الدين والعولمة

بين الدين والعولمة تقاربُ ثقافات واختلاف توجُّهات تؤثِّران على الحياة ببعديها الماديّ والروحيّ، رؤية طموحة تهدف لخلق عالمٍ موحَّد، يتَّسمُ بالتعاون لِما فيه خيرُ البشريَّة، تُستعمل نفس المُصطلحات، السَّلام والعدالة والمُساواة وتحقيق السعادة المنشودة بطرقٍ مُختلفة، وأهدافٍ مُتباعدة.
بين الدين والعولمة صراعٌ وتكامل، صراع القيم وتكامل الأهداف، تعكس تناقضاتٍ وتحدِّيات بين القيم الدينيَّة التقليديَّة كمُقدَّساتٍ ثابتة وقيم العولمة الحديثة التي تحكم التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. صراعٌ تتعارضُ فيه القيم والمصالح والحريَّات الشخصيَّة مع المبادىء والمُعتقدات المتوارثة والراسخة، التي تُنظمُ سلوكَ الإنسانِ وعلاقتهِ باللهِ، مما يؤدي إلى صراعاتٍ فكريةٍ حول القيم والمبادئ ومفهوم الحياة، وانتشار الأفكار المُتطرِّفة، ممَّا قد يؤدّي الى العنف والإرهاب.
وتكاملٌ في إتاحة الفرصةً للحوارِ والتعايش السِّلمي بينَ الأديانِ والثقافاتِ المختلفةِ، محاربة الظلم والفساد كما الفقر والجهل والمرض. يُكمّل بعضهما البعض في نشر القيم الأخلاقية وتعزيز التعاون الإنساني، باحترام حقوق الإنسان ودعم العدالة والمساواة لحياةٍ أفضل، تحقيق الخير في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول وتحقيق التنمية المستدامة للجميع، كذلك التعاون بين المؤسسات الدينية والعلمية لتحقيق العدالة الاجتماعية، مُكافحة الانقسامات والتمييز الاجتماعي والعرقي والديني، ودعم السلام والأمن العالميين وحل النزاعات بطرق سلمية ودبلوماسية..
بين الصراع والتكامل فلسفةٌ تُغاير الواقع، صراعٌ ولا تكامل، ومجموعة المبادئ الأساسيَّة والقيم الأخلاقية التي تُعدّ الضمانات الجوهرية لحياة ٍكريمة، يُضربُ بها عرضَ الحائط، إمَّا لجهلٍ أو لامُبالاةٍ، وإمَّا استغلالٍ للنفوذِ والقوَّة، استهزاءُ القويَّ بالضعيف، تتجلّى أشكاله في استعباد الفقراء المساكين، والهيمنة على الدول النامية وابتزازها، والسيطرة على خيرات الشعوب ومُقدَّساتهم، ونهب الثروات، وقمع الحريَّات الفكريَّة والدينيَّة، تُنتهك حقوق الإنسان، وينتشر الفساد والظُّلم والإضطهاد حتى تنعدم الحريَّة والعدالة والمُساواة. مما يؤدي إلى تفاقم الفجوات الاجتماعية ومزيداً من الصراعات والنزاعات وتكلفة بشرية ومادية هائلة. ويضيع الدين مع العولمة.
بين الدين والعولمة بزغ فجرُ أذآر، رسالة سماويَّة، تنشرُ أنوارها خيوطاً نورانيَّة، تعاليماً إلهيَّة، سيَّالاتً تنوِّر الأرجاء، مفاهيمٌ مُتقدِّمة للدين والعولمة، فكرٌ يجمع ما بين العقل والمنطق، لم تُؤَسَّسْ على اجتهاداتٍ دينيّة أو فلسفيّة، ولم تُقْتَبسْ تعاليمُها من العلوم أو التيّارات اللاهوتيَّة أو الفكريّة القائمة.كلُّها موحاةٌ أَو مُلهَمة، ولا علاقةَ للاجتهاد العقليِّ بها. مؤيَّدٌة بمعجزاتٍ باهرة سنيَّة تنزع الشكوك حول التعاليم الإلهيَّة وأبعاد الوجود وغايته، مصدرها طاقةٌ روحيَّةٌ كونيَّة تهيمن على البشر. هذه المُعجزات الروحيَّة لها الألآف من الشهود الذين أكَّدوا حدوثها على يديّ الدكتور داهش بواسطة الرُّوح الإلهي، وهم أصحاب الكفاءات العلميَّة والفكريِّة والأدبيِّة على إختلافها، ولهم من الأخلاق النبيلة ما يجعلهم أهلاً للصدق والشهادة. فالعقلانيَّة تستوجب الإيمان بالتعاليم الداهشيَّة كما الحقائق العلميَّة على حدٍّ سواء. حيثُ تُفعِّل في النَّفس أُسس الأديان ومعناها الروحيّ، وتُعيدها لنقاءها الأصليّ، بعد أن أفرغها المُتاجرون من قدسيِّتها وأصبحت نظريَّات وغيبيَّات، ولا دلائل على صحَّتها. اعتقاداً منهم أنَّ الإنسانَ هو المخلوق الأوحد في هذا الكون الشاسع، خليفة الله على الأرض، يتَّسم بأهميَّة دوره في الوجود، مُكلَّفاً برعاية وتطوير الخلق، ومُعبَّراً عن ذلك بالفخر والغرور خطيئة الملائكة وسبب سقوطها. ممَّا ساهم في نمو بذور الكفر والإلحاد في النفوس، حتى تحوَّل الفهم الماديّ الى غباءٍ روحيّ، ينطوي على تحمُّل المسؤوليَّة الكبيرة في تشكيل مستقبل البشريَّة واستحقاقاتها.
بين الدين والعولمة أشرقت شمسُ الديانة الداهشيَّة رسالة قيمٍ ومبادىء، تقدّم تصوُّرًا إبداعيَّاً للروحانية والفلسفة، أعطت الأديان مفهوماً جديداً للرؤية الكونيَّة وأجوبةً عن تساؤلاتٍ غامضة ومُحيِّرة. تُمثِّل نموذجاً فريداً يقوم على ترابطِ الإنسان مع السموات والأرض وما بينهما في رحلة التطوُّر الروحيّ. قدمت تفسيرًا للتواصل والتفاعل ما بين الطاقة المكوِّنة للمخلوقات والكائنات على إختلافها من مرئيَّة وغير ذلك. تُثيرُ رغبةً داخليَّة قويَّة لاستكشاف البُعد الروحيّ وتعزيز الفهم العميق لغاية الحياة والوجود. كما ألقت الضوء على الحياة والموت والبعث، وإنَّ فهم أعماق الذات بداية الطريق في سُلُّم الإرتقاء الرُّوحيّ، وفهم القيود الأرضيَّة والماديَّة التي تُكبِّل الإنسان في عوالم الشقاء والألم، تساعد على فتح آفاق الخلاص بالتغلُّب على الضُّعف البشريّ الموروث الذي يحولُ دون تحقيق الهدف الأسمى لحقيقية السِّر الأعظم من وراء سرِّ الخلق. ألمحت الى بداية الخلق ولو لم تخوض في الألوهيَّة التي لا تزيدنا إلاَّ إلتباساً وغموضاً، وما يعتريها من لغطٍ والتباساتٍ حولها في المفاهيم الدينيَّة، نُسِبَت الى الأنبياء والمُرسلين من جرَّاء سوء فهم المفسِّرين للكُتُبِ المُّقدَّسة والنصوص الدينيَّة، أو لجهلٍ أعترى العصر الذي أنزلت فيه تلك الأديان، حيثُ أشير اليها بشيءٍ من الإبهام والغموض، وذلك يعود للمستوى الفكري أو الأخلاقي الذي كان في تلك المرحلة. وأوضحت الكثير ممَّا خُفي على العلم والعلماء والفلسفة والفلاسفة عن أبعاد الوجود الإنسانيّ فيما بتعلَّق بالنَّفس والرُّوح ونشأة الكون وأُسسه ونُظمه السامية، والتي قد تتخطّى في رؤيتها حتى الخيال البشري والعلمي، بعيداً عن الرؤى التقليديَّة للديانات المُتوارَثَة.
بين الدين والعولمة صرخة الهادي الحبيب تحمل في طياتها دعوة قويَّة إلى التحوُّل الروحيّ والإلتزام الخُلُقي، بهدف تحقيق أحكامٍ عادلة وتعزيز المساواة الشاملة والأخوّة الكاملة بين جميع سكان الأرض كافة. فالعدالة ليست مجرَّد مفهومٍ نظريّ، بل هي نهجٌ عمليٌ شمولي يجسَّدَ في الحياة اليومية ويعتمد على قيمٍ أخلاقيَّةٍ عظيمة. هي يقظةٌ روحيّة شريفة وثورة فكريّة عنيفة من أجل رفض التمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو أي عوامل أخرى، تدعو الأنسان ليكون أخ الإنسان بعيـدا” عن لونـه وفكـره وأنتمائه، تدعوه لإصلاح الذات وعمـل الخير حبا” بالخير وذلك بألعودة الى جـذور الدين بعيـدا” عن العصبيّـة القبليّـة والطائفيّـة، تدعوه للعـودة الى طريق الحقِّ والنـورِ واليقيـن، طريق الخير والمحبّـة والتسامح، طريق السماء ووحــدة الأديـان. هي إعادة تعريف الحياة بمفهومها السامي. حيثُ ترى أن لدى الجميع حقّ الحياة الكريمة والواجب الأخلاقي للعمل كجزءٍ لا يتجزأ من العائلة الإنسانية الواحدة، ومن أجل تعزيز الرفاه والتقدُّم الجماعي، كأسرة واحدة يحبّ بعضهم بعضاً.
بين الدين والعولمة رسالة أذآر الهادية، شرارة الرُّوح الأزليَّة تُرسلُ خيوطاً نورانيَّة، سيَّالاتً نبويَّة موحِّدة لأواصر الآخاء والمحبَّة، تُركِّز بشكلٍ أساسيّ على الجوانب الروحيَّة والأخلاقيَّة، تُلقي الضوء معرفة تنويريَّة في عتمة النفوس، المعرفة التي تستبق العلم وتفضُّ أسرار الكون ومغاليق الروُّح، تهدف إلى اليقظة الروحيَّة من سُبات المادّة وإدراك الإنسان لحقيقة ذاته ومكانته في الكون من خلال فهمه لعلَّة وجوده، وتحريرها من القيد الجسديّ بالخضوع للقوانين الإلهيَّة والإرتقاء الى السموات العليا. تُنير دروب التائقين للخلاص من نير الأرض ورغباتها، لتعود بنا الى نبع الحقيقة الأزليَّة، من حيثُ شارك الله عزَّ وجلّ خلقه في المحبَّة والخير والجمال. تخطُّ المستقبل الآتي، جسرُ عبورٍ إنسانيّ نحو عالمٍ أفضل، تجمعُ بين القيم والأخلاق وتحقيق العدالة والمُساواة، التزاماً بالجامعة الروحيَّة. همزةَ وصلٍ بين الفرد والمجتمع والسماء، تُلْهِم الأفراد اتِّخاذ القرارات الصائبة والنبيلة تجسيداً للقيم الرُّوحيَّة، مُلتزمين بها لإحداث التغيُّرات في المفاهيم الدينيَّة المتوارثة وفي الغاية من الحياة والوجود، تخطُّ أُفقًا للإنسان ليكون له دورٌ فعّال في تحديد مصيره من خلال أفعاله وقراراته والتفاعل مع التجارب والتحدِّيات. تتحدَّث عن كيفية توجيه حياة الإنسان وسلوكه قولاُ وفعلاً وعملاً للترفُّع عن الدنيويَّات وبلوغ جنَّات النَّعيم، حيثُ السعادة العظمى، ممَّا يُخوِّلُنا التقاء الحبيب ثانيةً في عوالمه الفردوسيَّة. وفي المسيرة البشريَّة لنموٍ شاملٍ عادلٍ ومتساوٍ وجعل العالم قريةً كونيَّةً واحدة.