الفنون

لوحة وقصّة: زُحل يلتهم ابنه

بقلم هنادي فيّاض

 

Saturn Devouring His Son - Wikipedia

 

تُشبه غرفة اللّوحة معالمها. قاعة مستطيلة طويلة خافتة الألوان..
في زواياها أضواءٌ حمراء تسلّط الضّوء على لوحات غويا الأربع عشرة .

يستفيق في هذه الغرفة شعور الرّهبة، الرّعب، والصّمت . لوحات يُثقلها سواد معالمها كما أُسميت. (The Black Paintings) .يرى الانسان فيها ضعفه ووحشيّته… وسواده.
تتّجه الانظارُ وزائرو المتحف نحو شعاع ضوءِ أشهر تلك المجموعة.

“زُحل يلتهم ابنه” هي لوحة للفنان الإسباني فرانسيسكو غويا. هذا العمل هو واحد من أربع عشرة ما يسمى اللوحات السوداء التي رسمها غويا مباشرة على جدران منزله ما بين عامي 1820 و 1823. ثمّ نُقلت على قماشٍ بعد وفاة غويا في 1828، وهي الآن في متحف “ديل برادو” في مدريد.

يصوّر غويا شخصيةًً على شكل إنسانٍ كبير يتغذّى بنهم على انسانٍ يحمله في يديه . تمّ بالفعل استهلاك الرأس البشري وجزء من الذّراع اليسرى. من المحتمل أن تكون الذّراع اليمنى قد أُكلت أيضاً؛ على الرّغم من أنه يمكن قد تمّ طيّها أمام قبضة الشخصية الاكبر وتثبيتها في مكانها بواسطة الإبهام.

يركع زُحل في لوحة غويا على ركبتيه وكأنه أُطيح أرضاً. فمه مفتوحٌ بشراهة و هو على وشك أخذ قضمةٍ أخرى من الذراع اليسرى بينما يلوّح في الأفق ظلامٌ حالك. لا أرضٌ فيه ولا سماء . تنتفخ عيناه على نطاقٍ واسع. تحدّقان في فراغٍ يملؤه النهم … النّور الوحيد في الصّورة يأتي من اللّحم الأبيض، والدّم الأحمر للجثّة، والمفاصل البيضاء للشكل الأكبر وهو يحفر أصابعه في الجزء الخلفي من الجسم.

التهم زُحل ابنه بسبب نبوءة مفادها أنّ أحد أولاده سيطيح به. ولمنع ذلك، أكل أطفاله بمجرّد ولادتهم، على الرغم من أن زوجته ريا أخفت أصغرهم، جوبيتر، الذي أنقذ أشقّاءه في وقتٍ لاحق وأطاح بوالده.

كما يتمّ تفسير اللّوحة على أنها تمثّل الخوف من فقدان السّلطة، وكم من شرورٍ قد يقدم عليها من يحاول التمسّك بها. كما هناك من يفسّرها كصراع بين الشباب والشيخوخة، نظراً لأن زحل هو إله الزمن.

بالنسبة للفنان فرانسيسكو غويا،
فقد اقتُرِح أن يكون هذا الرسم استعارة لإسبانيا التي تستهلك أطفالها من خلال الحرب والثورة في تلك الفترة الانتقالية من تاريخ اسبانيا .

وُلد غويا في فوينديتودوس، إسبانيا، في عام 1746.
بدأ تدريبه الفنيّ في سنّ الرابعة عشرة في سرقسطة.
انتقل إلى مدريد وسافر إلى إيطاليا للدراسة، وعاد بثقة جديدة. أصبح رسّاماً ناجحًا في البلاط، بدءاً من تصميمات المفروشات لمصنع النسيج الملكي. صعد إلى الصدارة عام 1786 بعدما عُيّن رسامًا للملك تشارلز الثالث وأصبح فيما بعد رسّام المحكمة الأولى لتشارلز الرابع في عام 1799.
أصبح رسام بورتريه مشهور للأرستقراطية الإسبانية، واكتسب شهرة لتصويره الواقعي.

تحوّل أسلوب رسومات غويا و ملامح حياته قاتماً ومتشائماً بعد إصابته بمرضٍ خطير في عام 1792 تركه أصمّاً، ممّا ساهم في رؤيته الأكثر قتامةً للمجتمع الإسباني، فأنتج أعمالاً نقدية اجتماعيّة مثل نقوش (prints) “لوس كابريشوس” (1799) ، التي سخرت من المجتمع الإسباني.
كما صوّر أهوال الحرب في رائعته وأشهر لوحاته “الثالث من مايو 1808”.

Smarthistory – Francisco Goya, The Third of May, 1808

  1808 ,The Third of May 
Francisco Goya


و في سنواته الأخيرة، رسم سلسلة “اللوحات السوداء”، والتي لم تكن مخصّصة أبداً للعرض العام
.
في سن الثامنة والسبعين، انتقل إلى بوردو، فرنسا، حيث توفي في عام 1828.

تتركنا لوحة غويا وتعداد تفسيراتها الى ما ينعكس في داخل المتفرّج. فمنّا من رأى فيها اله الزّمن الذي يبتلع بنهامة اياّم الشباب والأحلام. ومنّا من رأى فيها حكّام السّلطة وفساد المجتمعات. ومنّا من رأى فيها تجرّد الانسان وتعرّيه من إنسانيته..فتوحّش.

تبقى هذه اللوحة انعكاساً صارخاً صامتاً عمّا ينعكس فينا ومن حولنا.

error: Content is protected !!