لمحات من آراء غاندي في الدين والأديان
بقلم المحامي فارس زعتر
*مقال في جزئين.
الجزء الثاني :

ه – غاندي، الهندوسي المحتد والمولد والنشأة، رفض، في مرحلة مبكرة من تكوينه الثقافي، حصرية الوحي الإلهي في الكتابات المقدّسة الهندوسية، ولم ير أي مبرّر على الإطلاق لهذه الحصرية المانعة. وأكّد بأسلوب التساؤل: “ما معنى قولنا أن الفيدا ( الكتابات المقدسة الهندوسية) هي كلمة الله الموحاة؟ إذا كانت موحاة، فلماذا لا يكون كذلك الكتاب المقدس والقرآن أيضاً؟ (٣٥) وبعد قراءات مستفيضة في الأديان، وطول تأمّل فيها واستبطان لمعانيها توصل غاندي الى نتيجة مؤداها أن أديان العالم الكبرى، ولا سيما المسيحية والاسلام والبوذية، هي أديان صحيحة تحقق غرضاً إلهياً وتخدم حاجات المؤمنين بها:
“إنني على قناعة أن جميع الأديان الكبرى في العالم هي أديان صحيحة، وقد أرادتها مشيئة الله، وهي تخدم الغرض الذي يريده الله والذين نشأوا في هذه الأديان وفي الظروف المحيطة بها . “(٣٦)
فهناك إلهٌ واحد (حقيقة مطلقة واحدة)، والأديان طرق مختلفة توصيل الى غاية واحدة . (٣٧) ورأى غاندي أن أديان العالم الكبرى تقوم على مبادىء أساسية مشتركة، وأنها جميعها قد أثمرت قديسين عظماء (٣٨). واذا كانت الأديان واحدة في الجوهر وتقوم على مبادىء أساسية مشتركة فإن “جوهر الدين هو الأخلاق”… “فالدين الحق والمناقبية الحقة مترابطان ارتباطاً لا ينقصم ” . (٣٩)
ويُسلّم غاندي بأن النتيجة المنطقية للإيمان بوجود إله واحد هو وجوب وجود دين واحد في العالم. ولكنه يرى أن ذلك مستحيل لأن الذي فرض تعدّد الأديان إنما هو الاختلاف في الطبائع البشرية (الأمزجة) والمحيط الطبيعي (المناخ). حول ذلك كتب ما يلي:
“الإيمان بإلهٍ واحد هو حجر الزاوية لجميع الأديان. ولكنني لا أرى أن الوقت سيأتي الذي لا يكون فيه إلا دينٌ واحد على الارض في الواقع . من الوجهة النظرية، طالما أن هناك إلها واحداً فلا يمكن أن يكون هناك إلا دينٌ واحد. ولكن عملياً، لا يتفق إثنان من البشر على ذات المفهوم لله. ولذلك، فسيبقى ربما، على الدوام، أديان مختلفة تستجيب للأمزجة والظروف المناخية المختلفة”.(٤٠)
ومع ذلك، فغاندي يعتقد أن هناك ديناً واحداً كونياً تنبثق منه الأديان المختلفة. وينظر إلى الأديان بمجملها وعلى اختلافها بأنها تشكّل وحدة في إطار الدين الكوني الشامل الذي يعبّر كلٌ منها عنه. فهو يُشبّه الأديان المختلفة في علاقتها ببعضها البعض وبالدين الشامل الكوني بالأغصان المختلفة في شجرة واحدة. إذا أخلص كل منكم الى غصن من أغصان هذه الشجرة الى غصنه فإنه يخلص في الآن نفسه إلى الشجرة بأكملها. وقد يكون الدين الكوني الشامل الذي يقصده غاندي إنما هو الحقيقة الإلهية المطلقة التي تعبّر بلمحات عنها الأديان المختلفة. ولذلك فهو يشير إلى أن هذا الدين يقصر عنه الكلام ” (٤١).
ومن هنا يمكن الاستنتاج، أن الحقائق الدينية نفسها ليست حقائق مطلقة ، من منظور الحقيقة المطلقة ، بل هي أفضل ما يمكن مخاطبة الناس القاصري المدارك لأن الكمال لله وحده.- به من حقائق بواسطة الكلام البشري. ولذلك فقد شدّد غاندي على أهمية التفسير المستنير المسترشد بروح الدين الحقيقي من جهة ، وعلى عدم إلزام الآخرين بتفسير معيّن إذا لم يستطيعوا الاقتناع به، إذ في هذا الالزام تعرّض لحريتهم الفكرية والدينية. وهكذا، وبما أنه سيظل هناك أديان مختلفة ، واختلافات في تفسيرها، وبما أن كلّ واحد يظنّ نفسه على صواب، ومن المحتمل أن يكون الجميع على خطأ، فإن الإيمان الجدي بأقصى درجة من التسامح هو عنصر ضروري على الدوام.”فالقاعدة الذهبية للسلوك … هي التسامح المتبادل ، بإعتبار أننا لن نفكر أبداً بالطريقة ذاتها، وسوف نرى على الدوام أجزاء من الحقيقة ومن زوايا مختلفة. وكما أن الضمير ليس واحداً لدى الجميع.ومع أنه يصلح دليلاً للسلوك الشخصي، فإن فرْض هذا السلوك على الجميع إنما يشكل تدخلاً لا يطاق في الحرية الفكرية لكل إنسان” .(٤٢)
إلا أن الوجه الآخر للتسامح ، هو عدم رفض أو كره الشخص الذي نرفض آراءه أو لا نتفق معه عليها .(٤٣)
وهناك قاعدة مهمة يعطيها غاندي تساعد على النظرة الموضوعية والمتسامحة إلى الأديان الأخرى وهي تقضي بتقييم الدين على أساس الخير الذي فيه لمعتنقيه حول ذلك كتب غاندي:
“بالدين الصحيح أقصد الدين الذي تكون محصلة مجموع طاقاته لخير أتباعه، وبالدين غير الصحيح أقصد الدين الذي يطغى عليه الباطل. ولذلك، إذا كنت تعتبر أن المحصلة الإجمالية للهندوسية كانت سيئة بالنسبة للهندوس وللعالم، فيكون عليك أن ترفضها باعتبارها ديناً غير صحيح ” (٤٤).
وفي هذا الإطار، إنتقد غاندي موقف المبشّرين المسيحيين في الهند لأن في أساس جهود الارساليات الافتراض القائم أيضاً على صحة معتقد المبشّر، وعلى أن هذا المعتقد صحيح ليس فقط له وحده بل وللعالم أجمع كذلك “.(٤٥) هذا الموقف الخاطيء من الوجهة المبدئية ينطوي في رأي غاندي على “استعلاء روحي” لا مبرر له (٤٦). وفي خطاب شهير ألقاه في حشد من المبشرين المسيحيين في ۲۸ تموز ١٩٢٥، انتقد غاندي هذا الموقف الاستعلائي الباطل بهذه الكلمات الصريحة: “أنتم ، أيها المبشّرون ، تأتون إلى الهند وفي اعتقادكم أنكم تأتون إلى أرض يقطنها وثنيون، وعابدو الاصنام وأناس لا يعرفون الله (٤٧).
وفضلاً عن أن هذه المواقف الأساسية للمبشرين خاطئة بصورة جوهرية مبدئية، فإنها في رأي غاندي، تقيم الحواجز بصورة تلقائية بين الناس، وهي مضرّة لأن التركيز في جهود المبشرين هو على كسب “المهتدين” – في رأيهم إلى دينهم أكثر من التركيز على زيادة الصلاح يجعل الناس أكثر صلاحاً وهم في أديانهم الخاصة بهم. ولكن هذا لا يعني أن غاندي يرفض اعتناق المرء لدين يقتنع به، ويرتاح اليه وينشرح له صدره .(٤٨)
٦- ولا بدّ من الإشارة في هذا المجال، إلى ما جاء في كتاب البابا يوحنا بولس الثاني ” Crossing the threshold of Hope ” عن خيبة أمل غاندي ” في الطرق التي يُعبّر فيها عن المسيحية في الحياة السياسية والاجتماعية للأمم”. وفي هذا الإطار يؤكد البابا بصيغة السؤال: هل يمكن لرحل فاضل من أجل تحرير أمته العظيمة من التبعية الاستعمارية أن يقبل بالمسيحية بنفس الشكل الذي فرضتها فيه على بلده القوى الاستعمارية نفسها ” .(٤٩)
وما جاء في كتاب البابا صحيح لجهة خيبة أمل غاندي بالممارسات السياسية والاجتماعية للدول الغربية المسيحية وانتقاده لها. ولكن غاندي لم يعتبر المسيحية مسؤولة عن ممارسات المسيحيين في المجالين السياسي والاجتماعي ، ولا حتى في غيرهما من المجالات بما فيها مجال الممارسة الدينية نفسها. غاندي لم يقبل بالمسيحية التي تبشّر بها الكنائس المسيحية، لأنه لم يقتنع بمبادىء أساسية تنادي بها ولكنه قبل المسيح والمسيحية وفقاً لفهمه الخاص لهما الذي جاء مناقضاً لمبادىء أساسية تنادي بها الكنائس. وآراؤه في ذلك معروفة (٥٠).
فغاندي لم يكتف بالتفريق بين ممارسات المسيحيين وبين المسيحية، بل فرّق أيضاً بين المسيحية مثلما جاءت في الانجيل وبين ممارسات الكنائس المسيحية التي يعتبرها أدوات أو صيغ من صنع البشر مثلما يُستشفّ من رسالة أرسل بها إلى صديق له هو الدكتور “،ألوين” (Dr. Elwin ) الذي نعته أحد الأساقفة بالخائن للمسيح وحظّر عليه الوعظ في الكنائس. جاء في رسالة غاندي:
“أتمنى أن لا تتأسى مما يقوله الأسقف. فكنيستك هي في قلبك والأرض كلها منبرك، والسماء الزرقاء هي سقف كنيستك. وما هي هذه الكثلكة؟ إنها طبعاً من القلب. إنها صيغة لها استخدامها. ولكنها من صنع البشر. وإذا كان لي أي حق في تفسير رسالة يسوع مثلما هي موحاة في الأنجيل، فما من شك يخامرني في أنها بصورة أساسية غير موجودة في الكنائس، سواء أكانت كنائس كاثوليكية أو انكليزية، وسواء أكانت كبيرة أم صغيرة. فلا مكان لأليعازر في هذه الأمكنة. وهذا لا يعني أن القيّمين عليها يعلمون أن “رجل الأحزان” قد نفي من الأبنية المدعوة “بيوت الله”. وفي اعتقادي ، إن هذا الحرم الكنسي هو الدليل الأوثق على أن الحقيقة هي فيك ومعك. ولكن لا قيمة لشهادتي ما لم تسمع صوت مكوّنك، عندما تكون منفرداً معه، يقول لك: إنك في الطريق السوي”. هذا هو المعيار الذي لا يخطىء، ولا معيار سواه “(٥١).
ومما لا شك فيه أن مثال السيد المسبح الأسمى المتمثّل بالمحبة الشاملة والغفران والتسامح والطهارة والعفّة ونكران الذات ومساعدة الفقراء والبؤساء ومناصرة المظلومين والضعفاء لم يتجسّد في أي ممّن يدعون أنفسهم مسيحيين من رجال دنيا ودين كما تجسّد في شخص غاندي وحياته الخاصة والعامة. ولذلك، فغاندي، يُشكّل إرباكاً وتحدياً لكل من يجعل الخلاص حكراً على ديانته الخاصة أو مذهبه، أو على قبول هذه الأفكار الدينية أو تلك. فغاندي كان مدركاً إدراكاً كاملاً انه لا يمكن أن يعتبر نفسه مسيحياً ” بالمعنى المذهبي” (٥٢) ، أي بمعنى المؤسسات المذهبية المسيحية التي هي صيغ من صنع البشر. ولكن المسيحية تتجاوز المذاهب وهو ينتمي الى هذه المسيحية مثلما وجدها في الانجيل واعتبر أنّ له الحق بفهمها في ضوء نور عقله وإلهام ذاته الخفية.
لقد فهم غاندي جوهر الدين وغايته وسبب تعدّد الأديان ووحدتها، وأدرك أن الحرية شرط أساسي “لنمو” الفرد الروحي، وأن الحقيقة الإلهية المطلقة كالشمس تشرق بأنوارها على جميع الخلائق، صالحين وطالحين، وأنّ الدين، بصرف النظر عن الأسماء هو تمسّك الفرد برؤيته، ومهما كانت باهتة ونسبية لخيط من أنوار هذه الشمس واتّباعه والسير على هديّه، فإذا فعل وأخلص لرؤيته، فإنه سيقترب لا محالة من مصدر هذا الضوء؛ وكلما تقدم كلما سطع النور أكثر، وازدادت الرؤية وضوحاً، والحقيقة سفوراً وجلاء. إن غاية الانبياء والهداة والمصلحين هي مساعدة الفرد في هذا السبيل، ولكن فعل الايمان والاهتداء يبقى مسؤولية الفرد نفسه إذ “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم” مثلما جاء في الآية القرآنية الكريمة.
لا خوف في فهم غاندي للدين، ولا إنغلاق، ولا إنقياد اعمى : لا خوف من المعرفة بجميع وجوهها، وخصوصاً من معرفة الأديان الأخرى، لأن الحقيقة هي الغاية.
لا بل إن هذه المعرفة تصبح واجباً مقدّساً ، وكذلك الإقرار بالحق واقتباسه والاستفادة منه أينما وُجد. ففي شرع غاندي لا يتلاءم الدين الصحيح مع الجبانة الروحية، ولا يتعارض العقل – الذي هو منحة إلهية – مع الروحانية، بل هو عنصرٌ أساسي من عناصرها، ولا يتناقض الايمان مع العقلانية، لأن الايمان الذي لا يقوم على العقلانية ولا يتمّمها إنّما هو إيمان أعمى ، والايمان الأعمى هو إيمان ميت في نظر غاندي.
وجّه غاندي نظر الانسان الى مستقبل الدين لا إلى ماضيه، واستلهم أفضل ما في الماضي لا ليقبع فيه بل ليسير قدماً باتجاه مستقبل أكثر إشراقاً. فلم يعنو للتقاليد كآلة صمّاء، بل انتفض من تحت ركامها الساحق المرهق وأخضعها لمعايير العقل والحقيقة والأخلاق، لأنه أرادها أن تكون غذاء لتحرره الروحي لا عبئاً وقيداً يشدّه إلى الوراء.
محور اهتمام غاندي هو “النمو” الروحي للفرد وتحقيقه الكمال في ذاته، وبكلمة أخرى تحقيق السماء على الأرض في ذات الانسان. ولم ير سبيلاً إلى ذلك إلا سبيل المحبة الشاملة المنزهة عن أغراض الأنانية الضيقة. ومن خلال المحبة اكتشف غاندي وحدة الانسانية وأن غاية الأديان جميعها هي تحقيق هذه الوحدة. إن الخط الفكري الروحي الذي انتهجه غاندي ترك أثراً عميقاً في نخبة من المفكرين والأدباء، من جميع الأديان والثقافات والأجناس والأقاليم وإن ظل غاندي، لا بل نوره سيزداد اتساعاً وانتشاراً، وستزداد الحاجة إليه يوماً إثر يوم مع تصاعد موجة جنون العنف والتعصب المخزية في جميع أنحاء العالم.
المراجع:
29: الهند الفتاة، ٥ آذار ١٩٢٥، في المرجع السابق، ص ۲۲۸
30: الرأي الهندي”، ٢٦ تموز ١٩٠٣، في المرجع السابق ص ۹۰۸۹.
31: هاريجان “،١٥ كانون الأول ۱۹۳۳، في: p 63.All Men Are Brothers,
32: من هيكل يارفدا، في المرجع السابق ص ٠٦٤
The Words of Gandhi, p.74.: 33
All Men Are Brothers, p.62. :34
35:Gandhi, Prisoner of hope,p.76.
All Men Are Brothers, p.58. :36
Prisoner of Hope, p.81. :37
Gandhi on Christianity, p.63. :38
39:The Philosophy of Mahatma Gandhi, by Dhirenda Mohan Datta, p. 42.
40: . هاريجان، ٢ شباط ١٩٣٤، .pp 56-55.
All Men Are Brothers,
41: من كتاب “هيكل يارفدا، منشور في p 62.
Gandhi on Christianity,
42: الهند الفتاة “، ٢٣ أيلول ١٩٢٦، في :
The Essential Gandhi, p.213.
Gandhi on Christianity, p.62.
Mahatma Gandhi Ideas, p.59-60.
43: من كتاب هيكل يارفدا في : p 63 .
Gandhi on Christianity,
44: . الهند الفتاة، ۲۹ أيار ١٩٢٤، في المرجع السابق ص ٥٧.
45: . المرجع السابق ص ٦٠.
46: . المرجع نفسه.
Mahatma Gandhi’s Ideas, p.74 : 47
48: الهند الفتاة”، ٢٩ أيار ١٩٢٤، في: p. 58 .
Gandhi on Christianity,
49 :John Paul II, Crossing the Threshold of Hope (Alfred A. Knopf, NY, 1994), pp.79-80. .14 …
50: يُراجع على سبيل المثال: “قصة تجاربي مع الحقيقة”، ص١٥٢، و١٦٤، وتراجع المؤلفات المذكورة أعلاه، ففيها تفاصيل كثيرة عن موقف غاندي العقائدي من بعض المبادئ المسيحية التي لا علاقة لها ممارسات المسيحيين الاجتماعية أو السياسية أو حتى الدينية.
:51
The Essential writings of Mahatma Gandhi, Edited by Raghavan Iyer,. (Delhi-Oxford University Press, 1994), p.157.
Gandhi on Christianity, p.26. : 52