أقاصيص زينة حداد

الشجرة الطائرة


من كتاب: “قصص زينة” للأديبة زينة حداد 
ترجمة الأستاذ سمير حدَّاد

 

المؤلفة في سطور: (من كتاب “قصة تقمص” للأديبة زينة حداد)

– أديبة لبنانية باللغة الفرنسية. ولدت في بيروت، بتاريخ ۲۲ شباط ۱۹۲۲ لوالدين هما التاجر جورج حداد، والأديبة والفنانة المبدعة ماري حداد التي يضم المتحف داهش للفن Dahesh Museum of Art في نيويورك معظم أعمالها الفنية. وزينا هي الصغرى بين أخواتٍ ثلاث.
 
حصّلت دروسها الابتدائية في مدرسة راهبات الناصرة في بيروت، ثم انتسبت إلى المدرسة الأميركية في المدينة نفسها بهدف تعلم اللغة الإنكليزية.
 
في العام ١٩٤٢ ، تعرفت مع عائلتها إلى الأديب والمفكر الكبير، الدكتور داهش، فأُتيح لهم أن يشهدوا المعجزات المذهلة التي كانت تحدث على يديه، وأن يطلعوا على أدبه الرفيع وتعاليمه السامية، الأمر الذي دفعهم إلى اعتناق دعوته الروحية التي عُرفت بالداهشية، والتي أعلنت في بيروت بتاريخ ۲۳ آذار ١٩٤٢ . وقد تبدلت حياة زينا وعائلتها بفعل هذا الحدث الجلل، إذ رأوا في الدكتور داهش منبعاً للمعرفة العلوية الثرّة ومنهلاً للثقافات المختلفة، وأدركوا أنه يحمل في يمينه «حقيقة» تريد أن تبعث نُوراً جديداً في الحياة؛ فاقتفوا سبيله، واقتدوا بسيرته المثالية.
 
تشهد السيدة زينا للدكتور داهش بفضله في تشجيعها على ارتياد عالم الكتابة، وفي إغنائها بمعارفه “التي تَجُوزُ حدود ما يعرفُ البشر بالرغم من أَنَّ ما كان يُعلِّمه لم يكن ليعدو الدروس الأولى”، على حد قولها. من مؤلّفاتها: «قصص زينا أو رحلات نحو المجهول»، «كسوف»، «مرآة الفراديس»، «فسيفساء»، «أوراق ذابلة وبراعم»، و«قصة تقمص». 
 
 اتّسمت كتاباتها بنفحةٍ روحيةٍ ترفدها مُخيلةٌ مُجنّحة ترود رحبات عالمنا لتحلّق من بعد نحو النجوم البعيدة، وتعود منها بفيضٍ من صُورٍ مبدعة عن جمالاتها الخالدة. هذا البعد الكونيّ في أدبها، يُسعفه أسلوبها الشيّق المطبوع على بساطة التعبير وصدق الكلمات وغرابة الوصف، قد جعل من ذلك الأدب أدباً مميّزاً يشقّ سبيله بسهولةٍ إلى العقول والقلوب في آن.
 
 
 

الشجرة الطائرة

 

Premium AI Image | Photo of a majestic tree illuminated by moonlight in ...
 
كان هناك جبل شاهق الارتفاع، تتوُّجه شجرة ذات جلالة وتتربَّع على قمّته. جذعها غاية في الضخامة واغصانها الكثيفة الملتفّة تتوزع فيما بينها الأوراق الخضراء الزمردية التي تنشر ظلالها على الجبل بأكمله.
 

إنها سنديانة الفيّة السنين. حالها مثل حال رجلٍ عجوز موقّر، ذي لحية بيضاء طويلة، تزوره رعيّته لتقدّم له واجب الاحترام والتسبيح.

تعيدني هذه السنديانة بالتفكير إلى أسياد أجلاّء من الكتاب المقدس، فأتخيلهم وقد زنّر هاماتهم شعر ملوكي، وتحيط بوجوههم لِحىً جديرة بالاهتمام والاحترام.

وهي بمثابة ملك في مملكته والشجيرات من حولها تقدم لها فروض الاحترام والإجلال وترجو الريح غالباً أن تساعدها على الإنحناء أمام السنديانة.

شجرة السنديان، ملكة القمم، تطاول الغيوم وتحتضن بين أغصانها ألوف الطيور وزيزان الحصاد والسناجب وكلّ أصناف الحيوانات اللطيفة وغير العدائية.

كان يسمع أحيانًا زقزقاتٌ حادّةٌ، فحيواناتها الصغيرة لا تعرف الانضباط على الإطلاق، ومشادّاتها المسائية تملأ المقام بالفوضى والاضطراب.

كفى، كفى، كان الملك الطيّب يقول لها، وإلاّ سأطردك من مملكتي.
إلاّ أنّ بعض الصغار العنيدة استمرّت بالشجار والتسبّب بالفوضى ممّا جعل السنديانة تنفّذ ما هدّدت به، فحرّكت بشكل عنيفٍ الأغصان التي كانت الحيوانات ما تزال تتشاجر فوقها، ورمت بها على الأرض وحرصت ألاّ تتسبب لها بأذىً أو سوء، فقد كان هدفها أن تعلمها الطاعة.

وأصدر الملك (السنديانة) حكمه:

  • أحكم عليك بخمسة عشر يومًا من المنفى أيها السنجاب.
  • أتضرّع إليك يا سيدي أن تغفرَ لي، فلن أعود إلى مضايقة الزيزان بعد الآن. ولعظم طيبته ومحبَّته غفر الملك للسنجاب العفريت، الذي كان يَعِد بعدم تكرار أخطائه، وحذره من ذلك “الويل لك، ثم الويل! فلن أدعك تتخذ لنفسك ملجأً عندي بعد ذلك”.

    وعاد السنجاب إلى أحضان السنديانة حيث إخوته الّذين كان تأثير التهديد شديدًا عليهم.

    وراحت الطيور من أعشاشها وسكان السنديانة الآخرون يفسّرون الحدث ويعبّرون عن انطباعاتهم وكلّ بلغته الخاصة، فكان الوضع عندئذٍ أشبه ببرج بابل!

  • – إنّها غلطة الزيز، قال الدوري للعندليب مؤكدًا، فهو مُحتال، كما أنه لطّخ له ذيله الجميل بالأوساخ.
    أجاب العندليب بأنشودة وانتهى إلى القول:  
  • – أنا شاعر وموسيقيّ، ولا أتدخّل أبدًا بأمور وضيعة وغير ذات معنىً، وعاد إلى استئناف إنشاده.

    كانت السنديانة تفهم وتتقن جميع هذه اللهجات، وكانت تهدّئ نزلائها، فعملاق الجبل هذا كان يحجب سرًّا.

    هلاّ تخيّلتم شجرة جذعها مجوّف وآهل بالسكان؟ أجل ويوجد فيه فتحة، ويمكن الدخول إليها عبر مغارة نباتيّة حيث يمكننا أن نجد عالمًا بأكمله، ووسط كل غصن من الأغصان شارعًا وحدائق وغابات ومروجاً . وامتشقت الطبيعة ريشات الرسم والألوان الأكثر جمالاً لكي تبدع هذه المناظر الرائعة.

شجرة لامتناهية هي هذه السنديانة العملاقة الهائلة، وسكانها الكليّو الجمال والفتنة، الذين لا عد لهم، هم حيوانات مُسالمة تنتظمُ بفرح وحبور. لقد غاب عن بالي أن أقول لكم أنها حيوانات صغيرة مُفعمة بالحيوية. الطواويس تتهادى وتتفاوى، وتمرّ عربات تجرّها الغزلان ناقلةً السياح، وتجتاز الأنهار والسواقي.

انظروا! هذه وردة طائرة تشبه الطيور. بتلاتها النديّة ترف بفرح وتحفظ الايقاع وهي تدندن لازمة النشيد المُعطرة. وتنير شموس صغيرة هذه النواحي الساحرة.

كنت أفكر فيما إذا كانت هذه الشجرة ستعيش إلى الأبد. وما إن مرّ هذا السؤال ببالي، حتى اجابني صوت قائلاً:  

– نعم، ستُحيَ إلى الأبد كما هو النبي إيليا الحي. ستصعد نحو السماوات. إن ما تظنينه شجرة ليس إلا أحد الأسياد القديسين.

وفي هذه اللحظة، اهتزت الأرض، وراحت البروق ترسم خطوطًا من نور على التلال، واندلعت العاصفة. وشاهدت لفرط ذهولي أوراق السنديانة الألفيّة السنين تتحول إلى أرياش. ولكي تحتمي من هولِ العاصفة، لجأت الحيوانات الصغيرة التي تسكن من الأغصان إلى حضن السنديانة المضيافة.

عندئذ، وفي ثورة غضبها تلقفت الريح منجلاً من نار واجتثت السنديانة من جذورها، وتحولت الأرياش إلى ألوف من الأجنحة وحلّقت بالشجرة وبنزلائها إلى أعلى أعالي السماوات، وكانت كلّما ازدادت ارتفاعًا تصبح أكبر فأكبر وكذلك كل من يعيش فيها، حتى أصبحت مجرّة وكان اسمها الشجرة الطائرة.

error: Content is protected !!