من الفشل في بناء الإنسانيَّة
بقلم الكاتب حسين يونس

الفشل والنجاح أو السقوط والإرتقاء هو نتيجة طبيعيَّة لصراعٍ بين مُعادلتين في مسيرة الحياة، يخضع لثنائيَّاتٍ مُتضادة سواءً كانت علميَّة، ماديَّة أو غيرها. وهذا ما يتَّفقُ مع الرؤى الروحيَّة التي تؤمن بالعدل الإلهيّ وضمان التوازن الكونيّ من باب التقمُّص حسب المفهوم المُطلق، وأقلَّه حسب المفهوم الداهشيّ. ففي الداهشيَّة مُعادلة العدالة الكونيَّة أشدُّ تعقيداً من مفهوم الجزاء البسيط في عمليَّة الثواب والعقاب، حيثُ لا وجود للظُّلم. فالتقمُّص دورة إنسيابيَّة مُتتابعة وإلزاميَّة للسيَّالات الروحيَّة لتحقيق التراكم النَّوعي للوعي وتصحيح الإنحرافات فيما سبق من حيوات، تعود فيها الى الحياة بالظروف التي تُطابق تماماً المقدار المفقود من العدل الذي تسبَّبت فيه أو خسرته. هذا التقمُّص إستمراريَّة الحياة الأبديَّة، بأشكالٍ لا نهائيَّة، وطبقات وعي مُتزامنة في السيَّال نفسه، وأبعاد لا يُدركها البشرُ ينتفي فيها الزّمن، الى أن يُدرك الوحدة الوجوديَّة.
وبين كلّ صراع ومُعادلة رحلة أجسادٍ بطلها النسيان كرحمةٍ وجوديَّة، خوفاً من الإنهيار تحت ثقل الذّكريات، (أقلّه في الإنسان). تحملُ في طيَّاتها مُعاناة تجسُّداتها السّابقة وديونها المؤلمة، وباب البحث في أسبابها ومُسبِّباتها، وفرصة عادلة للإرتقاء مُجدَّداً، تضمن فيها السيَّالات العودة الى حُضن المُطلق، ولو بعد حين.
فالإنسانُ مُجرَّد مُتغيِّرٍ في مُعادلةٍ كونيَّةٍ كُبرى ومشروعٍ إلهيٍّ بعيداً عن مداركنا السطحيَّة البسيطة، والفشلُ مأساةٌ تكمنُ في إضاعة الفُرَص من رحمة الله عزَّ وجلّ، ورفض الوعي والإدراك يُطيل دورات الحياة في ساحات الإختبار وهذا ما يُمثِّلُ ذروة المأساة الوجوديَّة، وهروباً من تحقيق الوحدة الإلهيَّة. ممَّا يزيد من المُعاناة والظروف الصَّعبة التي نعيشها.
وعليه، يكون الصِّراع في النَّفس الإنسانيَّة دائم مع الرُّوح الأزليَّة الباحثة عن الوحدة، يخضع لمُعادلة مُعقَّدة تعيش في فضاءٍ مُتعدِّد الأبعاد، ترقصُ على حافّة التناقض بمدى قدرة الرُّوح على الإلتصاق بجوهرها النورانيّ وتجاوز وهم الإِنفصال. يُستخدم فيه الفكر النيّر، الخبرة في التجارب، بذل الجهد، الثبات في المُثابرة وعزيمة لا تلين، لتحقيق الذات على الصعيدين الماديّ والرُّوحيّ، أضف اليها الثقة بالنفس، القدرة على إدارة الوقت، استغلال الفرص، عدم الاستسلام للعوائق، كسب المعارف والعلوم والاستفادة من تجارب الآخرين،. وفي الحالتين، فإنَّ الحياة خليطٌ من التجارب والأحداث يعيش على الماضي، يستمتع بالحاضر ويتطلَّع الى المُستقبل، في محاولاتِ الإكتشاف والبحث والفهم.
ونحنُ إذ نتحدَّثُ في دراستنا عن الفشل في بناء الإنسانيَّة، لا نقصد الإخفاق العلميّ أو الماديّ، إنَّما نتحدَّثُ عن الجانب الرُّوحي منها، عن الرُقيّ الخُلُقي، بالرغم من معرفة الإنسان بالقيم والمُعتقدات والمبادىء الأخلاقيَّة من خلال الأديان السماويَّة التي تُشكل جزءًا أساسيًا من هويته وتفاعله مع من حوله، توجّه سلوكه وتؤثِّر في قراراته، ممَّا يطرحُ تساؤلاتٍ وجوديَّة عميقة تشمل طبيعة الوجود، ووجود المُعاناة ومعنى الحياة وهدفها، ومُناقشة معايير الوعي وطبيعة الحريَّة والمسؤوليَّة عن أسباب هذا الفشل.
الرحمة الإلهيَّة:
إنطلاقاً من طبيعة الله كجوهرٍ أزليّ وكمالٍ سرمديّ، كان العدل كصفةٍ إلهيَّةٍ أساسيَّة مُطلق، يعكسُ التزامه بالحقِّ والإنصاف وعدم الظُّلم. وهذا ما أجمعت عليه جميع الديانات السماويَّة ودون إستثناء، على لسان أصحابها وفي كُتُبِها وأحاديثها ورواياتها، معروفها ومجهولها، وإن إختلفت في طقوسها وتفاسيرها، بعيداً عن جوهرها.
وتجسيدًا للحكمة الإلهية، وتحقيقاً لعدالة السماء كانت القوانين والأنظمة الإلهية الثابتة جزءًا أساسيًا من مفهوم العدل الإلهي، ممَّا يمنح المخلوقات طرَّاً، روحيَّةً كانت ام ملائكيَّة، ماديَّة أم جحيميَّة، ومن ضمنهم البشر إطارًا لفهم مسؤولياتهم وأفعالهم، تهدف إلى تعزيز الوعي الروُّحي وسقف الحريَّة بين الجميع على إختلاف مستوياتهم،. فالله العادل بصفته عالمًا بكل شيءٍ وقادرًا على كل شيء، ولا تُخفى عليه خافية، يُراقب ويُحاسب ويُعاقب على الفكر والعمل بناءً على إختياراتٍ وقراراتٍ حرَّة، ما يعكس أهميَّة الحريَّة في تحقيق العدالة.
ولجهل الإنسان بقوانين الله تعالى، وحياته القصيرة نسبيَّاً بمفهومها الماديّ لمعرفة أبعاد الكون ووجوده، ودُنيانا الحافلة بشتَّى المُغريات التي لا يستطيعَ مقاومتها، يُصارعُ فيها ميوله الشريرة ونزعاته الدنيويَّة، وما يختلجُ في نفسه الأمَّارة بالسوء، مُنهمكاً في تحصيل لقمة عيشه ولو بطرقٍ ملتوية، سيذهب البشرُ جميعُهم إلى جهنَّم النَّار المتَّقدة، -على حدَّ قول مؤسِّس الداهشيَّة- ويمكثون مُخلَّدين فيها من دهرٍ إلى دهر، ومن أزلٍ إلى أبد. وهذا ظلمٌ رهيب، يُناقض طبيعة الله في كينونته، بقوله تعالى في سورة النساء، الآية 40: ” إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا.”
وعليه، ومن مبادىء الحقيقة المطلقة، المُتمثِّلة بالمحبَّة والحقّ والخير والجمال، أساس كينونة الله عزَّ وجّلّ، كان لا بُدَّ من إعطاء البشر بعضاً من المعرفة الروحيَّة عن الواقع والذات والكون حسب القدرة الإستيعابيَّة لهم ضمن إستحقاقاتهم، ولفهمٍ أعمق وخيالٍ أوسع وإحساسٍ أكبر كي يستنيروا بها في رحلة الوجود، ممَّا ينعكس إيجاباً في السلوك الإنساني، ويدفع قُدُماً نحو التطوُّر الحضاريّ.
ولأن العدالة الإلهيَّة تتَّسم بالرحمة، وهي من صفات الله تعالى، تعكس الفيض الإلهي وتُعبِّر عن الحبِّ اللامُتناهي، ممَّا يعكس كماله وعظمته. تتجلَّى آثارها في الحياة الدُّنيا والآخرة على السَّواء، إلاَّ أنَّها ليست بمعنى العفو الكُليّ. يقول الدكتور داهش في مُذكرات يسوع الناصري، الجزء الأول:” وبالرغم من حُبِّي إيَّاك، فإن العدالة الروحية تأبى إلا تنفيذ الحق..”
وبين حكمة الله ورحمته، تتجلَّى عدالته في قوله تعالى:” وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ.” سورة القصص: 59.
وانطلاقاً ممَّا تقدَّم، ومن مبدأ الرحمة الإلهيَّة، جوهر الوجود الإلهي، حيثُ تتجلَّى مظاهرها في السموات والأكوان والأرض وما بينهما من مظاهرِ الوجود والحياة والكائنات، معروفها ومجهولها. كان لا بُدَّ من رُسُلٍ وأنبياءٍ وهداةٍ ومُصلحين حقيقيين، وفي أزمنةٍ مُختلفة ومُجتمعات مُتباعدة لهداية البشر، يدعون للإيمان بالله واليوم الآخر، ويحذِّرون من عواقب عصيان النواميس الإلهيَّة، بإيصال التعاليم الإلهيَّة المنطوية على فهمٍ عميق للقوانين الروحيَّة، وتوجيهاً للسلوك البشريّ بإرشادهم الى طريق الحقِّ والخير والنور واليقين، وإخراجهم من الظُّلماتِ وجهل الأمور الروحيَّة، والوقوف ضدَّ الظُّلم والإستغلال، وكيفيَّة التعاطي بين الإنسان وأخيه الإنسان بعيداً عن أصله وجنسه ولونه بتعزيز التعاطف والرحمة فيما بينهم، وبناء مُجتمعاتٍ عادلة تقوم على مبادئ الأخلاق والقيم الإنسانيَّة النبيلة، كما لتحقيق العدل والمساواة بين الناس والخلاص في الحياة الدُّنيا والآخرة.
ولكي لا يكون لمخلوقٍ حُجَّةً على الخالق في يوم الدينونة، وحسابٌ على تصرُّفٍ بدائيٍّ فطري، ينمُّ عن جهلٍ بالقوانين الإلهيَّة، وعدمَ فهمٍ لطبيعة الإنسان ووجوده، ولا يمُتُّ بصلةٍ الى الوعي والعقلانيَّة في عالم الماورئيَّات، وإدراك الحياة ما بعد الموت، ومدى توافق الأفعال ونتائجها مع القيم الإخلاقيَّة ومعاييرها، وانعكاساتها في الرقيِّ والإنحطاط، ولا يوازن بين المعرفة البشريَّة والقصاص الإلهيّ. كانت الرسالات السماويَّة، مؤيَّدة بالمعجزات الباهرات السنيَّة من خلال الوحي الإلهيّ وعلى لسان أصحابها وكُتُبِها المُقدَّسة توفِّرُ أساساً منطقيَّاً لفهم الأمور الماديَّة والأبعاد الروحيَّة والمسؤوليَّة الأخلاقية على حقيقتها بما يتناسب وعقول البشر في كلِّ مرحلة من مراحل التقدُّم العلميّ والروحيّ، ذلك بأنَّ المعرفة تُنير العقول وتُعزِّز القدرات وتمكن الأفراد من اتخاذ قرارات مُستنيرة، وتحمُّل المسؤوليَّة عن عواقب الأفعال، كما تُسهم في بناء مُجتمعات أكثر عدلاً وإنسانيَّة.
ومن مبدأ أساس التجربة الإلهيَّة للسيَّالات الروحيَّة في الحُرِّيَّة والاختيار وتحمُّل المسؤوليَّة، بالتسليم الى أوامر الله ونواهيه، والانجذابُ إليه كُـلِّـيًّا انجذابَ حُبٍّ كامل، وإمَّا استخدامُ إرادتها في التفكير بذاتها واختيارُ المغامرة في المجهول؛ وخروج الكثير من السيَّالات الروحيَّة من المُحيط الروحانيّ الإلهيّ، وبالتالي إلى الابتعاد عن عالَم السعادة الأبديَّة ابتعادًا مصيرُه شقاءٌ أبديّ، ولذا أقامت عدالتُه الإلهيَّةُ توازُنًا بين جاذبـيَّة الخير وجاذبيَّة الشرِّ في كلّ روح، بحيثُ يـبقى مُمكنًا للسيَّالات الروحيَّة، بعد انتهاء تجاربها مهما طالَت، أن تخلصَ من أيِّ نقصٍ أو فسادٍ أو شقاء، وتعود فتندمجَ بالروح الإلهيَّة الأُمّ، ثمَّ بالخالق عَز َّ وجَلَّ.
كان لا بُدَّ للسيَّالات الهابطة أن تُعيد التجارب الأرضيَّة التي هي إمتدادٌ طبيعي للسقوط الأول، ومنطقيَّة آليَّة الكون التي أساسها نشوء “النظام الإلزامي للعودة والارتقاء” بعد الانفصال عن المصدر الأزليّ، كما تؤكِّد على الهدف الحقيقي من دورة التقمُّص.
يقول الدكتور داهش في كتاب “إبتهاللاتٌ خشوعيَّة ” ص 55 من الإبتهال الحادي عشر:
” أمَّا روحي فإنَّها كانت تلهجُ بعَظمته،
قبلَ أن اتَّخذت لها جسدي الترابيَّ لِباسًا.
وستمكثُ مُعدِّدةً مراحمَه
طوالَ أيَّام ضيافتها القصيرة على هذه الأرض،
حتَّى تدقَّ ساعةُ انفصالها وعودتها إلى أصلها الروحانيّ،
وإذْ ذاكَ ستبدأُ بإكمالِ نشيدها الخالد من حيثُ انتهى.
ومن ذا الذي يستطيع بلوغ العوالم الروحيَّة ومن ثمَّ الإندماج بالعزَّة الإلهيَّة في حياة بشريِّةٍ قصيرةٍ مهما طالت.
يقولُ الدكتور داهش في مقدّمة الجزء الثاني من “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”:
“مِن المؤكَّد أنَّ [الإنسان] لا يستطيع أن يكون سلوكُه مثاليًّا إذْ إنَّ دنيانا حافلة بشتَّى المُغريات التي تُسقطُه في أشراكها التي لا ينجو منها ناجٍ. فالمرأةُ له بالمرصاد، تستهويه فيندفع في خِضَمِّ الشهوات العارمة، وحبُّ المال يُكبِّلُه بكبوله التي لا تُقاوَم فيستعبدُه، والعظمة، وحبُّ الوجاهة، والكبرياء الخ… جميعُ ما ذكَرتُ تقودُه إلى مهاوي الهلاك المؤكَّد”.
في الفكر الداهشيّ، لا ينتهي سقف الإرتقاء الروحيّ بولوج جنَّات النعيم والفراديس الإلهيَّة، وإنَّما بالإندماج بالقوَّة الموجِدة، أساس فَصْلِ إله الآلهة عن ذاته أرواحاً على مِثاله. وبالتالي فالحياة المُستمدَّة من سيَّالات الأرواح الإلهيَّة خالدة، لأنَّ جوهرها من لدُن الله عزَّ وجَلَّ. وعليه، وكي لا يضيق الإنسان صبراً على مشاكل الحياة ومآسيها، ومللاً من التغلُّب على ميوله الدنيويَّة ونزعاته الشرِّيرة، ويأساً من الارتقاء الروحيّ الذي يؤَهِّله لولوج عالَم الكمال، عالَم الأُلوهة.كان التقمُص.
وهكذا، فإن دورات التقمُّص التي بدأت بكلمة منه لا تنتهي إلاَّ بالعودةِ إليه.
وهناك الكثير من الإشارات التي تدلُّ على التقمُّص في الديانات السماويَّة وأقوال الفلاسفة والأدباء. وتتمحور حول فكرة إنتقال الرُّوح أي بمعنى النَّفس بعد الموت من جسدٍ حيٍّ الى جسدٍ آخر، وقد يكون ذلك جزءاً من دورة الحياة الطبيعيَّة. ففي الهندوسيَّة والبوذيَّة والجاينيَّة يعتمد مصير الرُّوح في الحياة القادمة على الأفعال في الحياة الحالية، والعمل على التحرُّر من المُعاناة بالزهد والتقشُّف. وتحدَّثَ أفلاطون وفيثاغورس عن خلود الرُّوح وإنتقالها الى أجسادٍ جديدة كجزءٍ من عمليَّة تعلُّم الحقائق. بينما ترفض كهنة الأديان الإبراهيمية فكرة التقمُّص، وتؤمن بالحياة الآخرة والبعث بعد الموت.
ولكن من يُبحر بقراءة كُتُبِها المُقدَّسة بعيداً عن أنواءِ مُعتقداته التي توارثها عبر الأجيال، وعن التفسيرات السطحيَّة التي إعتمدها رجال الدين والمُفسِّرين، يغوص في أعماق مناهجها، يغرفُ من لآلىءِ كلماتها، فكراً نيِّراً يُضِيءُ به جوانب النّّفسِ المُظلِمة، تُحرِّره من الأفكار الراسخة في ذهنه، والتي لم تخضع للغة العقل والفكر والمنطق وشكَّلت معاييره الثقافيَّة الدينيَّة. ومن أنعمَ الله عليه بالبحث عن الحقائق الروحيَّة، وأمدَّه بالقدرة على التفكير والتأمل والفهم، يجد فيها من المعاني والأفكار والأبعاد العميقة لطبيعة الإنسان والكون وما وراءه، ما لا يّمُتُّ بصلةٍ الى الفلسفات والنظريَّات المعروفة لدينا، ولا الى التفسيرات السطحيَّة التي إعتمدها رجال الدين والمُفسِّرين. يرى فيها أيآتٌ بيِّناتٌ تتجاوز الإعجاز اللغوي، وأبعادٌ روحيَّة تمنحُ الطمأنينة وتزرع السكينة وتُهدي النفوس الحائرة القلقة. تفتح أمامه أبواب مدينة العلم والعلوم والمعرفة والوعي والحكمة. يعَثَرَ فيها ما يُنير بصيرته ويفكِّك الرموز الموجودة في النصوص وأوجه الشبه فيها، تزيده معرفةً عن علاقة الإنسان بعوالم الأرواح واالخالق، وفهم الهدف من الحياة والوجود، ومصير الإنسان ما بعد الموت بأبعاده الروحيَّة وأسبابه ومُسبِّباته، بما فيها التقمُّص والغاية منه.
لكن مهلاً، أليس من البديهيّ أن نتساءل عن العدالة الإلهيَّة والسرِّ الأعظم في تفاوت القوى الإدراكيَّة والنزوعيَّة والإراديَّة بين البشر، وبين الصحيح والعليل والقوي والضعيف والغني والفقير، وبين البشر والشجر والحجر والدَّواب والهوام الخ…وما هو مقياس الخلق؟ ثمَّ نتكلَّمُ عن عدالة الله وحكمته!..
وحاشى الله في ذلك، وهو الذي لا يظلمَ مثقال ذرَّةٍ.
لنعود الى الوراء قليلاً، الى بداية الخلق بالمفهوم البشريّ، حيثُ ورد في الكُتُبِ السماويَّة قصَّةُ خلق آدم، ورغم وجود بعض الإختلافات في التفاصيل، إلاَّ أنَّها أجمعت على أنَّ آدم وحوَّاء عاشا في الجنَّة قبل أن يُطرَدَا بسبب الأكل من الشجرة المُحرَّمة، وكعقابٍ أخرجهما الله الى عالم الأرض بسبب عدم الإمتثال لأوامره. يقول في سفر التكوين”: فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. ” (تكوين 3: 23). كذلك فرض عليه العمل الشَّاق والمُعاناة والموت: “بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا” (تكوين 3: 19). وهذا إنّْ دلَّ على شيء يدلُّ على النتيجة الحتميَّة لمُخالفة أوامر الله وعصيانه، ويؤكِّد وجود العدالة الإلهيَّة.
نستنتج من قصة آدم وحواء عواقب الخطيئة نتيجة لعصيانهما، وأهميَّة الإلتزام بتعاليم الله والتقيُّد بوصاياه،. وتؤكِّد على مفهوم الإرادة الحرة والمسؤولية الشخصية، وأهميَّة إتِّخاذ القرارات والخيارات وما يترتّبُ عليها من شقاءٍ ومعاناة على أنفسهم وذراريهم من بعدهم، وما لها من إنعكاساتٍ سلبيَّة في النَّفس البشريَّة والروحيَّة على السواء.
إذاً، طردُ آدم من الجنَّة عقوبة، والمُعاناة عقوبة، والشقاء عقوبة، والموت عقوبة، وهو الإنسان الأول، جبله الله جلَّ جلاله، ونفخ فيه من روحه، أبو البشريَّةُ جمعاء، وأبو الأنبياء. فكيف يكون النَّقص في الخَلْقِ والخُلُقِ، والتفاوت في القوى الجسديَّة والعقليَّة، والتباين في المُعاناة والشدائد والمصائب والعاهات، أضف إليها البُعد الشاسع بين الذكاء والغباء والفقر والثراء والقدرات والمهارات، وأختلاف القيم والمُعتقدات والعوامل الوراثيَّة والبيئيَّة، والبَوْن الواسع بين الطموح والإبداع، وفي القدرة على التحكُّم في السلوكيَّات والرغبات والميول الوضيعة، وفي التجارب التي تعترض مسيرة الحياة، حتى وفي طول الأعمار أو قصرها. محضُ صُدفةً أو خلَلاً في الهورمونات أو لتجاربٍ بعيداً عن السببيَّة الروحيَّة والجزاء العادل، ونحن أبناء الخطيئة، بنو البشر.
ألا يكون كلُّ ما ورد أعلاه إستحقاقاتٌ وجزاءٌ وفاقاً على ما اجترحناه من أعمالٍ طائعين مُختارين في حيواتنا السابقة؟ ومن قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (يونس: 44). كذلك يقول: “إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا” (النساء: 40). ولا يُعْقَلُ أن يكون الله ظالماً، وهو العادل والعدل…
هذه الجملة تعبر عن سعة رحمة الله التي لا حدود لها، والتي تشمل كل مخلوقاته، وتصل حتى إلى أصغر التفاصيل في حياتنا. رحمة الله هي النور الذي يضيء دروبنا، والأمل الذي يبقينا في حالة من الشكر والرضا، حتى في أصعب اللحظات.
وبما أنَّني أتكلَّمُ عن رحمة الله التي وَسِعَت كلَّ شيء، لن أكتفي بالرسالات السماويَّة والتقمُّص، بل سأُضيفُ عليها بعضاً من سيَّالات الأب السَّماويّ وفقاً للفكر الداهشيّ. يقول الدكتور غازي براكس:” بعدَ تكوين آدَم من جرَّاء سُقوط رهطٍ من السيَّالات الملائكيَّة في تجربة الحرِّيـَّـة والمعرفة، أصبحَ مُتعذِّرًا على تلك السيَّالات الروحيَّة الهابطة، السَّجينة في شكلٍ مادّيٍّ بشَريّ، أن تتغلَّبَ على تجارب الأرضِ الكثيرة ومُغرياتِها القويَّة بمُجَرَّد وَعيِها وجُهدِها الذاتيَّـين، من أجلِ أن تستعيدَ درجاتها الروحيَّة التي فقدَتها.”
ومن باب الثواب والعقاب، ووفقَاً للنواميس الإلهيَّة التي أوجدَها ﷲ، وتبعًا لنظام العدالة الروحيَّة التي تضبط وتتحكَّمُ في كلَّ ما دون الله والتي تُعبِّر عن إرادةٍ إلهيَّةٍ حكيمة ورحمة شاملة لإستمراريَّة الكون وتوازنه. حجَبَت العناية الإلهيَّة بصائر تلك السيَّالات، وحلَّت عليها ظلمات الجهل، وبهَتَ فيها المعرفة الى الفهم العميق لأسرار الكون والحياة، وضَؤُلَ إدراكها لكشف الحقائق الروحيَّة، عندما كانت راتعةً في فراديس النَّعيم.
وبين العدل والحكمة، تتجلَّى رحمة الله في الكون لتجعل من الحياة فرصةً تمنح الإنسان أملاً وصبراً وقوَّةً في مواجهة الإغراءات والتحدِّيات للعودة الى أصل النَّفس في سموِّها. يقول في كتابه العزيز، سورة النحل، الآية 18: “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ”. وشاءت الرحمة الإلهيَّة أن تنظر بعطفٍ الى جميع من هبطوا الى الفردوس الأرضيّ، لذلك كان لا بُدَّ من ضرورة التدخُّل الإلهيّ بإرسال كائنٍ روحيٍّ ساميّ يضطلع بمُهمَّة الفداء والخلاص ويتحمَّل العذاب والآلام من أجل إفتداء سيَّالات آدم الساقطة ويتطوَّع لإنقاذها من براثن الفناء والضياع، ويمنحها القوَّة والإرشاد حتى تُصبح جديرة بالعودة الى عوالم الفراديس.
وبعد أن أذِنَ ﷲ تعالى لسيَّالاتٍ من المسيح الإله والمُخلِّص بالهُبوطِ والاندماجِ بآدَم قبل أن تجسده المشيئة الالهيَّة في الأرض. وكانت تجربةُ الحرِّيـَّة والمعرفة مرَّةً ثانية، فكسر الوصيَّة وسقطَ في الامتحان. فحُكم عليها بالهبوط الى الأرض مجتمعة في كيانٍ بشريٍّ هو آدم. ومن سيالات آدم كانت حواء، ومن الاثنين تناسلت البشرية الجديدة… ومن جرَّاء سقوطه وتحمُله المسؤوليَّة، واتِّحادِه بجسمٍ بشريّ، أصبحَ خاضعًا للقوانين الطبيعيَّة التي تحكمُ الأرضَ وما ومَن عليها، ومُعرَّضًا لجميع التَّجاربِ البشريَّة، ومسؤولاً عن أعمالِه وأفكارِه ورغَباتِه بصِفَتِه جزءًا روحيًّا من آدم. ومن بعده أُرسِلَت الى الأرض وانبثَّت في الأنبياء والمُرسلين والهُداة والمُصلحيين الروحيين، لنَشر المحبَّة والفضيلة والقِيَم الإنسانيَّة السّامية بين الناس، بُغيةَ ترقيـتِها واجتذابها إلى عوالم الفراديس ثمَّ العوالم الروحيَّة. والله جلَّ جلاله لا يُعذِّبهم إلاَّ بعد أن يُبيِّن لهم الحقّ ويأمرهم بالصلاح. يقول تعالى في القرآن الكريم، سورة الأنفال، الآية 33 :”وَمَا كَانَ اللَّهُ ليُعذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ومَا كانَ اللَّهُ مُعذِّبَهمْ وهمْ يسْتغْفِرُونَ”.
وقد أشير في المفهوم اللاهوتي المسيحيّ الى اعتبار المسيح تجسيداً للخلاص الإلهيّ من الخطيئة والمعاناة، وتقديم الخلاص والغفران، حيث قدم نفسه ذبيحة من أجل فداء البشرية. ومفهوم الله الذي يتخذ شكلاً بشريًا ليتألم ويموت من أجل خطايانا في صورة يسوع المسيح يُنظر إليه باعتباره فعلاً من الرحمة الشاملة، ممَّا يدل على عمق رحمة الله تجاه خلقه.
ومن يبحث في التعاليم الداهشيَّة بقلم الدكتور غازي براكس يجدُ شرحاً وافياً ومصدراً غنيَّاً للحقائق الروحيَّة حول هذا الموضوع.