مقالات

ابنتي الحبيبة ماجدا

من الصعوبة بمكان الحديث عن الأديبة والفنانة ماري حدّاد المجاهدة في سبيل عقيدتها الداهشية الداعية إلى وحدة الأديان والعودة إلى المثل العليا، دون الإتيان على ذكر الحادثة التاريخية المأساويّة المتمثّلة باستشهاد ابنتها الأديبة ماجدا حدّاد في ٢٧ كانون الثاني من عام ١٩٤٥؛ تلك الفتاة التي ضحّت بزهرة شبابها على مذبح الحقيقة والحقّ الخالدين، إذ آثرت الانتحار كي تُسمع صرختها أمام الرأي العام بوجه الظلم والاستبداد والشرّ، فكان فعلُها فعلَ إيمان احتجاجاً على جريمة سجن وتعذيب ونفي مؤسّس الداهشية ومؤازرةً لمبدئها المقدّس وتعاليمه السامية وأفكاره الراقية.

فسكوتُ الجميع، من صحافة وقضاء وسياسيّين ورجال دين وعامّة الشعب، وتقاعسهم عن مساندة العدالة ومجابهة الطغيان والإجحاف في قضيّة الدكتور داهش، كان أحد العوامل الرئيسيّة الذي دفعها للتضحية بذاتها من أجلِ قضيّةٍ حقّة هي إرساء أسس الخير والعدل والحريّة والنور في أرض الظلام.

فكان دم ماجدا القاني شاهداً على الظلم الرهيب الذي تعرّضت له مع أفراد عائلتها الذين بذلوا الغالي والرخيص من أجل مبدئهم، مسطّرين آياتٍ خالدات في الصبر والثبات والتضحية والفداء.

ولم يكفِ ماري حدّاد ما عانته من إضطهادٍ غاشم من سجنٍ وتعذيبٍ وتشهير حتّى فُجعت بموت أعزّ ما تملك وفقدان حبّة قلبها، ففاضت قريحتها برثاءٍ صادقٍ وبليغ يبكي الصخرَ ويدمي القلبَ حزناً ولوعةً.



 

 

ابنتي الحبيبة ماجدا

 

في كلِّ لحظةٍ ، تحملُني خواطري الى هيكلٍ مقدّس من الظلّ والصمت . إِنَّه مَلاذُ أيّامي ومخاوف لياليّ . إنه سريرُك أجثو قربه ، يا ماجدا ، لأنّك دائماً هناك ممدّدة عليه ، في السكينة الأبديّة.

شفتاي تتلمّسان عينيك وجبينك الثلجيّ الجميل حيث يثوي صفاء الروح ، بلا أيّة ثنية ، في سكينة الجسد . فالزنابق تجمّعت من كلّ مكان ، وكوّنَتْ مضجعاً ملكيًّا لرقاد العذراء.

أجفانُكِ أطبقَتْ على أسرار الحياة والموت وما وراءَهما ، ففيِ حوزتك الآن معرفة الأسرار كلّها.

إنّ الرصاصةَ التي أطلقَتْها يدُك القاسية على صباكِ ، فاستثارَتْ آلامَ محبّيكِ ، تلك الرصاصة وضعَتْ حدًّا ، بلمحة خاطفة ، لصخَب حياة نشيطة مدوّية في كلّ ما تحملُ من معانٍ : في النظرة الناريّة ، في الحديث المُتَوقّد ، في الحيويّة التي لا تكلّ والإرادة التي لا تنثني.

والآن يَرين الصمت .

شعرُكِ ملتصقٌ بصدغيك ، متجمِّدٌ في الدم الذي انبجس بكلِّ ما في قوَّته الجديدة من اندفاع ، فأين ضفائرُكِ التي كانت تكلّل رأسكِ بإكليلٍ من البهاء ؟!

وأنفُكِ المرتعش كوَّنَ ينبوعين أرجوانيّين ؛ ومن شفتيكِ رسم الدَّمُ الدفيق تعرُّجاتٍ لا تمَّحي بحروفٍ مُحرقة ، لكنّ حاجبيكِ وعينيكِ وجبينكِ لم تُصَبْ بأيَّة لطخة ، فجمالها مَصون ، وهي تعكسُ العظمة وازدراءَ كلِّ ما ليس نُبلاً ونقاءً.

إنّها تعكس احتقارَ الكلماتِ الباطلة والأفكارِ الدنيئة الخبيثة ؛
تعكسُ كلّ ما هو نقيٌّ ومُقدَّس في الفكر والعاطفة ؛ تعكس السلام الأبديّ في الحبّ الأبديّ : ذاك الذي يُوجد على تخومِ فردوسٍ فُقد في الماضي السحيق ووُجد الآن في الغبطة الخالدة .

لا تستيقظي يا بُنيّة ، إنَّما دعيني أبكي وأبكي لأنّي ما زلتُ هنا عند سريرك ، بينما الموت قد غيّبك.

لا تستيقظي ، فليس في الحياة ما يستحقُّ أن تُفيقي من سباتٍ جميل كسُباتك . فجميعُ الكنوز حملتِها معكِ ، حتّى قلوبنا ووجوهنا .لكنْ دعيني أثمل من ألمِ ما تبقّى لي .

دعيني أُقبّل أجفانكِ المطبقة وجبينكِ الناصع . أَودّ أن أُبعدُ عنه هذه الضفائرَ المخضّبة.

دعيني أقبّل يديكِ وذراعيك اللتين ما برحتا غضَّتَين ، وألمس الثوبَ الصغير المتواضع الذي كثيراً ما كويتُه لكِ .

دعيني ألمس هذا الجسد الذي كان دائم الارتعاش ، وهاتين القدمين اللتين أتمّتا الآن مسيرهما السريع.

لا تستيقظي ، فكلِّ صباح نستيقظُ في الأرض على الأوجاع، وكلَّ ليلة نموتُ في الهمِّ والغَمّ.

إنّ حبَّنا يحيط بكِ مع الزنابق . فلتتفتَّح الزنابقُ أكثر في دموعنا ، ولتخفرْكِ وتُغدقُ عليكِ أريجَ عطورها.

إنَّ الهيكل المقدّس حيث تنتظر ينني دائماً ، ثاويةً بين الزنابق ، هو محطّةٌ مختارةٌ لي ، هناكَ أذهب أطلبكِ في قلبي ووحدتي.

تُرى ، أَأنتِ التي تعودين عندما يهبُّ الهواءُ مالئاً أنفي بالطيب والبخور ؟!

أَأنتِ التي تنادينني في نومي وتومئين إليّ ؟!

ليتَ شِعري ! أَأنتِ التي تتقدّمين للقائي ، مشيرةً بيدكِ نحو آفاقٍ فردوسيّة ؟

أما انتهى نهاري بعد ؟ سأنتظرُ عند سريركِ ، وشفتاي على أجفانك الباردة… فهاتي يَدكِ .

في ٢٠ تموز ١٩٤٥

والدتُك الحزينة
ماري حداد

لفت نظر :

هذه المرثية كتبتها في “العصفورية” بأثناء احتجازي القسريّ بأمر من السفّاح المجرم بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية ، ليُدخل برَوْع الشعب اللبناني أنّ الكتب السوداء التي نشرتُها ووزّعتها عن فضائحه وارتكاباته وجرائمه إنّما كتبتُها وأنا غير مكتملة العقل . ولكنّه أُرغم على إطلاق سراحي بعد تهديده بفضيحة شائنة مُزلْزِلة – مُكرهٌ اخوك لا بطل –

وأُخرجَتْ ، أيضاً ، معي امرأة وابنتيها كانوا محجوزين بأمرٍ منه، نزولاً على رغبة أحد الأنذال ليستولي على أملاكهما ؛ والشيخ بشارة له علاقة مع زوجة هذا النذل . ومن أحبّ معرفة أسرار هذه الجريمة الشائنة فليطالع كتابي “أسرار العصفوريّة بلبنان وفضائحها المخزية” .

وقد رفضتُ ” ان أغادر العصفورية ” إلاّ مع الامرأة المسكينة وابنتيها. وخوفاً من تنفيذ نشري كتاباً أسود عن الفضيحة المخزية التي ستدكّ أسس بشارة الخوري وتُحقّره بأعين كلّ من سيطّلع على الفضيحة المزلزلة التي سأنشرها مع وثائقها ، اضطُرّ الطاغية ، مرغماً ومُكرهاً ، لإطلاق سراحهم وسراحي ؛ وكانوا قد أمضوا بضع سنوات في “العصفورية” .

فيا لهذا المجرم السفّاك الذي يستحقّ الشنق عدلاً وحقّاً .


من كتاب “الحمامة الذبيحة”، جمعته زينا حدّاد، ص. 291-294.

error: Content is protected !!