مقالات

اتعظوا ثم عظوا … بقلم حليم دموس

تمهيد 

 

كان حليم دموس شاعراً وأديباً وصحفياً ومترجماً لبنانياً بارزاً، ولد عام 1888 في مدينة زحلة وتوفي عام 1957 في بيروت. يُعدّ من رواد النهضة الأدبية في العالم العربي. كتب الشعر والنثر، واهتم بالفكر والتصوّف، كما ترجم أعمالاً أدبية من عدّة لغات منها الفرنسية والبرتغالية.

هاجر إلى البرازيل في شبابه، وهناك برز نشاطه في الترجمة والكتابة. بعد عودته إلى لبنان، عمل في الصحافة والتعليم، وأسّس عدة صحف. كتب القصيدة، والموشحة، والملحمة، والشعر المنثور.

لقّب بـ«حسان» تيمنًا بإسم شاعر الرسول “حسان بن ثابت.”

في ١٣ أيار عام ١٩٤٢ ، اعْتَنَقَ الشاعر حليم دموس العقيدة الداهشية . فأحدثت إنقلاباً في حَيَاتِه التي تحوّلت ، حسب قوله ، من مادية محضة إلى روحية محضة . ورافق ذلك انقلاب في شعره ، فتحول من شعر مناسبات إلى شِعْرِ رُوحي إنساني .

كتب في المرحَلَةِ الدَّاهِشية من حَيَاتِهِ مُؤلَّفات عِدَّةٌ . منها ديوان يقظة الروح، ولَهُ مُؤلَّفاتٌ حَوْلَ الدكتور داهش والداهشية منها كتاب الوقائع الداهشية في ٢٠ جزءاً . كما نظم شعراً معظم مؤلفات الدكتور داهش نذكر منها “ضجعة الموت” و”الجحيم”. عرف بسرعته وغزارته ووضوحه في كتابة الشعر والنثر ، وبراعته في الإلقَاءِ حَتَّى لُقّب “بلبل المنابر .

والمقال التالي مأخوذ من سلسلة مقالات أرسلها الشاعر حليم دموس إلى مجلة “الدبّور” التي كان تربطه بمؤسسها يوسف مكرزل صلة صحافية وأدبية امتد تاريخها أكثر من ربع قرن. وتناولت سلسلة المقالات هذه، الظاهرات الروحية والمعجزات التي كانت تحصل على يدي الدكتور داهش، بالإضافة إلى تحليلها وتعليلها وتأثير الداهشية العظيم في نفس حليم دموس. وقد ضحى تضحياتٍ جبارة من أجل عقيدته متحمّلاً الاضطهاد الغاشم ومدافعاً ببسالةٍ عن مبادئها الداعية إلى الوحدة الدينية الجوهريّة والعودة إلى المثل العليا.

 

اتعظوا ثم عظوا ..
عظات ثمينة للمؤمنين بالروح الخالدة

بقلم الشاعر حليم دموس 

 

أمّا العظة الاولى فهي أن تدرك ايها القارىء العزيز ان الله قد خلقك متمتعاً بالحرية الشخصية . وهو قد خيّرك وانت في مرحلتك الارضية المحدودة بين الخير والشر . بين الروح وطموحها السامي . وبين الجسد ورغباته المادية السافلة .

أمّا العظة الثانية فهي أن تدرك ان الله قد خلقك في بيئة معيّنة ودين معيّن وفرض عليك بعض الواجبات الروحية. وإليك بعضها.

أن تمتنع عن الشرور والمنكرات وتتجه نحو المثل العليا متزيّناً بالفضائل وبمكارم الأخلاق .

فإذا أطعت وسرت في طريق الحق كانت نهاية المسير في مواطن الحق والخلود في السماء .

وإذا تمرّدت وسرت في طريق شهواتك الماديّة وفي طريق الشرّ والباطل كانت نهاية المسير في مواطن الشر في الجحيم.

وهذه الحقائق قد أعلنتها العناية على ألسنة الانبياء والمرسلين منذ أن وجد الإنسان.

ولا جديد تحت الشمس.

ومهما تجاهل المرء لهذه الحقائق الراهنة أو حاول انكارها فهو زائل وهي ثابتة . وإذا به بين ليلة وضحاها وقد سقط بين شدقي الموت الرهيب . وهو بعد إنطلاقه من قيود الجسد يمتحن بنفسه سخافة فلسفاته يوم كان على الارض. ويلمس رهابة تلك الحقائق الثابتة الصامدة صموداً سرمدياً .

أما العظة الثالثة فهي أنه من العار على االمرء أن يتجنّب الشر خوفاً من عقاب الجحيم . أو إنتظاراً لثواب النعيم .

فالرجل النبيل النبيل هو من يعمل الخير لأجل الخير ، ولأن الخير اولى بالنفوس الابية النقية .

فما نزرعه فاياه نحصد في هذا العالم ، وكذلك في الآخرة.

فالقبائح التي نحيا فيها كل زمان . والتكالب المادي الظاهر للعيان  من كل إنسانة وإنسان في كل مكان والاطماع الأشعبية وغيرها من الرذائل الدنيوية قد جعلت من هذه الارض جحيماً لا يطاق …

أمّا رغبة الله التي عبّر عنها منذ القدم على أفواه المرسلين والأنبياء والفلاسفة والعلماء فهي أن يبتعد الإنسان ما أمكن عن شهوات الجسد ورغباته ويكبح جماحها ويترفّع عنها ويستعمل المادة كوسيلة لا أن ينظر اليها كأنها غاية.

وأن يحيا الإنسان حياة إجتماعية عادلة يقيم فيه الميزان لإعطاء كل ذي حق حقّه محترماً حقوق الآخرين مثلما يريد أن يحترموا حقوقه . ومتمّماً جميع واجباته التي تفرضها عليه ظروفه.

فالذي يحبّ ربّه ويميل إلى الخير يكون رجلاً روحياً ، يتعشّق العدالة والقيم الروحية ويعمل في سبيلها ويكون رجلاً إجتماعياً صادقاً شريفاً يعمل لخير المجتمع الذي يحيا به، فيخلق على الارض كياناً جديداً تسيطر عليه قيم الروح من عدالة ، وحيوية، وإخاء، ومساواة ، ومحبة، ورحمة، وشفقة، وحنان، وهلمّ معي جرّاً من أمثال هذه الفضائل الروحية والنعم السماوية .

وهذا الصرح الدنيوي الجديد الذي يضمن للمرء حياة شريفة في هذه الارض اولاً ثم يقوده إلى نهاية سعيدة في السماء هو ما تنبأت عن حدوثه القريب الأديان كافة وذلك عندما تنبأّت عن فناء العالم وقرب حلول ملكوت السماء، ومجيء المسيح ثانية بمجده العظيم ليدين الاحياء والاموات عند مجيء اليوم العظيم.

وهذا الصرح المجيد سيبني لنا ذلك العهد الجديد مقتحماً جميع الصعوبات دائساً بقدميه جميع العقبات . وهذا الصرح يا طالب الحكمة والمعرفة هو الداهشية التي تدعو اليها أبناء هذه الغبراء . قبل أن تزلزل الارض وتزمجر السماء .

 

error: Content is protected !!