تأملات في كلمات الدكتور داهش
بقلم الكاتب يوسف سلامه

“الرجل الخيالي يرى هذه الحياة تضيق به، على رحبها، ولا تتسع لأحلامه وأمانيه”.
عندما يحلق الإنسان في فكره بعيدا عن عالمنا المادي، إذ ذاك سيدرك الامور المادية على حقيقتها، حيث بالمقارنة، سيلتمس قبسا من حقيقة اي أنه في ابتعاده عن عالم المادة هناك فكاك من أسر مكبل للنفس.
بالابتعاد عن عالم المادة او بالنظر إليها من بعيد، تظهر الأمور من جميع جوانبها كما هي؛ فيفتضح كل لف ودوران أي كل التواء وخبث. فبالابتعاد عن الماديات ونبذها التقاء تلقائي بسيالات أرقى او أرفع درجة محكومة بالخير والطمأنينة والنور الكاشف للضعفات والحيل الخبيثة على التواء طرقها وتشابك حبال عقدها الظلية الفانية وغير الصحيحة النافلة. وحده الله عز وجل قادر على تخليصنا بكلمة منه. وهو عز وجل مالئ الأكوان وكل الكائنات حتى الجماد الذي نعرفه بأعيننا.
ومن ناحية أخرى، علينا رؤية الأمور كما هي، لا إلباسها من أفكارنا وظنوننا فنغرق في الفكر الجالب للتوتر والشك والخوف من كل نأمة وهمسة يحدثها الآخر. لا، فالأمور تسير بنظام حياتي عادل يدير كل الكائنات من عاقلة وغير عاقلة. فمن فعل الخير وتجنب الشر يكافأ بنعم الله حسبما يقسمه له بعدله. أما فاعل الشر فيجازى بما فعل، فلكل فعل ردة فعل مساوية ومقابلة.
“أنا مدين للخيال بسعادتي الوقتية”.
في عالم تملأه الوساوس والتجارب المادية والضيقات النفسية وهموم الأحباء، جعل الله عز وجل بأمانته وأمانه اللامحدودين منفذا لكي نتحمل أي تجربة قد تطرأ علينا واحدا واحدا. فالتجربة لا بد أن تكون بشرية بما أننا على كوكب الأرض، وهي تتكرر منذ بدء الخليقة. وفي ما خلا ذلك، البشر عادة ما يقومون بنفس الأدوار التي قاموا بها في السابق أو بالأحرى في تقمص سابق، كما ورد في إحدى كلمات الحبيب؛ فرحمة الله لنا بالتقمص هي فرص ورحمة إلهية كي نتقوى بتطوير نفوسنا كي نغلب (سيالاتنا السفلية) التي بالحري أوصلناها إلى ما هي عليه بأنفسنا وإرادتنا!
وفي عامل (الخيال)، توجد فرصة لنا كي نحلق بحرية به عن عالم المادة بحرية، متفكرين في عجائب خلق الله التي لا تحصى في النبات والجماد الذي تحتوي أعماله على عالم ذري قائم بحد ذاته، وهو قابل للتغير والتحول بحسب استحقاقه، وفقا لمرده الروحي في السيالات. الخيال أمر مادي وقتي، يشكل منفذا ومركبا ووسيلة للتغير اذا ما شئنا، لكن المبادئ الروحية في كينونة الأمور في مردها الروحي الذي لا تشوبه شائبة هو ما نسعى به للالتقاء او الاندماج بالروح الأصل، بعد تجارب مريرة في فرص التقمصات الروحية.
وبشأن الخلاص نقول: حتى لو كنت في الجحيم، واعمالك خيرة، مستقيمة فأنت في الخلاص لا حيث تسكن. لا شيء يمنعك عن الخلاص الداخلي او يمكن ان يعترضه. اذ تستطيع نيل درجتك او ترقيتك الروحية حتى لو كنت في اراضي الجحيم. فالراحة النفسية الداخلية مع رؤية الأمور كما هي، هي الخلاص، من المنظور الروحي، هي الخلاص الصافي.
“ما أقرب التصورات وما أبعدها!”
تنتاب الإنسان في كثير من الأحيان تصورات جميلة يتمنى أن تبقيه في عالمها البهي في سكون هدوء وهو على الأرض، لكن تصوره الذي هيئ له بطريقة ما الوصول إلى أبعاد أرقى، في لحظة هدوء وصمت مع النفس، أشعره براحة وتفكير صاف. إنه حقا لأمر من عالم روحي حقيقي بعيد، لكنه قريب للنفس وربيب لها في وقت الشدة.
“ما أحلى اللقاء بعد الشقاء!”
إن كتابات نبينا الحبيب لشاهدة عن توقه الدائم في حله وترحاله إلى عالم تسوده التقوى والخير والجمال والفن والعدالة والتآخي والحب الواحد الجامع لكل الناس.
وإذ جاهد الدكتور داهش جهاد الجبابرة في الحق والسلام حتى الرمق الأخير بقبول العذاب والفداء، نال بنعمة الله بعد ذلك الفوز العظيم في ذلك العالم الذي يحن إليه أبدا كما قال.
وإذ ضرب لنا مثال حياة الكفاح دون يأس واستسلام، بات واجبا علينا كمؤمنين الاحتذاء بالقدوة الحسنة التي أثبت الحبيب دونما ريب أنه سيدها وملكها وفي سبيلها نحيا ونموت؛ أي بتقوى الله وعمل الخير والاستزادة الروحية في طلب فهمها، إذ فيها التحرر من حيل السيالات السفلية البغيضة التي قرارها في الجحيم المظلم المستمر الأوار بنيران العذاب.
“لقد توارى ذلك الحلم وتلاشى ذلك الأمل”.
في كلمات الدكتور داهش هنا معنى عميقا لمن يضع كل آماله في الحياة الدنيا، وما هي، في الحقيقة إلا متاع.
ففي عالم يسوده الحسد والغرور والغطرسة والفناء الظاهر لجميع الكائنات دون استثناء، بسبب البعد عن تقوى الخالق، لا بد، مع الأسف من تغليب المادة على حساب كل شيء! أكان قوة او سيطرة او غنى أو اختراع جديد. وكم من إنسان بنى أحلامه على جمع مال عبر عمله في وظيفة ما حتى وافاه من هو أبرع منه في جودة البضاعة ومهارة البيع فأوقفت تجارته بخسارة او أفلس مصرف كان يودع ماله المكتنز فيه فخسر كل شيء، وربما صحته أيضا لشدة الصدمة.
إذن الحياة المادية متغيرة، فما من شيء فيها يستقر على حاله، أكان نظام ما في سياسة او اقتصاد او رياضة او أي شيء. وكم بالحري بنا إيقاف التخيلات والتصورات المضخمة في فكرنا على انواعها، ونبذها، فتنجلي الحياة عن صورة هي الخلاص النوري الروحي للنفس المتعبة
الخلود لله فقط وطاعته في كل شيء في عمل الصلاح بنية نقية لهو عمل ينبع من القلب وكفى بالله وكيلا.
“الحياة حلم والموت يقظة”.
يأتي الإنسان إلى عالم الأرض بسبب استحقاقه عن تجربة أخل بناموس عالمها او كوكبها ما أوصل منه سياله إلى عالم الأرض او أي عالم آخر. وقد يكون ترقي او رفعة وهو عالم جحيم سفلي أيضا.
فإذا كان في درك سفلي، أدنى من مستوى الأرض الروحي، وتخطى تجربة صعبة مهلكة بنجاح، ربما أوصل سياله إلى عالم الأرض او رفعه بالمقابل.
لكن الأمر باق بحسب مداركنا الحسية المحدودة، التي نراها بعيوننا المادية.
أما الحقيقة المطلقة، فهي عند الله عز وجل. وبحسب التعاليم الداهشية، فقد منح الملائكة القاطنين في العوالم الروحية التي لا تشوبها سيالات المادة، أو السيالات نفسها، معرفة أسرار الكون وهي، عندهم، ككتاب مفتوح.
إنه بموت الإنسان، وبفراقه عالم المادة، ولو إلى حين، أي في تلك اللحظة، يدرك نفسه، قيمة أعماله الفانية والجسد المتحلل في الأرض البائدة. ترى أليست هي هذه اليقظة المقصودة في كلمات نبي السماء الدكتور داهش؟
وبحسب التعاليم الداهشية يدرك الإنسان في لحظة ما عند موته مراحل عمره الحالي التي مر فيها والأخطاء التي ارتكبها، ويرى فيما إذا كان قد أصلح ذاته في فترة من تلك الفترات، أو ظل عنيدا وشريرا لتفوته فرصة ارتقائه الحالية إلى عالم أفضل يسود فيه الصفاء والراحة النفسية من قيود المادة المدمرة، فتكون اذ ذاك تكون قد فاتته فرصة تقمصية أفضل في كوكب قد لا يراه بعد آلاف دهور يكون قد تلذذ بنعيم العالم الروحي الخالد.
“أنا لا أخفض جناحي لأي بشري، وأتقبل الموت عن هذا بسرور”.
يهيب الدكتور داهش بالقارئ الكريم عدم تسليم النفس لأي بشري، أو الخضوع لأي شخص مهما استحسنته أعيننا في البداية. فتسليم النفس هو لله عز وجل، وأما نحن البشر فتميل نفوسنا للأمور المادية من مغريات ومطامع وأنانيات واستغلال الآخر وانتهاز الفرص لتحقيق مكاسب ومغانم مادية طائلة، وهي بالحقيقة فانية على تنوعها وكثرتها.
وإذ الدهر خاضع للتبدل والتغير بحسب الأهواء، فكثيرا ما تتحقق الحكمة الشائعة: صديق الأمس عدو اليوم والعكس صحيح. لا شيء يستقر على حاله، ولا يمكن ضمان أي شيء، فمن ائتمنته على سر قد ينقلب عليك فيفشيه فتكون العاقبة وخيمة كمتقلب على جمر اللظى.
لذلك الخضوع هو لله وحده لا شريك له، مالك الملك، وسيد العدل وخالقه.
“الأخلاق العالية نادرة”.
إن البشر على كثرتهم وتنوع مذاهبهم وأديانهم في مشارق الأرض ومغاربها، لا يزالون يروحون تحت وطأة هموم الحياة المعنوية الشديدة، واهتمامات الجسد التي تعيق الاندفاع المسلكي الإيماني لبلوغ ولو شيئ قليل مما بلغته الأنبياء والهداة السماويين من هدوء النفس كالمهاتما غاندي قديس الهند ووالدها كما ورد في كلمات الدكتور داهش.
إذن قليلون هم الذين يتحلون بخصال الصدق إزاء صعوبات المواقف، وقلة هم من يتحلون بهدوء الأعصاب وكبح الجماح عن الأهواء وبذل النفس فداء عن الآخر في أخطر المواقف وأصعبها تصديقا.
وكما قال الدكتور داهش فيما معناه، أنه لدينا الكثير لنبذله في الجهاد الروحي لبلوغ الهدوء النفسي ما حققه غاندي في كفاحه العجيب هازما جيوش الاستعمار على قوتها وسيطرتها الرهيبة بجيوشها الجرارة وآلات حربها المدمرة المهلكة.
“التربية القويمة خير واق”.
ما أحوج عالمنا الساقط اليوم إلى أناس مهتمين بتربية أبنائهم على مبادئ روحية عالية في الأخلاق الصالحة وعمل الخير بالإيثار وبذل النفس لمساعدة الفقير والمحتاج معنويا وماديا بكل جرأة ومحبة واحترام وإكبار لشخص الآخر أيا كان.
إنها التربية الخالية من التعنيف الأسري وبسط سلطة الأب أو الأم على أبنائها وبناتها. وكثيرا ما يهمل الآباء والأمهات أبناءهم متهاونين ومستهينين في مسألة التربية القويمة، فينشأ الإبن او الإبنة على منوال مربيه في سيالات الإهمال والقسوة، وهات مجتمعا عمه الخير، بل عمه في غيه وشره لتحل العدالة الإلهية بضربتها القاصمة في وقت مباغت بعيد عن حسبة أحد كبعد السماء عن الأرض.
أما من نشأ وكرع الإيمان الصحيح في المحبة والصبر والبذل والعطاء في الخير، تهون أذ ذاك مقاومته لمغريات الحياة حيث يواجهها بأسلحة البر وكلمة الحق التي هي سيف الروح وخوذة الخلاص ومجن الإيمان ضد أسلحة السيالات السفلية التي كلها دعوة إلى الطمع والكبرياء والحسد والغرور والتجبر على الناس، وما الله بغافل عما يعملون.
“القلوب الكبيرة دائمة التعب”.
في عالمنا المادي الأرضي حيث نحمل عبئ الجسد، وكوننا مجموعة سيالات روحية من روح واحدة، انحدرنا إلى كوكب الأرض، تظل مسؤوليتنا اتجاه بعضنا البعض كبيرة في العمل الإنساني، الذي يقدم رقينا الروحي درجات فدرجات أعلى؛ أو من كوكب إلى نجم أعلى حيث يشاءه الله لنا تعالى برحمته وعدله، لكي نتحد في الروح كما كنا في الملأ الروحي الطاهر. بالطبع سيقتضي الأمر منا كثيرا من الامتحانات الروحية التي تعد بالآلف بل ومئاتها وأكثر بكثير، بحسب التعاليم الداهشية المنادية إلى الحق في السلام بالله عز وجل، بل ومشيئته وفكره البعيد عن كل مخلوق او كائن حي أيا كان.
وبما أننا في الجسد الآن، وكثيرون منا يسعون لترقية سيالاتهم بالعمل الصالح والرحمة الإلهية، نجد أن كثيرين أيضا يعملون أمر الاهتمام ببعضهم البعض. إذا لا كمال على الأرض، ومن يحمل المعاناة في سبيل عمل الخير في المحبة، لا عن بغض، ويستمر في البر حتى النهاية في الصبر ينال الفوز العظيم بالارتقاء إلى درجات روحية أعلى وفكاك الأسر من المادة الأرضية الفانية.
“تكتسب القلوب بالمحبة والحنان”.
ان اتباع الرحمة واللطف والحنان والكياسة في التعامل مع الآخرين لحق وواجب يجب عمله.
إنه ما على الأخوة تطبيقه بين بعضهم البعض بعيدا عن المشاحنات المثيرة للبغض وهي عكس ابتغاء الروح التي تطلب المحبة والخير. اذ عليهم ان يضربوا مثالا لغيرهم في التعامل الأخوي.
بالطبع، على المؤمن واجب بتبكيت المعتدي لردعه عن غيه، لا للانتقام منه بإثارة العداوة، ولكن بالابتعاد عنه اذا ما اراد هو ذلك. فالنقمة لله عز وجل، وهو تعالى آخذ بها، كما أن الباري بالمرصاد لكل نقيصة، ليس على الأرض فحسب بل في الكون كله.
فالخطأ وارد عند المخلوقات جميعها. فالملائكة تسقط إذا ما عصت، فكيف بنا نحن البشر. اذن واجب المؤمن اتجاه أخيه المؤمن وأخته المؤمنة الحديث بالحسنى والتصرف بلطف وشفقة كما عاملهم الدكتور وداهش، صافحا عن ما أساءوا اليه فيه، والله ولي النعمة الرحمة والخير.
“القسوة الشديدة تأتي بنتائج لا نرضاها”.
إن التاريخ لخير شاهد عن مآتي القسوة ونتائجها.
فالقسوة بحد ذاتها كما أي عمل سيء آخر تعود على صاحبها بشكل مباشر، أكان نفسيا أم جسديا.
وقد يمتد به الأمر إلى الاعتداء الجسدي الأعمى على الآخر، ما ترفضه الأديان السماوية كافة، وهي الداعية للفضائل المثلى في المحبة والسلام، لأن الله محبة.
إن المقسو عليه قل ما يرتدع عن رد الكيل بمكيالين، لا سيما في لحظة حدوث الاعتداء لفظيا كان أم جسديا، إلا من روض نفسه ودربها على احتمال الشدة وكظم الغيظ، وتحويله إلى الأفضل، فالله قادر على كل شيء في إعانتنا، أثناء التجارب الجسدية.
فمن اتبع درب النبي الحبيب اهتدى ونال راحة روحية قل نظيرها؛ فكلماته وحي السماء، وكلمة الفصل الواضحة التي ينجلي فيها كل غموض مهما اعتدت بالأرض السنين، إذا ما حفظناها عن ظهر قلب وطبقناها، وهو يحثنا على فعل هذين الأمرين مدفوعين بالمحبة والشغف لعمل الخير فالسير بالتقوى.
“الاختبار خير محك للإنسان”.
يؤكد لنا الدكتور داهش في هذه الجملة أن خصال الإنسان تظهر من خلال الامتحانات والتجارب الحياتية الصعبة.
وبالطبع، إن كل ما نمر له به من تجارب لهو مادي حدث وجرى على أفراد وجماعات، وهذا ما يجري الآن وسيحدث مستقبلا ما دامت السماء سماء والأرض أرضا.
لكن التجارب المادية هذه إذا ما اجتزناها بصبر، إذ لكل بداية نهاية، وإذا ما تمكنا من التكيف معها واجتيازها، نكتسب خبرة تخولنا للخلاص والفكاك منها برقي سيالاتنا.
كل ما يأتينا من تجارب إن هو إلا أمر مادي نفهمه بحسب مداركنا المحدودة، وهي نتاج أفكارنا مترجمة بمحدودية أفهامنا، لكنها حادثة وفقا لعدالة إلهية جارية علينا ما كانت تتم لو لم نستحقها. فإما اجتيازها بصبر في الإيمان وهدوء الروحي بنجاح، أو السقوط فيها لتتكرر التجربة مجددا، حتى يقيض لكل إنسان عبورها.
“أفكار المرء عرضة للانقلاب السريع”.
نبهنا الدكتور داهش إلى أن الإنسان بشكل عام قد يطرأ عليه تغيير في سلوكه. وبرأيي، كلماته المباركة هنا تحثنا على التمعن في مسلكنا الروحي، لاتخاذ القرار السليم على الدوام، في المشورة، والثبات فيه.
ان الله يمهل ولا يهمل. وكل ما يحتاجه المرء في الحياة موجود، والله هو المعطي بسخاء. أكان معنويا ام ماديا. فكلماته الشافية مخلصة إلى التمام. والأرض تسقي غيومها كل وجهاتها دون أن تبخل على أحد.
لذا علينا الالتزام قدر الإمكان بوصاياه عز وجل، وكلنا بشر عرضة للتجارب والزلل، وخير الخطائين التوابون.
“بعثتني الحياة إلى هذه الأرض فريدا، وغدا يدعوني الموت فأعود وحيدا”.
إن الله عز وجل الذي شاء لنا الولادة، لإعطائنا فرصة من أجل تعديل سلوكنا الاخلاقي هو نفسه محيي النفوس في السيالات والأرواح النقية، فالموت هو عبور من حال إلى حال، أو من ضفة إلى ضفة.
إن الحياة المثلى هي تلك التي في الكواكب الفردوسية العلوية الراقية، لا كوكب الأرض الفاني، الذي لولا رحمة الخالق لفني شعبه دون شفقة من أي كائن موجود.
يشاركنا النبي الحبيب جميع آلامنا النفسية والجسدية التي حملها بصبر ومحبة وطاعة للخالق الباري. وبصلواته المباركة خلص كثيرين من عذابات جحيمية رهيبة وهو فادي البشرية جمعاء، والكائنات أيضا. هو الذي انتظرته الخليقة عشرين قرنا حفظت فيها الأرض من الفناء، بل و من مهد له الأنبياء عليهم السلام طريق العودة مبشرين بمجيئه الفدائي المبارك.
وها قد عاد إلى ملكوت السماوات بعد إتمام مهمته الروحية المقدسة. وكما عاد إلى فردوسه المنير، هكذا أتباعه المخلصين والعاملين بوصاياه المباركة بالخير الإنساني للآخر. فهنا لم نحيا معه في ملكوته، آخذين معنا أعمالنا فقط بعد انتقالنا من هذه الفانية إلى كوكب نعيمي يناله من أوصل سيالاته إليه، وهي كنز- الأعمال الخيرة، حيث يعوض الله لهم كل ما أدركهم من عذابات وآلام وجهاد في سبيل الله. النبي الحبيب في الله جسده الدكتور داهش، فكان صورة الخلاص وخطها وعملها الفاعل في ضمائرنا في الحق، ورمز لكل خير وقوة علوية مباركة. ازاءه تبتلع المادة الواهية، ويطبق مسلك الحياة القويمة. فالانسان تائه وحده في بيداء الحياة، ولا يتفعل عمله الا من خلال الخير مع الآخر، وإلا ذاب عمله وتلاشى، اذ لا يلوي أي كائن على السير ضد الحق بل معه، وإلا ناله عذاب ضميري فظيع. هي سنة الحياة، وهي أشبه بمياه جارية تميل مع الجاذبية خارقة ومغرقة كل ما يعترض سبيلها، فهل نميل إنفسنا بإرادتنا الى الصلاح والرقي وجاذب العوالم العلوية؟