الملكُ الكلبُ
كان كلباً هزيلاً، ملأت القروح جسده، والطفوحُ الجربيَّة جَرَّدَته من شَعْرِه، فإذا هو عارٍ من كُسْوته التي تردّ عنه لذعات الذباب المؤذية.
وما يكاد يقترب من القرية حتى يقذفه الأولاد بالحجارة خوفاً من أقذاره الكريهة. وقد أصابه أحدهم بعينه ففقاها، فسال دمها ممتزجاً بقيوح قروحه النتنة. وقد فرّ مذعوراً تلاحقه حجارة كلّ من يمرّ بقربه.
وعندما يعضّه الجوع بنابه الذي لا يرحم يلتجئ إلى مزبلة القرية المنزوية في أقصى مكانٍ بعيد عن العمران، باحثاً عن عظمةٍ أو كسرةٍ من خبز جافّة تردّ عنه غائلة الجوع الكافر.
ولسوء حظّه العاثر بينما كان يُحاول التهام رجْل دجاجة ملقاة في المزبلة، وكان قد سبقه إليها جرذ ضخم، نشبت بين الكلب والجرذ معركة ضارية قضم فيها الجرذ مِنْخَرَ الكلب فعوى ألماً، وملأ عواؤه تلك الضاحية المنعزلة، وفرّ مذعوراً وكأنّ أبالسة الجحيم تطارده، والدماء الغزيرة تسيل من أنفه المقضوم.
وانكفأ على وجهه في حفرةٍ مملوءةٍ بالماء الآسن يُريد أن يشرب، ولا ماء في تلك الجهة، فاختلطت دماؤه بالماء الملوّث، فراح يلعق الماء الكريه بلذّةٍ كبرى، والدموع تتسايل من عينيه اللتين تكادان لا تظهران لكثرة القروح حولها.
وانقضى فصل الخريف، واحتلّ فصل الشتاء بجيوشه الكثيفة، وراحت بروقه تومض، ورعوده تقصف، ورياحه تعصف، وأمطاره تتساقط بغزارة عظمى.
ثمّ ابتدأت الثلوج بالانهمار، فغمرت البطاح، والبرد اشتدّ أمره، والزمهرير انقضّت جحافله، فسادت وعبثت ما شاءت لها السيادة والعبث، وهامت الذئاب تريد طعاماً.
وكان الكلب الأجرب بأسوأ حالة وأتعس عيش مرير، فهو أبديّ الفرار من الشوارع المطروقة والمساكن العامرة بالسكّان، فهو يكاد لا يظهر حتى تطوّقه العصي لاعبةً على ظهره، قارعةً بعنفٍ بطنه، كما كانت الحجارة تنصبّ عليه انصباب الحمم، لهذا فهو لا يجرؤ على الذهاب حيث يكون الناس.
وقد اتّخذ له مأوى غاراً بلحف جبل، يُغادره إلى المزبلة عندما يعضّه الجوع الذي لا يرحم. وفي ليلةٍ ثلجيّة اكتستْ منها الجبال والأودية والطرقات فأصبحت بحلّةٍ بيضاء ناصعة، هامت الذئاب باحثةً عن فريسة، فاذا بها تجد هذا الكلب قابعاً بغاره، فهاجمته ومزّقته تمزيقاً مروّعاً. وبعد لحظات، أصبح كومةً من العظام مجرّدةً من اللحم تماماً.
إنَّ هذا الكلب التعيس كان ملكاً آمراً ناهياً، ففي كلمته موتٌ أو حياة.
وقد سبق له، عندما كان ملكاً متربّعاً على عرشه الأمبراطوريّ، أن ظلم أحد الشبّان بعدما استهوته زوجته الفاتنة، فاستلبه إيّاها. ولم يكتف بهذه الجريمة الكبرى، بل أمر، أيضاً، أن يلقى للذئاب الجائعة وهي في دهاليز قصره. فأُلقي هذا الشابّ المسكين بينها فافترسته حيّاً.
وها قد نال جزاءه العادل إذ تقمّص كلباً مريضاً تعاف الاقتراب منه حتى الكلاب لقذارة الرائحة المنبعثة من قروحه النتنة.
ثمّ افترسته الذئاب مثلما سبق له فأمر بالقاء الشابّ إلى جمهرة الذئاب.
إنَّ الله جلّت قدرته يُمهل ولا يُهمل. وأخيراً فإنّه يُجازي كلّ مخلوق بنسبة عمله، فما تزرعه إيّاه تحصد.
لقد زرع هذا الملك شرّاً. فإذا هو كلبٌ نَجِسٌ مزّقته الذئاب إرْباً إرْباً.
وما ربّك بظالمٍ عبادَه، إنّما هم لأنفسهم ظالمون.
الدكتور داهش
الولايات المتحدة الأمريكية، ابتدأتُ كتابتها في الساعة ٤,٣٠ بعد ظهر ۱۹۷۸/۱/۱۸ وأنجزتُها الساعة الخامسة
من كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، الجزء الثاني