الفنون

الداهشية والعُرْي في الفن

بقلم الكاتب منير مراد
ترجمة يوسف قبلان سلامة

Venus de Milo - Wikipedia

 

لقد دَوَّنْتُ في مقال سابق عن موقف الداهشيَّة من العُرْي. فهل يَقِف هذا في مَعْناه؛ أي العُرْي في الفن، مُخالِفاً للتعاليم الدَّاهِشِيَّة؟

بالطبع كَلّا.

ثَمَّةُ فَْرْق جوهري بين عُرْي الإنسان والتَّجَرُّد في مُعْظَم الأعمال الفنية. كان داهش، نَبِيّنا الحبيب الهادي، مُحِبّاً لِلْفَنِّ، وَكانت مجموعته الفَنِيَّة تَضُمّ العديد من اللوحات والمنحوتات التي تُصَوِّر التَّجَرُّد. كما قام بالتَّكْليف بِرَسْم العديد من اللوحات التي تُصَوّر تَجْرّداً أيضاً. سيتناول هذا المقال الفرق بين عُري الإنسان والعُرْي في الفن من مَنْظورِ الداهشِيَّة، مع الاستِناد إلى معلومات مُسْتقاة من مقال نُشر في مجلة “صوت داهش”، العدد الأول، صيف 2002، بقلم الدكتور غازي براكس.

ما الذي يَجْعَلُ الفنّان فَنّاناً؟
التفسير الشائع هو الموهبة.

ولكن ما هي الموهبة؟ في الدَّاهِشِيَّة، الموهبة هي تَجَلٍّ لسيّال (سيّال روحي) يُمْنَحُ لِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ على الأرض، مادّاً إيّاه بِمهارةٍ مُحَدَّدَةٍ مُسْتَمَدَّة من عالَمٍ فردوسيٍّ سامٍ. كان الدكتور داهش مُهتمّاً جِدّاً بالعلماء والفلاسفة والأدباء والفنانين التَّشْكِيلِيين من جميع العُصور، إذْ، بحسب رأيه، هُم بناة الحضارة والمسؤولون عن تَحْديثِها. فَهُمْ في جوهَر الأمْر رُسُلٌ اخْتُصُّوا في نَقْل جانبٍ مُعَيَّنٍ من المعرفة العِلْمِيَّةِ والإبْداع الفَنّي إلى الأرض في فَتْرَةٍ مُحَدَّدَة.

إنَّ كلّ فردٍ موهوب هو مُزَوَّدٌ ​​بسيّال سامٍ نزل إلى الأرض من عالَمٍ  فِرْدَوسِيّ محدّد لأداء مهمةٍ ما. قد تكون هذه المُهِمَّة مُتَمَثِّلَةً في أَمْرِ اكْتِشافٍ عِلْمِيٍّ هام كما هو الحال في أعمال نيوتن وآينشتاين وغيرهما؛ أو تأليفاً موسيقيّاً كما في أعمال بيتهوفن ومُوزارْتْ وغيرهما؛ أو كَرَوائع أدبية كما في أعمال شكسبير وبْلايْكْ وغيرهما؛ أو منحوتاتٍ بارعة كما في أعمال مايكل أنْجِلُو ورُودان وغيرهما؛ أو لوحاتٍ جميلة كما في أعمال دافيد ورينوار وغيرهما. وقد يَتَمَثَّلُ الأمر شأن الحُجَج الفلسفية العظيمة كتلك المُتَجَلِّيَة في أعمال سقراط وأفلاطون وغيرهما. كما تَسْتَمِرُّ القائمة لتشمل الهندسة المعمارية والتَّصْميم والرياضيات والحِرَفِ اليَدَوِيَّة، وأيُّ مَجالٍ آخر يُمْكِن تَخَيُّلَه.
وعَليه يكاد يَعْسُر على الفَرْد بلوغ هذا المستوى من الإبداع بِمُجَرَّد نَيل التَّعليم. فالتعليم يُمْكِنُهُ صَقْلُ المواهب، لكنه لا يخلقها.

فَهَل يعني هذا ضمانة احتفاظ الفَرْد بهذه الموهبة طوال حياته؟ كَلّا البَتَّة.

إلّا أنّهُ قد يَتحَقّق ذلك ، كما هو الحال مع بيتهوفن أو موزارت، في حين قد يَفْقِدها آخر لأسباب مختلفة؛ مثل: تمام إنجاز عَمَل مُهِمَّة هذه الموهبة على الأرض، وبالتالي انْسِحابها، فَيَحْدُث إذ ذاك عدم قُدْرَتها على إلهام الفرد؛ وقد يَتجَلّى سَبب انسحابها بسبب سوء سلوك الفرد ما يُؤَدّي إلى تراجُع موهبته، وهكذا انسحاب تلك الموهبة السامية المانِحة الموهِبة لَه.

فهل يعني هذا وجوب الولادة بالموهبة؟ ليس بالضرورة! إذْ قد يَرْتقي سيّال المَرْء، من خِلال سلوكه القويم، فَيَسْتَحِق بالتالي نَيْلَ سَيّال عظيم يَمْنحه موهبة من نوع مُعَيَّن. فترى بالبعض الشُّروع بالكتابة أو الرسم أو إحْراز اكتشاف عِلْمِيٍّ في مرحلة لاحقة من حياتهم.
 
عندما كان النبي الحبيب بيننا، نال بعض الدّاهشيين سيّالاتٍ عظيمة مُعَيَّنَة من تَدَخُّلٍ إلهي، لِتَقوم مواهبهم المُكْتَسَبَةِ حَديثاً بِالإسهام في خدمة الرسالة الدهشيَّة بطريقة مُحَدَّدَة. ما قَد يَحْدُث في أي وقت إذا ما شاءت القدرة الإلهية. غالِباً ما يَكون الأمْرُ مُرتبطًا بالاسْتحِقاق لكلٍّ من صاحب هذا السيّال كما للبشرية جمعاء إن كانت تستحقّ الاستفادة من ثمار مواهبه.

يحتاج كِبار المُبْدِعين والمُخْتَرِعِين – الذين اسْتَمَدُّوا سَيّالات من عوالم سامية لنشر التنوير والتَّقَدُّم العِلْمي بين البشر – أنْ يَظَلُّوا مُلْتَزِمِين بِرسالَتِهِم، وأن يَتَجَنَّبُوا الانحرافات التي تُغريهم بها مُخْتَلَف مُغْرَيات الحياة الدُّنْيا ومباهجها. لقَدْ تَسَبَّب هذا الفساد في سقوط العديد من الكُتّاب والشعراء والفنانين بعد بلوغهم مستوىً مُعَيَّناً من الشُّهْرَة. فعليهم إدْراك أهمية رسالتهم فالتَّصَرُّف إذْ ذاك وِفْقاً لهذا الأمر مِنْ أجْلِ الحِفاظ على أثَرِ الخَير في إبْداعِهِم. وبِحَسَبِ نَبِيّنا الحبيب، إن إبداعهم ليس ذو تأثيرعلى ارتقاءهم الروحي أو انحدارهم في حياتهم وَحَسْب، بل مُسْتَمِرٌّ تأثيره بعد مماتهم ما دام الناس يتأثرون به. فبعد الموت، يَسْتَمِرُّ مَنْ أحْسَنَ استخدام إبداعه في الارتقاء الروحي، بينما يستمر من أساء استخدامه في الانحدار الروحي.

كان نبينا الكريم يُقَدِّرُ الواقعية والانطباعية في الفن، في حين لم يُكْرِم التجريد أو السريالية فيه. قال: “أُعِْلنُ بصوت جَهورِيّ أن الفن الحقيقي هو الواقعية”. وقد نَعَت السريالية بأنها “غير ذات قيمة”، ولم يتأثَّر حُكْمُهُ بشهرة الكُتّاب والفنانين أو بِمَدى حُبِّه لِأعْمالِهِم. لقد أحَبّ شِعْر طاغور، ومع ذلك انْتَقَدَ لوحاتِه السِّرْياليَّة قائلاً: “ليت طاغور اقْتَصَرَ عَمَله في فَنّه على إبداعه الادبي المتميز لأن لوحاته لا قيمة ومَعْنى لها على الإطلاق.”

ورغم حُبّه لجبران خليل جبران، قال: “لوحات جبران خليل جبران ورسوماته أقل أهمية بكثير من أعماله الأدبية، وهي لا تَرْقى إلى مستوى لوحات ويليام بليك ورسوماته”.

في الداهشية، لا تَكْتَمِل الصورة المثالية في الفن والأدب إلا بِوِحْدَةِ الحَق والخير والجمال، إذْ أنَّ الحقيقة الإلهية المُطْلَقة تُجَسَّدُ في الصورة المثالية. كما تُؤَكّد الداهشية على ضرورة أن تتناول أعمال الكُتاب والفنانين “مواضيع تُشَجِّع على الخير ونَبْذ الشَّر”. ففي الفَن، يرفض نبينا الحبيب تصنيف اللوحات التي تستحضر الغرائز الحيوانية كَفَنٍّ حقيقي. فأي لوحة أو منحوتة يثير تنفيذها الشهوات الجنسية هي غير مقبولة عند داهِش وفي مَذْهَبِهِ. وقد أعاد أكثر من مَرَّةٍ لوحات من هذا النوع إلى الفنانين الذين كَلَّفَهم بها، لأن تنفيذها كان يُرَوِّجُ لشعورٍ بالانحلال الأخلاقي بدلاً من الصَّلاح.

ولأن السِيال المُبْدِع هو من عالَم فردَوسي سامٍ، لا يمكنه أن يوحي بالعُري ذي الدلالات الجنسية، لأن الجنس – كما نَفْهَمه – غير موجود في عوالم الجنة. حتى آدم وحواء لم يَعْرِفا ماهية الجِنْس في جَنَّتِهما الأرضية إلا بعد سقوطهما. ولكي يُنْتِجُ الفَنّان عَملاً يُثير الشهوات الجنسية، لا بد أن تكون سيالاته الدُّنْيا قد طَغَت على سيالات الإبداع السامية عنده، ونتيجة لذلك، يكون العمل النهائي غير مقبول.

ومع ذلك، فإنّ نبّينا الحبيب يفصِل بين العْرْي في العمل الفنّي وبين أخلاقيّة الاحتشام ، فالعديد من اللوحات في مجموعته تحتوي على عُرْي فَني، ولكن لا يسَع الشخص المُتَأمِّل في هذه اللوحات إلا الشُّعور بالتمجيد والإعجاب أمام جمالها الفَنّي المستمدّ من السيّال الروحي الراقي الذي ابتدعها. وقد علّق داهش، بعد زيارته لمتحف اللوفر في باريس والمعرض الوطني للفنون في واشنطن العاصمة، على اللوحات التي تتضمن قدراً كبيراً من العُري الفني قائلاً:
“فهذه اللوحات العظيمة هي تراثٌ للانسانيّة ، يتناقلها الخلف عن السلف لنرى ما بلغه الفنّ من رقيّ ، وما سجّله لنا من حوادث تاريخيّة بارزة نستطيع مشاهدتها عياناً بأسلوب حيّ فيه متعة ، وفيه جمال ، وفيه حقيقة ما أجدرها بالبقاء في عالمٍ كلُّ ما فيه صائر الى زوال .”¹

1: “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية “، الرحلة الأولى، الدكتور داهش، ص. 360.

error: Content is protected !!