الافتتاحية

عامٌ وذكرى

 

“أحبُّ جهادٍ عند الله كلمة حقّ أمام سلطان جائر”.¹

فكيف بالأحرى إذا كانت تلك الكلمة مناصَرةً لمبدأٍ روحيِّ سامٍ، بل قبسٍ نورانيٍّ هادٍ، داعٍ الى وحدة الأديان الجوهريّة وتوحيدها في قالبِ عائلةٍ إنسانيّة واحدة عابرة للاختلافات الوهميّة والفروقات المختلقة من أجناسٍ وأعراقٍ ومذاهب، تربطها أواصر المحبّة والأخوّة والتسامح. عقيدةٌ تنشدُ الحقيقة والعدالة والسلام والعودة الى تعاليم الرسالات السماوية والإصلاحية الفاضلة فكراً وقولاً وعملاً.

بتلك الكلمة والمبادئ، عاشت السيدة ماري حدّاد.

هذه البطلة التي جمعت في شخصيّتها الفذّةِ الرقّةَ واللين والتواضع والحسّ الفنيّ المرهف من جهة، والشجاعة البطوليّة التي تجلّت في ثباتها وفي مواجهة فلول الظلام والشرّ والاستبداد من جهةٍ أخرى. فصبرت على أصعب التجارب وأقسى المحن دون أن تلين لها قناة، ودون أن تحيد قيدَ أنملةٍ عن إيمانها الجبّار بالعقيدة الداهشيّة التي أنارت قلبها وروحها بنور الحقّ والخير والجمال.


لقدّ تخلّت عن أمجاد هذه الدنيا رغم أنّها كانت في متناول يديها؛ فقد وُلِدت في أحضان عائلةٍ أرستقراطية ثريّة، وكانت أديبة باللغة الفرنسية، كما تمكّنت من فن الرسم فأبدعت أيما إبداع وعُرضت
 لوحاتها في المعارض والمتاحف العالمية وترأّست نقابة الفنانين في لبنان، وكانت عائلتها على علاقةٍ وثيقة بأغنى عائلات لبنان النافذة وبالسلطة الحاكمة حيث كانت أختها لور زوجة رئيس الجمهورية اللبنانية السابق بشارة الخوري.

ولكنّها أعرضت عن جميع تلك البهارج والمادّيات بعدما آمنت مع عائلتها بالعقيدة الداهشية التي أسّسها الدكتور داهش في عام ١٩٤٢.

لقد أدركت من خلال تعاليمِها الحقيقةَ الروحيّة السامية، فآمنت بوحدة الأديان السماوية وبأنّ جميع الرسل والأنبياء هم واحدٌ في جوهرهم، ولكن إيمانها بمبادئ هذه العقيدة لم يرق لعائلتها ومجتمعها المتعصّب الخائف على مصالحه الأرضية الماديّة، فحوربت شرّ محاربةٍ من محيطها العائلي في محاولةٍ لإجبارها على ترك عقيدتها، ولكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل وتحطّمت أمام صخرة إيمانها الجبّار.

فتعرّضت آنذاك لاضطهادٍ رهيبٍ غاشم، فسُجنت وأُهينت وعُذّبت واتُّهمت بالجنون وأُدخلت العصفورية ظلماً كما فُجِعت باستشهاد ابنتها الأديبة ماجدا حدّاد في سبيل العقيدة الجديدة.

ورغم هذه المحن الجسام والفواجع التي تهدّ الجبال بجبروت فداحتها وقسوتها، وقفت ماري حدّاد وقفةً بطوليّةً مجيدة، فلم تستسلم ولم تتخلّ عن إيمانها ولم تسكت عن حقّها، فنافحت عن الحقّ والنور وأرسلت العرائض والشكاوى للعالم أجمع عارضةً قضيّتها المحقّة ووقّعت باسمها عشرات المناشير والكتب السوداء التي كتبها الدكتور داهش شارحاً فيها مراحل جريمة الاضطهاد فاضحاً مفاسد السلطة الحاكمة مدافعاً عن مبادئ الحقّ الإلهي والحريّة المقدّسة منحة الخالق للخلائق.

وانتصر إيمانُها على الباطل، وهَزم نورُ ثباتها ظلامَ الجَور والطغيان، وبهذا، سطّرت ماري حدّاد أسطورةً خالدة في الصبر والإيمان والثبات على مبادئ الحقّ والحقيقة ومواجهة الظلم والاستبداد. أسطورةٌ سترويها الأيّام الآتية وستتناقلها الألسن لتبقى عبرةً ومنارةً للأجيال القادمة.

ولكأنّ القدر شاء تمجيد ذكراها إذ انتقلت روحها الى باريها في ١٩٧٣/١/١ ليأتي كلّ عام جديد وفيه بذرة ذكرى تلك الحياة العظيمة التي عاشتها تلك السيدة الفاضلة.

وقد خُصّص جزءٌ من هذا العدد لهذه المرأة العظيمة عرفاناً لجميلها في مساندة الحقّ والحقيقة وإحياءً لذكرى تضحياتها الخالدة.

ومع بدء  هذا العام الجديد، تتوّجه أسرة المجلّة لجميع القرّاء بأطيب التهاني متمنيّةً بزوغ فجرٍ جديد على العالم والبشرية ملئه الخير والسلام والمحبّة.

 

هيئة التحرير

 

1: حديث نبوي شريف

error: Content is protected !!