تأملات في كلمات النبي الحبيب
بقلم الكاتب يوسف سلامه

أنا أعرف الأحزان، والأحزان تعرفني، وقد تعارفنا وتحاببنا، ولا غنى لأحدنا عن الآخر.
هنا يرينا الدكتور داهش مثالا عن نفسه في معنى تحمل ما ينتابنا كبشر في عالمنا المادي الموبوء. فالحياة ملازمة للجسد، وعلينا تقبلها لأن مجريات الأمور تؤول بنا إلى التعرض للأحزان، بسبب الآلام الجسدية، أو فقدان حبيب، أو بسبب غدر صديق أو احتيال سارق خبيث لبس ثوب إنسان بار صديق ثم ظهر على حقيقته بجريمة أو جنحة ما في الغدر أو الجريمة.اذا تقبل الحزن نتيجة عدالة السماء، لأمر هام يقطع سلسلة ملامة الخالق والحياة، اذ بحكمة تعالج الأمور بمشيئة الله.
لا شيء يثير دهشتي أكثر من رؤية ذلك الشخص يرتجف رعبا وفرقا أمام شبح الموت الذي سيزيل عنه آلامه، ويلاشي أوصابه، ويدنيه من أحلامه، ويدخله حيث رياضه وغياضه.
هنا نرى نظرة الدكتور داهش كنبي متعجبا من إجفال الناس التي تجتاز عالم الآلام وهم في نفس الوقت يئنون متشبثين بدنياهم الملأى بالزلات والآلام المفاجئة والغدر والخيانة والجريمة على اختلاف أوجهها. بالطبع كلنا كبشر نخشى لحظة الفراق هذه لما ستؤول إليه من دخولنا في عالم المجهول. لكن، ألا يفتكر الإنسان بأن الله عز وجل من أوجد سيالاتنا في الحياة، هو نفسه ينقلها وبإذنه حيث تستحق. فإن كان وعينا على هذا الكوكب الأرضي محدود، أيعصي الله خلق عالم نكون فيه أكثر وعيا ودراية، إلى ما شاء الله بنعمته ورحمته ولطفه. لكن الله على كل شيء قدير. وقد فتح لنا بمشيئته باب الخلاص في العودة والعيش في عالم الروح النقي الخلاصي، حيث نكفأ بكل سيال منه.
أنا لا أستطيع أن أصف شدة حزني وما أعانيه من الأتراح فوق هذه الأرض، بألم مادي من صنع البشر.
ترى أليس احتمال النبي الحبيب الآلام عنا رأفة بنا وتخفيفا لأوجاعنا.فهو المسيح العائد، بحسب التعاليم الموحاة، وعيسى المنتظر بحسب الوحي القرآني السماوي، فيه سيالات من سيدنا آدم الذي زل في امتحان روحي وهو البار، فانتقلت سيالاته إلى من يستحقها، ألا يحمل قبلنا مسؤولية خطأ وحزن على من يعاني آلام الحياة في العذاب.نقول نعم. إذن، آلام الحبيب نتيجة ما يعاينه بسببنا وبنا لهو تفاعل روحي يقوي من عزيمتنا ويمنحنا النجاة وقت الضيق لنحمل بدورنا مسؤولية ما نجنيه من خطايا، نتيجة أفعال اقترفناها بأيدينا وبإرادتنا، كما نحاسب على كل عمل نقوم به وفق عدالة روحية ترد أفعالنا أما مكافأة لخير او عقابا على نقيصة ارتكبناها.لكن الألم من صنعنا، وبمقدورنا ان نبعده عن ذهننا مع التفاعل الحسي معه في اي لحظة، فننجو. فروح النبي الحبيب الجامع نحن مخلصون، بالتزامنا معه…
لا شيء يقوض حياة الانسان كالآلام النفسية.
وفقا للتعاليم الداهشية، نفهم وندرك أنه ما أن تمسكنا بالمبادئ الروحية التي تحض على فعل الخير بالإنسانية، صرنا عرضة للتقلب وفقا لتيارات هذا العالم الفاني من عقائد وتعصبات مذهبية وطائفية وحزبية تشدنا وتحدف بنا إلى حيث شاء زعيمها او أفرادها. وإذ تثبت التعاليم الداهشية كل إثبات بشهود عاينوا المعجزات يعدون بمئات الآلاف، وهم ثقات من جميع الأوساط الاجتماعية والمهنية على اختلافها، تيقنا إذ ذاك أن تعاليم الحبيب فيها عتق خلاصي روحي من قيود المادة الفكرية على أنواعها.إنه لفي كلمات النبي الحبيب السابقة الذكر، في معانيها الروحية العميقة، تحذيرا للقارئ من مغبة السقوط والاستسلام لجميع المظاهر الخارجية الحسية الفانية الدافعة لليأس والقنوت وتسليم الذات للأهواء المادية الآيلة بالبشر والكائنات إلى الجحيم الفكري كل بحسب ما اقترف من أعمال سيئة. ويظل الأمر بيدنا ان نبعد الأفكار السيئة عنا مع استعانتنا بالصلاة والصوم وعمل الخير.
نحن ظلال سرعان ما تمر في وادي الحياة وتتلاشى.
إن حقيقة الأمور المادية لخاضعة للتقلب، وزائلة .إنه تحت ظل رحمة الله للكائنات جميعها بما فيها الحجر، وما يظهر للبشر أنه جامد لا روح فيه، أنعم الله تعالى على جميع الموجودات بالتقمص، فيبعثوا للحياة مجددا مرات كثيرة جدا تكاد لا تحصى، كرحمة لتطهير النفس ومحاولة النهوض حيث سقطوا. أما تكرارها فهو بحسب ما اجترحناه من أعمال تطهيرا ودرسا وامتحانا لنا للابتعاد عن الرذائل بأنواعها المقيتة كانتهاك شرف الآخر والاعتداء المعنوي والجسدي في الافتراء.وإذ أن عمر الإنسان قصير، والديمومة والبقاء لله عز وجل كانت المادة ظلا وهميا وسرابا خادعا استحقينا العيش فيه بإراداتنا، بعد تدني سيالاتنا من عوالم النعيم الروحية. لكن الله برحمته سمح لنا بالعودة، لكن بعد الجهاد المرير في الروح ليعود فنستحق الحياة في عالم الروح الخالد.وبحسب العمل نجازى، فإذا كان شديد الشر، استحقينا عقابا رهيبا قد يجينا إلى ما هو اسفل منه. اذن لا مناص من فعل الخير، تجنبا لآلام وحياة كل الكائنات بغنى عن عذابها الرهيب الآتي، بما فعلت.
ما أعجزني عن إدراك سر الحياة ولغز الموت.
في عبارة الحبيب الروحية تأكيد لنا على أنه يستعصي حتى على الأنبياء عليهم السلام أنفسهم سبر غور سر الحياة ولغز الموت ما لم يعلن لهم من الله عز وجل بوحي روحي ما ينبغي لهم معرفته، وما ينبغي لهم إعلانه للبشر أيضا. فلا مساعدة روحية إلا من الله، يعلنها بإلهام ووحي يشاءه في وقته تعالى.
ما أعظم قوة الله وما أرهب جبروته!
الإيمان بالله عز وجل خالق السماوات والأرض وما دونهما من عوالم أيضا هو شيء حتمي. إذ قامت الرسالة الداهشية السماوية على مبادئ تهيب بنا بالإيمان بالخالق الواحد الأحد عز وجل وبخلود الروح التي خلقها، وبالسيالات الروحية المنبثقة منها، ثم الإيمان بالعدالة السماوية المقتصة من فعل الشر والمكافئة عمل الخير، ووحدة الأديان السماوية التي منبعها واحد.إن الإيمان بالله الواحد العالم منذ الأزل بما يحصل الآن بكل دقة محصيا حتى عدد ذرات كل منا، والعالم بما سيحصل حتى عند انقضاء الدهر، يمنحنا السلام والاطمئنان الروحي والنفسي لنتدبر أمورنا بوعي وبصيرة في عمل الخير في كل تقوى.
ليت البشر يعتنقون مذهبي الذي يرمي إلى الانعتاق من ربقة هذه الحياة المليئة بالشرور.
يحزن النبي لدى رؤيته البشر عامهون في الضلالة، تائهون في بيداء الحياة، ساقطون في التجارب، بل ومضطهدين الأنبياء دون سبب. لأنه عالم بأنهم سينالون وأبنائهم الذين أذعنوا لهم عذابات رهيبة جدا. فالرحمة في الأنبياء المستمدة من الخالق عز وجل والمحبة والتسامح تسبقها الأعمال الصالحة هي دينهم. فمعرفتهم هذه منطلقة من قناعة عن الأسباب المودية بنا كبشر إلى موارد التهلكة، على أنهم أنفسهم عليهم السلام زلوا في مواضع ما، لكنهم انتصروا في النهاية مكللين بفوز عظيم بالعودة إلى الديار العلوية التي لا يستطيع قلم أديب لوذعي وصفها.
أنا غريب في هذا العالم، وكم أحن إلى تلك الساعة التي أعود فيها إلى وطني الحقيقي.
يقابل عوالمنا الأرضية، عوالم أرقى منها أضعافا مضاعفا. عالم سيالاته الروحية تأتي بترددات تفوق المادية منها بمراحل كثيرة، ناهيك أيها القارئ العزيز عن عوالم الروح التي تقطن فيها الملائكة الأطهار والمنفذة كلمة العلي والحافظة إيانا والأكوان من الهلاك. هي عوالم روحية لا تشوبها أية شائبة مادية، فهي تعلو السيالات الراقية على ذروتها.يحن الحبيب إلى عالمه النقي المبارك الذي جاء منه. فكل ما دونه يشهد بذلك وهو معدن الطهر والصدق، انه عيسى عليه السلام في مجيئه الثاني، إنه الدكتور داهش من عوينت معجزاته التي لا تدحض، والأمم مندهشون وموقونون أن من يجالسهم هو إنسان بار وعلى دراية عالية بمكنونات الحياة وعلومها بما وهبه الخالق عز وجل من إلهام ووعي معززا بالوحي الإلهي المتجلي بكلماته الخالدة عن الحقائق الروحية.
ما أرهب الأبدية، وما أعمق المجهول!
يضعنا الدكتور داهش في هذه الجملة العظيمة أمام واقع أنفسنا كبشر. فمن وجهة نظري، أرى في الصيغة التعبيرية للجملة اندهاشا أمام قدرة الباري جل جلاله. فمهما بلغنا بسمو علمنا وتطور عصرنا نظل عاجزين من منظورنا الضيق أبدا عن اكتناه أسرار ما يمكن أن تحويه أيام الدهور المقبلة على زوالها وولادتها في أماكن يشاءها الله لنا بحسب حكمته الأبدية وما أوصلنا سيالاتنا إليه بإرادتنا. كما أنه مهما بلغنا من معرفة علمية بأعيننا المجردة او بأكثر منظار او ميكروسكوب تطورا نظل جاهلين بما يحويه الكون من علوم لا حد لها. وكما ورد في القرآن الكريم: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.)- صدق الله العظيم. فلنخشع اذا جنبا إلى جنب سائلين المولى الرحمة بكل تواضع تثبيتنا في كل عمل يرضيه ويشاءه.
للإنسان بعض ذكريات يخشع أمام شبحها المتواري بقدسية وتبتل.
في كثير من الأحيان يتعرض كثيرون للغرق في حياة لحمتها الأوهام وفقا لما صورها لهم عقلهم، فالإنسان يرى بفكره لا بالضوء المحسوس. إذا كان البصر مهما فالبصيرة الروحية فينا طاغية، وهي ما تري الإنسان ما يقتنع به بحسب الوجهة التي يفكر فيها. فإذا اشتعل حبا بشيء ما وشغف به كان له كالماء للصحراء، فكل ما يشتهيه الجائع حلو في نظره، وهذا ينطلي على الفكر أيضا بكل تأكيد. إن الماضي قد ولى وأفل ولا سلطان لنا عليه لتغييره. كذلك المستقبل، لا قدرة لنا على تحويله كما نشاء. كل ما لدينا هو هذه اللحظة. وفيها اذا اقتنصنا فرصها بحكمة، نحدد مصيرها. وهذا يقتضي جهادا ضد مغريات العصر بمساعدة الغير ونثر بذور المحبة الأخوية الإنسانية أينما وجدنا.أما الذكرى الموقظة في عقولنا فإما نتعلم من عبرها درسا نحيد فيه عن الخطأ اذا ما ارتكبناه او نخشى لكل عمل جليل نراه في الناس مشجعين إياهم على المغامرة والثبات فيه.وذلك بالنظر الصافية البريئة المطورين فيها منذ ولادتنا، والتي توصلنا للتسليم التلقائي لمشيئة الله في ما نراه، فننبذ المادة متمسكين بكل نور لامع في الحقيقة، التي ندركها في المعرفة فتحررنا، بكلمة الله في الكتب السماوية على حد سواء. لا بتفسيرات بشرية، بل كما هي من الله. ان الله محبة، وهي الدواء المطلق لكل عاهاتنا النفسية، والمحرق أبدا عاداتنا السيئة.
الحياة سفينة عظيمة رائعة تمخر في بحر، ماءه الآثام البشرية الطافحة، وأمواجه شهواتهم البهيمية الطامحة، وشطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
إن عاقبة الغرق في جحيم الأفكار السيئة التي تقودنا لمواطن الضعف وجواذب السيالات السفلية هي كما أشار إليه وأكده الدكتور داهش، الموت بالآلام. فما من قوة يمكنها التأثير في إنسان سار في الطريق القويم ورأى الأمور على حقيقتها بمعرفة الحق المحرر.هذا ما علمتنا إياه التعاليم الداهشية عن رجل الروح الدكتور داهش.وإذ نحن في الواقع قد وقعنا في الحياة الأرضية التي لحمتها قوانين المادة، ما علينا سوى التمسك بالمبادئ الروحية التي هي أصل الثبات والراحة في النبي الحبيب الذي انتصر على كل الماديات بسلام مستمد من العزة الإلهية لاستحقاقه في الجهاد الروحي الذي يفوق الخيال.فما أن نثبت فيه وهو سيد الملكوت الروحي في الدرجات العلوية حيث الشخصيات الست والسيال العشرين، نستمد أيضا قوة لنرى الأمور على حقيقتها فنستريح في الله ونبني أمورنا وفقا لأعمال الخير في الإنسانية بنظرة الروح المتواضعة العالمة بالأمور من عالمها، فتزول إذ ذاك العقبات والمادية والأفكار والظنون والوساس السائقة إيانا للغرور وحسد الآخر، منسحقة كالزجاج في شظايا كسراته، فما يؤذي الانسان ويدمره إلا نفسه. وما من طريق إلا بالسير في طريق الحق والنور واليقين، كما قال الهادي الحبيب في صلاته العطرة المباركة.
جميع لذاذات هذا العالم وهمية فانية.
تتراءى للإنسان أحيانا تصورات من نتاج العقل المادي فيعزوها ويعللها بأمور هي منطقية في نظره. فمثلا، قد يدخله سيالات سفلية كالغرور والحسد، فيصور له عقله المادة على أنها كنز في إشعاعتها، ويخيل له ان العصر بات لا يسير إلا بالامتلاك والسيطرة على الغير والتجبر لفرض النفوذ، كما يصور للبعض أنه بالتنمر يحلون مسائلهم فيعتدون على الضعيف اذا ما رأوا منزلته عند الناس في الخير ترتفع، ويخافون على مكانتهم وأي مكانة! إنهم في حقيقتهم لجبناء حتى النخاع وأمجادهم الدنيوية التي يكنزون ذهبهم فيها وهم باطل ينخره السوس ويفسده الصدأ كما قال السيد المسيح عليه السلام.إن الكنز الحقيقي هو بترقية النفس والقناعة بالقليل ما يجلب البهجة والصحة والعافية للإنسان. أما من يكرر نفسه لكنز مدخراته فلن يجني إلا الهموم والضغوط فالأسقام التي تكاد تكون دون نهاية، ناهيك أيها القارئ العزيز عن المستحدث منها.