أخي الإنسان…أين انت؟
بقلم الأستاذ أحمد يونس
ألباني-نيويورك

ما هذا الصدى الذي يملأ سمعي، ويزيدني شوقاً للبعد عمّا يشغلني، عسى أن افهم معناه.
اتّخذت عزلتي في غرفتي صامتاً، أنرت الضوء، وسكّرت النوافذ والأبواب، أرهفت السمع، لم تسعفني أذناي أن أسمع الصوت وأسمع الكلمات، عسى أن يكون في فهمها ما يريحني ويبعث الطمأنينة في نفسي.
في فضاء الغرفة حيث جلست، لا شيء يعيق السمع ووضوح الكلمات، هدوءٌ وسكون عسى أن هذا الصدى يتجسّد ولكن…
كتبٌ الى جانبي، لا يشغلني ما فيها عمّا أسمع وأحبّ أن أفهم ولكن …
تركت عزلتي في غرفتي، وقصدت غابةً صغيرة في جوار البيت، وجلست تحت شجرة خضراء وارفة، وسرحت في عالم الخيال بكل صمت. حولي العصافير والفراشات والنسمات تتلاطف على الأغصان، والطبيعة في حوار كلّها، زادت صدى الصوت الذي بالكاد أتبيّن منه حرفاً ما لأرتاح ولكن…
أغمض عيناي دون قصد، وقد يكون الشوق أدخلني في عالم النوم.
ما هذا الحلم؟
أبهرني ما أرى، وما أسعدني رؤية ديوجينوس، أحد فلاسفة اليونان، وهو يحمل على ظهره برميل المنام، وعلى خصره ما يسدّ به جوعه من الخبز والعدس، وفي يده الأخرى الفانوس المضاء في وسط النهار والشمس ساطعة، وهو يتجوّل في شوارع أثينا، يرقب الناس ويراقبهم، وهم حيارى كلّ منهم إلى وجهته، ومنهم البعض يتجمّعون حوله يستمعون لما يشرح ويتساءلون ويسألونه عمّا يفتش وهل أضاع شيء!
وهو يبتسم قائلاً: “أبحث عن الإنسان… الإنسان الذي يعيش بقناعة وعلى ما تيسّر من شؤون الحياة …الإنسان الذي ينشد الحرية والتحرّر ممّا يقيّده من عاداتٍ وطقوسٍ وقيود. يناشدهم عبادة الحقيقة لا العبودية …
أو من يقف أمامه الإسكندر الكبير يطلب منه أيّ خدمة.
–يا ديوجينوس أطلب ما تريد؟ ينظر إليه بإعجاب ويومئ له بيده أن يدع نور الشمس يصل إليه…
استيقظت مرتاحاً مطمئناً، ولكن صدى الصوت وكلمة الفيلسوف اليوناني “البحث عن الإنسان، الإنسان الحق ” ما خَفَت ولن يخفت وسنبقى نسمعه ولا نراه ولن نجده.
…الإنسان أين هو ومن يكون وكيف يكون؟؟؟
متى نجده والعمر قصير وكلّنا الى زوال ولا يبقى إلاّ وجه ربّنا ذو الجلال والإكرام.