الفنون

مسابقة فن التصوير بين أقطاب الرسّامين الإغريق: زوكسيس وبرهسيوس 

مسابقة فن التصوير بين أقطاب الرسّامين الإغريق
زوكسيس وبرهسيوس 
صفحة جميلة من تاريخ الحضارة الإنسانية 

بقلم المهندس جوزيف خوجا

إن قلبي يَخفِقُ بالحُبِّ للجمال، ومن أدرك سِرَّ الجمال،  فإنَّهُ قد خطا خطوات واسِعةً، في فهمِ أسرارِ الأزل والخُلود. 

“كتاب ضجعة الموت” مؤلفه د. داهش

 

Swiss Artist Angelica Kauffman 
Zeuxis Selecting Models for his Painting of Helen of Troy¹

ما أصدق القدماء حين قالوا إن ” الفن خالد، أما مراحل الزمان فعابرة إلى زوال”، قاصدين إلى أن الفن يبقى بعد الإنسان، ما جعل له قيمته المعنوية الخاصة وخلع على مبتكراته الجميلة أهمية إستثنائية. هكذا كتب وزير الثقافة المصري عكاشة وتابع قائلاً، إن “الفن نهج لإبداع الجمال والتناسق والنظام أشبه بلغة خاصة مختلفة عن اللغات التي يتحدث الناس بها، لغة قادرة على التعبير عن الإحساسات والمشاعر والعواطف “…  

لقد كان الإغريق يؤمنون بالصلة التي تجمع بين “الجمال” والفضيلة” وكانوا يسمونها “كالوكاجاثوس” أي إتحاد الجميل والفاضل (كلمة الدكتور داهش في الجمال ) ويكشف لنا ترتيب شُقّي هذا اللفظ اليوناني عن صدارة “الجمال” ومكانته الرفيعة وعلى هذا النحو بنى الإغريق أخلاقياتهم على أسس جمالية ووضعوا الفنون في هذه المكانة السامية التي أثارت إعجاب جميع الناس بها وحركّت فيهم الولع بممارستها… 

حتى إن للكون في اللغة اليونانية اسم بليغ هو “كوزموس” الذي يعني “النظام” كما يعني “الِحليَة” أو الزينة، والموسيقى هي صدى لهذا النظام… وبذلك نلمس أثر هذه العقيدة “الجمال” والفضيلة” فيما تركوه لنا من الأعمال الأدبيّة والتحف الفنيّة… كما يقول  الناقد الفنّي الفذ جون راسكين John Ruskin   “أن الجمال منبثق من الكمال المقدس” أو هو إنعكاس له وأنه مرتبط “بالخير” وهذا الذي كتبه لنا مؤسس العقيدة الداهشيّة،  ” في مفهوم الجمال المنبثق من الحقيقة الإلهيّة”… 

هذه صفحة من تاريخ الزمن، نقلها لنا المفكر سيشرون في كتابه De inventione الجزء الثاني في القرن الأول قبل الميلاد ومن بعده المؤرخ بلليني في موسوعته العظيمة والتي تتألف من 37 جزءاً والتي تتضمن العلوم والفنون، من رسم ونحت، ذاكراً أعمال مصورين عظماء وكذلك نحّاتين خلّدتهم أعمالهم، التي طمرتها الأرض لحين من الزمن، ثم لفظتها من جوفها لنشعر بعظمة التاريخ القديم، فتذكرنا بحادثة تمثال اللاؤوكون وولديه ومأساة طروادة، ثم ثور فرنيزي وقصته المعبّرة وجمال تماثيل براكستيليس العظيم، ولمصورين عملوا في الفن اليوناني فجعلوا الجمال مرادف للحقيقة،  كما  قال أفلاطون ومن بعده أرسطو  وقبلهم سقراط…
 

Blaise Alexandre Desgoffe, Still Life with Fruit, Glass of Wine, 1863 Dahesh Museum of Arts²

 

حادثة الفنّانين زوكسيس  Zeuxis  وبرهسيوس  Parrhasios 


كتب لنا المفكر سيشرون وبعده المؤرخ بلليني عن، مصور يدعى زوكسيسZeuxis  عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، ويقول إنه اكتسب شهرة لقدرته الرائعة في تصوير الحياة الساكنة من خلال فنِّه. وكان شخصاً مغروراً بنفسه، جريئاً… وكانت بلاد اليونان كلها تُسِر من غروره وتتحدث عنه بقدر ما تتحدث عن أي حاكم سياسي أو قائد حربي، ويقال أنه كان أثناء إقامة دورة الألعاب الأولمبية يتنقل  بتباهٍ في قباء طُرِّزَ عليه اسمه بالذهب، إذ كان ثرياً جداً بفضل عملِهِ كمصور… 

 وكان الملوك يعدّون أنفسهم سعداء حين يحصلون على لوحاته كما كانت المدن تقتني منها أكثر منهم … وكان فن المنظور وتوزيع الضوء والظل هما اللذان رفعا من شأن زوكسيس وجعلاه “أعظم المصورين” (حوالي 424 ق.م. قادما إلى أثينة).  

ولم يكن تصغير حجم الأشخاص شيئاً فشيئاً معروفاً مع بعد المسافات بواسطة تنظيم الضوء والظل أو الشكل حتى تقدم الفن معه، ويذكر المؤرخ بلليني إن أبولودورس Apollodorus قبله، كان “أول من رسم الأشياء كما تبدو حقاً” . 

ولم يكن في جيل زوكسيس  إلا منافس واحد هو بارهسيوس، Parrhasios ، الذي لا يكاد يقل عنه في عظمته، ولم يكن بالتأكيد أقل منه عجباً بنفسه ويلقب نفسه “أمير المصورين” ويقول إنه أوصل الفن إلى درجة الكمال.  

ومن أخباره الغريبة، وربما تكون من الشائعات، إنه اشترى عبداً وعذبه لكي يدرس مظاهر الألم على وجهه فيرسم صورة مأساة بروميثيوس (الذي عاقبه زيوس رب الأرباب فجعل نسراً ينهش كبده في النهار ليعود يتجدد في الليل فيعود النسر ثانية في الصباح وهكذا، حتى أنقذه هرقل بعد زمنٍ من محنته وآلامه) …  

وكان واقعياً كما زوكسيس في رسومه، ويقال إنه إستطاع أن يصوّر عدّاء وكان الناظرين يتوقون أن يروا العرق يتصبب من الصورة، وأن يروا العدّاء نفسه يسقط من فرط الإعياء…  

 

Zeuxis and Parrhassius by Joachim von Zandart Engraving work 1675³

 

وأدى التنافس الشديد بينه وبين زوكسيس إلى اشتراك الرجلين في مباراة عامّة، لتحديد من منهم الفنّان الأعظم. وكانت ظاهرة مباريات التنافس في التصوير تعقد دورياً كل أربع سنين، آنذاك في دلفي وكورنثة، وكان منها التي حصلت في عام 470 ق.م… 

ولما حصل اللقاء رفع زوكسيس الستار عن لوحته، وكشف عن رسماً يحتوي بعض عناقيد العنب، بلغ من إتقانه ومشابهته للعنب الطبيعي أنه ضلَّل الطيور التي هبطت من السماء لتلتقط بضع حبّات منه لأكله، وأعجب المحكمون أشد الإعجاب بهذه الصورة. 

 ووثق زوكسيس من الفوز وثوقاً جعله يأمر الفنّان الإفسوسي بارهسيوس أن يزيح بدوره الستار الذي يخفي وراءه الصورة التي رسمها، فلما تبين أن الستار جزء من الصورة وأنه قد خُدِع، اعترف في غير حقد بهزيمته… وقال كلمته المشهورة: 

“لقد خَدَعتُ الطيور، ولكن بارهاسيوس خَدَع زوكسيس“… 

لقد أصبح فن المنظور عظيم الأثر، مع زيوكسيوس وبارهسيوس، إذ أصبح يمثل الأشياء كأنها بارزة حقيقية نحو الناظر إليها، واستحال التصوير مما كان يُرى إلى ما يُحسّ، “وأصبح الغرض من هذا الفن هو الإستحواز على جوهر الإشياء الذي ينيرها”، أضف إلى جمال مظهرها المادي، وكل ذلك باستخدامهم اللون والشكل، وبذلك جعلا الحركة تأخذ محل السكون، والحياة محل الجمود، بفضل ابتكار فكرة العمق أي البعد الثالث للرسم الفني…

 

 French Artist Francois-Andre Vincent⁴ 

 

ولم يفقد زوكسيس بخسارته المسابقة  شيئاً من شهرته، فقد اتفق كبار أهل بلدة كورتونا على أن يرسم صورة لهيلان حبيبة باريس (البعض يقول فينوس والبعض جونو)، لتوضع في معبد هيرا اللسينية Lacinian Hera  ، ووضع شرطأً أن تقف أمامه، عاريات، أجمل خمس نساء في المدينة، ليختار من كل واحدة منهن أجمل ما فيها، ثم يجمع مما أخذه منهن في صورة لربّة الجمال… 

ويذكر النقّاد نظرية المثل الأعلى الجمالي ويقولون: 

كلما توجهنا بالنقد إلى شكل من الأشكال لنصفه بطول العنق أو انكماش الصدر أو ترهل الخصر اعترفنا في حقيقة الأمر بوجود المثل الأعلى الجمالي… وهكذا  كان على الفنّان نظرياًّ أن يختار أكمل الأجزاء من أجساد متعددة ويوائم بينها في شكل واحد، وهو ما لجأ إليه الفنان اليوناني زوكسيس عندما شكل صورة فينوس أو هيلين مستوحِياً أجمل خمس عذارى في كروتونا… 

 وإتجه بعده الفنان البرخت دورر إلى أبعد من هذا، ليعترف بأنه استلهم أجساد أكثر ثلاثمائة فتاة. وكذلك فعل ليوناردو دافنشي أيضاً وغيره… وهو ما يثير فينا التساؤل عن كُنهِ ذلك النموذج المثالي الذي بمقتضاه انتقى زوكسيس أذرع عذراواته الخمس وأعناقهن وصدورهن!. ..
 

The Callipygous Greek Women, arguing who would be the most beautiful by Painter Robert-Jacques-Francois Lefevre⁵

 


ويكتب مُعلِقاً وزيرالثقافة المصري عكاشة في كتابه “حتى إذا افترضنا وجود مثل هذه السمات المثالية في بعض الأفراد فإنه يتعذر تصوّر جمعها في كيان واحد، إذ أن جمالها مرتبط بوجودها في مكانها الأصلي فإذا نزعناها منه جرّدناها من إيقاعها الحيوي الذي يمدّها بما نصف به من جمال.” أي أن مفهوم الجمال في عالمَنا البشري ما زال نسبياً، ولا ندري عن حقيقته في العوالم السماوية النقيّة.  

 

Edwin Long. The Chosen Five⁶

 

ويذكر المؤرخين، أنه في الزمن القديم كان يجد فن التصوير اليوناني منتشراً حتى في رومة وأيضا في مدينة بومبي الإيطالية، في الهياكل والمساكن، حتى في كل الأروقة والميادين، وكان يعثر فيهما على الكثير من أعمال كبار الفنانين اليونان الأقدمين أمثال بوليجنوتس  وزيوكسيس Zeuxis  وأبليز Apelles  وبروتجنيس وغيرهم.  ويقولون أن هذه الأعمال لم تكن أقل قيمة أو أقل تقديراً في الإمبراطورية الواسعة الثراء آنذاك، من صور عهد النهضة الأوروبية في أميركا الغنيّة في هذه الأيام.  

 ولم يبق آثار من هذين المصورين ، زوكسيس  Zeuxis  وبرهسيوس  Parrhassius، مما يذكرنا بأن الجمال أو الخلود الفني يستطيع أن يسخر إلى حين من الزمن، لكنه ليس إلا لحظة عابرة في حساب الأزمنة والتاريخ…  


هوامش اللوحات:

1- Angelica was elected a foundation member of the Royal Academy in London in 1768 with Mary Moser. She was Elected in the famous Accademia di San Luca (Rome) at age 23. The painting depicts Zeuxis choosing five different women to combine their best features into a single idealized portrait of Helen of Troy .The women looks happy rather than afraid…and on the right the female picking up the brush represents the artist herself  

2- Blaise Alexandre Desgoffe: ولد في عائلة موهوبة في الفن والجمال، عمل في التصوير مثل والده وابن عمه، شارك في العديد من المعارض الفنيّة المهمة ونال من خلالها العديد من الجوائز، منها ميدالية  الدرجة الثالثة في العام 1861 وميدالية الدرجة الثانية في العام 1863 وحاز وسام الشرف من رتبة فارس (Chevalier legion d Honneur ) العام 1878، والميدالية الفضيّة في المعرض العالمي Exposition Universelle)) العام 1900.
The critic Roger Ballu, in his book Painting at the 1880’s Salon, wrote: the word skill seems to be made up for his painting; the visitors feel that nobody can go farther in trompe l’œil  

  

3- Etching illustrates the Ideal Form: Zeuxis Composed Juno from Five maiden models… And the competitive rivalry between the master painters, Zeuxis and Parrhassius.
رسام ألماني عمل أيضا في فن صناعة الستامب منذ سن التاسعة والبعض يقول الخامسة عشر، معروف بكتابه الشهير لسيرة الفنانين الألمان Teutsche Academie لذلك لقّبه البعض بفاساري ألمانيا، عمل لاحقاً في رسومات لكنائس عديدة بطلب من البابا أوربان الثامن، وبعد ذلك رسم الأمبراطور فردينان الثالث، رُفِع إلى رتبة النبلاء، كما نال ألقابًا أخرى ومن أهم ما طُلِب منه، شرف الإشراف على تنفيذ ضريح الرسام البراخت دورر…”  

 

4- Wishing to convey the idea of perfect beauty, Zeuxis selected the five most beautiful young girls of Croton to serve as models for the image of Helen on his painting.

يعتبر الفنان Vincent  من أهم المصورين النيوكلاسيكيين، وإعتبره البعض المنافس للفنان المعاصر له David . حصل على جوائز عديدة منها جائزة رومة المهمّة وهو في الثانية والعشرين من عمره، وميدالية جوقة الشرف Legion d’Honneur… متزوج من الفنّانة Adelaide Labille-Guiard  وكانت عضوة في أكاديمية القديس لوقا المهمة بفرنسا ثم عضوة في  الأكاديمية الملكيّة الفرنسية للفنون (ولنا عودة لدورها ودور المرأة في الأكاديميّة). أما عن موضوع لوحته فيقول الخبراء، أن ما تضمّه من توزيع المجموعات يؤدي دوره في النسق الفني العام تكويناً ونظامًا وفي الحركة،  بحيث لا نشعر يأي فراغ ما بينها، فمن اليمين إمرأة توآسي فتاة لم تنجح في المسابقة، ثم في منتصف اللوحة مجموعة فتيات وأمامهم إمرأة تلتقط ثياب فتاة، تقف خلفها وظاهرة القلق والخوف بادية من إيماءات إنحناء رأسها، لظهورها عارية، أما زوكسيس فيجلس مادًا يده، وبجانبه  معاونيه وحركاتهم ونظراتهم متجهة نحو الفتاة، ويبدو في العمق تمثال لمينرفا أو آثينا وبقرب المصور أغراض يونانية كالطاولة وإناء الخزف ليشعرنا بمكان وتاريخ الحدث…

5- Refer also to the sculpture “Venus Callipyge” by Francois Barois

6- Long was elected as an Academician in 1881 in the Royal Academy of Arts. Refer to Dahesh Museum of Arts For his work Loves Labor Lost 
في هذه اللوحة لا تعرف السيدات المنتخبات للمسايقة الخوف أو الخجل، لتلتقي فكرياً مع لوحة الفنانة Angelica Kauffman.

 

 

مراجع المقال :

      • متحف داهش في نيويورك  

        • د. ثروت عكاشة كتاب الرينيسانس 

          • د. ثروت عكاشة كتاب الزمن ونسيج النغم 

            • قصة الحضارة ول ديورانت جزء 7  

              • موسوعة ويكيبيديا وموقع غوغيل 

            error: Content is protected !!