجيبة، الجزء الثالث، ص79:” کنتُ أشاهد سيَّالاتي الموجودة بعوالم مُنحدرة الدركات وهي تُرسل إِشعاعاتها لسيَّالاتي الأخرى الكائنة في عوالم رفيعة، حاضَّةً إيَّاها على ارتكابِ الممنوعات والمحرَّمات بُغية إِسقاطها وسَحْبها إلى الدَّركاتِ المُنحدرة بالأَغوار السحيقة حيث تقبع سيالاتي.

ففهمت ، إذ ذاك ، أن ما يُساورنا من رغباتٍ لارتكابِ المُحرَّمات هو منَّا وفينا ، أي إن سيَّالنا الموجود بدَرَكٍ سحيق هو الذي يعمل جاهداً ليدعنا نسقط ، فإمَّا يفشل أو يُكتب له الفوز . إذا لا يستطيعُ أيّ سيّال خارجيّ أن يدعنا نسقُط ، فهذا الأمر ممنوع منعاً باتاً . وإذا سقطنا فيكون سقوطنا من سيَّالِنا الذي نحن أوصلناهُ بأعمالِنا إلى دركٍ سُفلي ، فأصبح يرغبُ بالانتقامِ منَّا، وجَعْلَنا نَنْقادُ لإِيحائِه بواسطةِ الإشعاع الذي يُرسله لكيّ يُوقعنا بِشباكِه، وهنا الطَّامةُ الكبرى، إذاً رُقِيُّنَا أو انحدارنا يكون بنسبةِ مقاومتنا وجهادنا أو خضوعنا واستسلامنا لوسوساتِ سيَّالنا السُّفلي. فإذا انْصَعْنا لرغبتهِ فنفذنا أوامره وارْتكبنا الممنوعات، فإذ ذاك لا بُدَّ من أن نسقط وننحدرُ لدَرَكه، وإذا لم نَنْصع لأوامره ونواهيه نرفع سیَّالنا ونوصلهُ إلى ملإٍ عُلويّ. وهذه هي العدالة الإلهيَّة إذ يجازي كلّ عمله، أو بالأحرى نحن الذين نُجازي أنفسنا فنُوصل سيَّالاتنا الى درجةٍ عُلويَّة أو دَرَكةٍ سُفليَّة، وما ربك بظالمٍ لِخلائقه، إنما لأنفُسهم يظلمون.”

إذن، هذا الإِستهواء يعمل كقوة مغناطيسيَّة تحجب الرؤية وتُشتت الوعي، ممَّا يجعل الذَّات أسيرةً لدوامةٍ من التفاعلاتِ السيَّاليَّة التي تُوهمها بالحريَّة وهي في قمة العبوديَّة. هنا يبرزُ الجهاد كضرورةٍ وجوديَّة وركيزةٍ جوهريَّة؛ ليس بوصفه صداماً مع الآخر، بل بوصفه فعل الترويض الأَسمى. إنَّه القوَّة الواعيَّة التي تتدخَّلُ لكسرِ نمطيَّة الإِستهواء الخادع، وإِعادة ضبط بوصلة الكيان الإنسانيّ والتشتُّت السيَّاليّ الذي أفسدته الأهواء إلى وحدةٍ فكريّة وروحيَّة مُتماسكة.

في طبيعة النَّزعات والرَّغبات قوَّة إستهواء تشدُّ الذَّات نحو الأسفل. وفي عمليّة الجهاد فعل الإرادة التي يحتاجها الإنسان ليتولّد لديه عزم الإرتقاء. وبين الطبيعتين، يصبحُ الإستهواء كمحفز لإستنهاض قوَّة المجاهدة؛ وكلما كان الإِستهواء غامضاً وقويَّا، استوجب ذلك استدعاء سيَّالاتٍ نورانيَّة أشدُّ قوَّة لمواجهته. ومن هنا، يصبح الإستهواء هو مفاعل الضَّبط السيَّالي الذي تمرُّ به النَّفس لتتحوّل فيه الإِرادة من مجرَّد رغبة ذهنيَّة إلى قوَّة وجوديَّة فاعلة، تُصقل النَّزعة، وتُفقدها قدرتها على الإغواء، ومعها تنتقل الكينونة المُشتَّتة إلى ذاتٍ صلبة ومُستقرَّة.

عملية الصَّقل لا تبدأ إلاَّ بلحظة المواجهة الشجاعة، حين يرفع الإنسان الغطاء عن نزعاته المخفيَّة، وإزالة ما تراكم فيها من زوائد وترسُّباتٍ دخيلة، من حيثُ هي ليست جزءاً من الكينونة الأصليَّة، بل هي نتاج الإستهواء الغامض والتَّفاعل الخاطئ مع عالم المادَّة، ممَّا يجعل الوعي رهينةً لِما يقوله الآخرين. وهذا ما يُلقي على اليقظة الروحيَّة نوعاً من السُّبات، ويُراكم الغشاوة على مرآة الذَّات كعازلٍ سيَّاليّ يحولُ بين الوعي وبين إِشراقاتِ الحقّ والنُّور. غير أنَّ الجهاد يتدخَّل هنا ليمنع الإنقياد الأَعمى خلف جاذبيَّة النَّزعة الماديَّة، واضعاً إيَّاها تحت مِجهر الوعي؛ الأمر الذي يُجرِّدها من سلطانها الغامض ويُعيدها إلى حجمها الطبيعي أمام إِرادة التحرُّر.

تتجلى الذروةُ الجوهرية حين تستحيلُ الرغبةُ ذاتها مُحرِّكاً للجهاد؛ فعندما يكتشف الكائن إستهواء الحقِّ والجمال، تتوحَّد سيَّالاته وتتبلّور هويَّته الحقيقيَّة مُندفعةً نحو النُّور، في نقلةٍ نوعيةٍ يتلاشى معها التكلُّفُ الثقيل والمجاهدةُ المُضنية، لتُولدَ مكانها رغبةٌ عارمةٌ في العروج تفوقُ في لذَّتها وقوَّتها كلَّ مُغريات المادَّة. في هذه المدارات، يصبح الشوقُ إلى الإنعتاق وإماطة الحُجُب وإستنارةِ مِشكاةِ الحقيقة وصقل مرآة الذَّات هو المنطلق الأساس لتُحرَّر السيَّالات السامية، وبإنجلاء غشاوة الأَقنعةِ الزائفة تسقط المسافةُ بين الشعور والفعل، ويُحسم التردُّد لتتحوَّل الذَّات من شقاءِ التجزُّؤِ إلى صفاءِ الكينونةِ الموحَّدة، لا بإمتلاك العالَم بل بإمتلاك مقاليد النَّفس. إنَّ الذَّات الإنسانيَّة في عُمقها ليست بناءً نُشيّده، بل هي إشعاعٌ نورانيّ غايته العظمى إنعتاقُ الجوهر من كَثافةِ المادّة، لِيتجلَّى سناءُ الكينونة مُجدداً مِن تَحتِ رُكامِ المادةِ وغيوم الأهواء وأقنعة الزيف.

أنَّ الإرتقاءَ الرُّوحيَّ هو التَّحرر السيَّاليّ، يرتكزُ على وعي الذَّات بحرِّيتها الممنوحة، لتتجاوزَ ثُنائيَّة الخوف من العقاب والطمع في الثواب نحو عشقِ الحقِّ لذات الحقّ، لأن نفسك الأبية النقيَّة تأبى إلا أن تكون مُتَّسقة مع الحقّ، دون انتظار مقابل نفعي؛ وبذلك تتحولُ النَّزعات والأهواء في النَّفس من قيدٍ يُكبلُ جوهرها إلى وسيلةٍ طيِّعةٍ لبناء صرحٍ أخلاقيٍّ تشرقُ فيه قيمُ السَّماء على تراب المادَّة، ممَّا يجعل من حياة الإنسان مِعراجاً مُستمراً يمحو المسافةَ بين النزوعِ المثاليِّ والتحقُّقِ العملي، تمهيداً لعودةِ الرُّوحِ إلى مواطن خلودها بمرآةٍ صقيلةٍ لا تشوبها أدرانُ الفناء.

إذن، الإرتقاء الرُّوحي ليس مُجرَّد كلماتٍ تتناسق في جوهرِها من حيثُ اللغة والبلاغة، ولا اعتزالٌ للحياة بالهروب خوفاً من فِتَنِها وسط تجاذبات المادَّة، بل أن تعيشَ في قلب المعمعة الماديَّة دون أن تسمح بانحراف سيَّالاتك وسقوطها، لا بل في بناءِ ذلك الصَّرح المجيد الذي يجعلُ من الأرض صدىً لأصداءِ الخلود.. الإرتقاء الرُّوحيّ هو عملُ تسامٍ وتطهير، فيه تعتنقُ قِيَمَ الحكمة والمعرفة التي تدعو إليها الداهشيَّة، بوصفها الطريق الذي يقتحم الصعوبات ويُمهد لملكوت السماء قبل أن تُزلزل الأَرض.. هو أن تكون روحيَّاً في صلاتك وتأمُّلك، واجتماعياً في تعاملك وشرفك. فالإنسان الرُّوحي هو الذي يختار الإنحياز للرُّوح في كلِّ تفاصيل حياته، يستعمل المادَّة كأدواتٍ لخدمة المُثل العُليا، يدوس بقدميه جميع العقبات والنَّزعات السافلة، يتحرَّر من قُيودِ الجسدِ وشهواته، والرذائل الدنيويَّة التي تحوِّل الأَرض إلى جحيم، يعشق العدالة، ويعمل في سبيلها، وهذا العمل لا يكون إلا بالإِختلاط والعدل وإعطاءِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.

عامل الإِرتقاء هو عامل الوحدة في أّعمق تجلياَّته، هو فعلُ جمعٍ لشتاتِ السيَّالات المبُعثرة في العوالم على اختلاف درجاتها ومستوياتها، وتحويلها من حالة الإنفراد والضَّياع إلى حالة الوحدة المتَّسقة الحقَّة؛ فكلما ازداد الكائن إقتراباً من الرُّوح الأُم، ازداد إنسجاماً مع الوجود، فتسقط قيم التفرقة والأَطماع الماديَّة، ويحلُّ محلها إخاءٌ روحيٌّ شامل يعكس وحدة المصدر والمصير. حيث لا يكتمل هذا المسار إلا بتلاشي نزعة الإِنفصال والإِندماج الكامل في الرٌُّوح الأُم ومن ثمَّ العودة إلى حضن الكلِّي الأَعظم.

بين متاهاتِ الوهم ويقين الحقيقة، يبرزُ مَخاضَ إنقسام السيَّالات كحكمةٍ إلهيَّة، تستجمعُ الرُّوح الأُم شتاتَ كيانها، وتَصهرُ تباينَ نَزعاتِها في بوتقةِ الطُّهرِ والإرتقاء كخيارٍ حرٍّ تتوِّجهُ صِدقُ المحبَّة والإرادة والإستسلام لمشيئته، ولكي لا يكون القُربُ من الحقيقة المُطلقة قسراً. وبين المعراج والإندماج، إثراءٌ للمحيط الرُّوحاني بتجارب مليارات السنين من المُعاناة والاختيار، وهذا ما يجعل الوجود في حالة تجدُّدٍ دائم، تكون الأُمُ الرُّوح صلةُ الوصلِ والحارس الأمين للعهد، لتضمنَ أنَّ العودةَ للمصدرِ لن تكون مجرَّد إستردادٍ لوديعةٍ مَمنوحة، بل هي هويّةٌ جامعة لجوهرٍ مُتَّحد شقَّ طريقَهُ ليعانقَ الذَّاتَ الكليَّة؛ فالمشروعُ الإلهيُّ في أزليّةِ الإِندماج، أراد للنُّورِ أن يتفرَّقَ لكي يدركَ قيمةَ الضِّياء، وللرُّوحِ أن تنفصل لكي تذوقَ حلاوةَ اللقاء. وبين هذا وذاك رحلةِ السيَّالِ المُستبصر الذي يتغلَّب بسطوةِ وعيهِ على مرارةِ الإِنفصال لتغدو معراجاً نحو جلالِ الوحدةِ المُطلقة؛ وانتصارٍاً لقيمِ الحقِّ والخيرِ والجمال من غياهبِ المجهول، وتحقيقٍ لغايةِ المشروعِ الإلهيِّ الخالدِ في أزليّةِ الاندماج.

 

error: Content is protected !!