الافتتاحية

وهم الإنقسام

 

“إنّ الحياة انكفأت رأسًا على عقب، فلم تَعدِ المحبّة هي السائدة، بل البغضة والتفرقة، وأصبح القتل هو الوسيلة الوحيدة، بها يتعامل الجميع؛ فالقوي يفترس الضعيف بشراسةٍ وعنفٍ هائلين.”*

بهذه الكلمات الحزينة، يصف الدكتور داهش ما آلت إليه دنيانا من واقعٍ مؤسٍ ومعيب. وقد سجّل تلك الكلمات في عام 1982، بعدما حلب من الدهر شطريه، وبعدما اختبر عادات البشر وتغلغل في أعماق ذواتهم وأدرك كنه غاياتهم وأقسى مراميهم، فشهد بأمّ عينيه كيف طغى الظلم والاستبداد، وكيف استشرت الأطماع والأحقاد، بالإضافة إلى تحكّم المادّة ورغباتها في نفوسهم على التعاليم الروحيّة السامية والمثل العليا.

 


وقد عانى منهم الأمرّين، إذ رغم دعوته الرسوليّة الداعية إلى الأخوّة الإنسانيّة العالميّة وإلى نبذ الأحقاد بين الأفراد والشعوب وكبت رغبات الاعتداء والانتقام فيما بينهم وإلى الوحدة الدينيّة الجوهرية، جُوبه برفضٍ عنيف وإضطهادٍ شرس كان هدفه إسقاط تلك الدعوة الخيّرة وإطفاء ذلك النور المقدّس الذي كان مضّطهدوه هم أحوج الناس إليه.

وبعد عامين فقط على تلك الكلمات، خلّف الدكتور داهش وراءه أرض الفناء والأحزان متّجهًا نحو دار الهناء والخلود.

وتمر ّ السنون وبكلّ أسفٍ لا تزال الأرض ترسف في أغلال الظلم واعتداء القويّ على الضعيف، ولا يزال البشر يرزحون تحت نير العسف والجور الذين يُمارسان بحقّ بعضهم البعض. فمبادىء المحبّة والتسامح والتعاطف والإنسانيّة أضحت عباراتٍ خياليّة جوفاء، فعمّت الأرض الحروب الشعواء والصراعات الدمويّة حاصدةً بطريقها أرواح ملايين الأبرياء بعد أن مزّقت صرخاتها حجب السماء وهي تشكو ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

إن الوحدة الدينيّة الجوهريّة ووحدة العائلة الإنسانية التي دعت إليهما العقيدة الداهشيّة لم يعودوا فقط مطلبًا ضروريًّا بل تعدّاه الأمر ليصبحوا حاجةً ملحّة وأملاً أخيرًا قبل فوات الأوان واندلاع صراعاتٍ نوويّة تنذر بفناء الكرة الأرضيّة عن بكرة أبيها.  

فالتعاليم الداهشيّة تؤكّد أن ما يفعله أيّ إنسانٍ بأخيه إنّما يفعله بذاته، وأنّ وراء تلك الأوهام الماديّة التي أقنعت الجميع بأنّ الآخرين أعداء ممّا يبرّر القتل والاعتداء والانتقام، هناك حقيقةٌ روحيةٌ أزليةٌ أبديّة مفادها أنّ الجميع واحدٌ، وأنّ الأعداء في عالم الأرض هم أخوةٌ في عالم الروح، وأنّ جميع تلك الانقسامات الوهميّة التي يظنّها البشر يقينًا ملموسًا لتَرسُّخِها عبر تعاقب الحضارات والأزمان، ما هي إلاّ تجارب بين هويةٍ واحدة وكينونةٍ مترابطة تجمعها وحدة المسار والمصير، وحبل خلاصها الوحيد هو التسامح والتعاطف والمحبّة والتضحية بالذات من أجل الآخرين وليس التضحية بهم خدمةً لحبّ الذات والأنا والتي لا تفضي إلّا إلى المزيد من المعاناة والاضطراب.

وتتقاطع هذه الأفكار السامية مع فكر الكاتب والفيلسوف العظيم “ليو تولستوي” الذي يصف في كتابه، “عن الحياة” ما أسماه (التناقض الرئيس في الحياة الإنسانيّة)، إذ رغم شعور الإنسان الداخليّ الدفين بأهميّته العظمى في الوجود وبأنّ الكون مسخّرٌ لذاته ولسعادته ورغم سعيه الحثيث لتلبية تلك الرغبة العميقة فيه بإسعاد نفسه وتغليب مصلحته الذاتيّة على مصلحة الآخرين، إذاه يصطدم بالواقع الأليم الذي لا بدّ منه، فيرى أن اتّباع هذا الطريق لم يوصله إلى السعادة والطمأنينة وبأنّ حياته مليئةٌ بالمعاناة وأنّه مهما حاول تخليد ذاته وتعظيمها فإنّ نهايته ستكون الفناء والذبول ثمّ الموت.. 

فيكون الحلّ الوحيد لذلك التناقض هو قتل فكرة الأنانيّة تلك والعيش من أجل خير الآخرين والتضحية بالذات على مذبح المحبّة والخدمة الإنسانيّة. فبهذا التوجّه، ينتفي الفناء ويُهزم الموت فتبقى أعمال الخير والمحبّة خالدةً خلود الحق ّوالله.

ونختم بقول الدكتور داهش: “من العار أن تموت قبل أن تقوم بأعمال الخير نحو الإنسانيّة.”

نتأمّل أن تلقى مقالات هذا العدد استحسان القرّاء الكرام وأن تترك أثرًا خيّرًا وطيّبًا في نفوسهم وقلوبهم.

 هيئة التحرير 

 

*: “كلمتي لعام ١٩٨٢”، كتاب “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية، الرحلة ١٨ ، الدار الداهشية للنشر، نيويورك ١٩٩٤)

error: Content is protected !!