الذئاب المفترسة ووليمتها المرعبة
نحن في شهر كانون الثاني عام ۱۸٥۰ ، بمدينة بوليانا سينايا الروسية.
الثلوج تنهمر بغزارة فائقة ! والزمهرير قاتلٌ مبيد ! والعاصفة تزأر ! والبروق تومض ! والرعود تقصف بدويّ متواصلٍ مخيف !..
وكانت فرقةٌ من الجنود عدد أفرادها ۱٥۰ جندياً يمتطون ٧٥ حصاناً وهم يُغذّون السير ليبلغوا المدينة التي تبعد عنهم ٦٠ ميلاً .
وكان الناظر إليهم يظنّهم تماثيل من الثلج ، إذ كان الثلج يغمرهم غمراً لاستمرار هطوله.
وكانت الساعة السادسة مساءً ، ولن يبلغوا المدينة إلا ويكون الليل قد ضرب سُرادقه عليها وغمرها بظلماته المدلهمّة.
وكان كلّ جنديّ متدثّراً بمعطفٍ سميك ليقيه غائلة زمهرير روسيا الرهيبة بقرّها القاتل في هذا الفصل من الشتاء القارس .
جيش الذئاب العرمْرم
وفجأةً سُمع عواء رهيب مزّق الفضاء تمزيقاً ، وكان خارجاً من غابٍ كثيف . ثم انقشعت الظلمات التي ابتدأت تغمر الكون في هذه الساعة عن جيشٍ لجبٍ وعرمرمٍ من الذئاب المفترسة ، وهي تُطلق عواءً هائلاً يبعث الخوف والرهبة العظمى في كل من يطرق صداها أذنيه !
يا لله ! إن عددها لا يقلّ عن الألف ذئب ! إنه جيش من الذئاب الكاسرة وقد أضرّ بها الجوع الكافر !
وهجمت أرتالها على الجنود ، فذُعِرَتِ الخيول ، واضطربت صفوفها ، وتمزّقَتْ شَذر مذر … وتشتّت لجهاتٍ عديدة دون أن يستطيع ركّابها أن يُهدّئوا من ثائرتها لاهتياجها وخوفها المرعب.
وسقط من سقط من الجنود لجموحها.. فالتهمتهم الذئاب بضراوةٍ ووحشية.
هياكل عظميّة
وبعدما تفرّقت صفوفهم لجموح الخيل ، سَهُل على الذئاب مهاجمتهم. وقد استطاع عددٌ من الجنود إطلاق نيران بنادقهم على الذئاب المفترسة ، فقتلوا منهم ما يزيد عن ثلاث مئة ذئب !
ولكنهم ، أخيراً ، عجزوا عن حماية أنفسهم لكثرة أعداد الذئاب ، وجميعها ضارية .
وانقشعت الملحمة المخيفة عن إبادة هذه الفرقة بقضّها وقضيضها ! وأسفرت المعمعة عن ساحةٍ كبرى وقد فُرِشَتْ بهياكل الخيول العظميّة ، وكذلك هياكل الجنود المئة والخمسين !
ولم ينج منهم أحدٌ على الإطلاق !
حتى الذئاب التي قُتِلَتْ برصاص الجنود جُرِّدَتْ من لحومها إذ افترستها الذئاب الباقية لشدّة جوعها البالغ .
الحادث واقعيّ
في اليوم الثاني دُهشت القيادة لعدم وصول الجنود إلى ثكناتهم ! فأرسلت فرقةً آليّة لترى ما الخبر .
وإذا هم يشاهدون ركاماً من العظام التي تخلّفت عن وليمة الذئاب المرعبة !
وهذا الحادث الواقعيّ المخيف نشرت أنباءه الصّحف الروسيّة ، وسجّلته إضبارات الحكومة الروسيّة.
وهو من أفظع وأرهب ما حدث في روسيا .
بيروت الساعة الثامنة
من ليل ١٩٨٠/١/٢٠
من كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة “، الجزء الرابع، دار النار والنُّور، بيروت، ص. 60-62.