الميثولوجيا بين الواقع والخيال
الميثولوجيا بين الواقع والخيال
تفسير غوامض الكون والإنسان
بقلم المهندس جوزف خوجا
إنها قصص حملها الزمن عبر أجيال من الشعوب، نقلتها حضارة اليونان، عن حضارات الشرق القديم، في مصر وفينيقيا، بابل وفارس، واستحدثوا من تلك الحضارات المختلفة حضارة جديدة لها طابعها الخاص الفكري والفني. ولما ساد الرومان العالم شغف أدباؤهم بهذا التراث فأخذوا في ترجمته إلى اللاتينية، ونقلوا مسرحياته كاملة غير منقوصة وقدموها إلى المسرح الروماني، ثم أتى فيرجيل ومعه أوفيد الرومانيين مكملين أعمال الشاعرين اليونانيين الكبيرين هسيود وهوميروس.
وتناولت هذه الأساطير تفسيراً لنشأة هذا الكون من البداية أي الخواء (Chaos) الذي يسبق الأزل حتى ولادة آلهة الأولمب ومن ثم نشأة الحياة بكل تفاصيلها، الولادة والموت وأين يذهب الموتى، أسباب سعادة الإنسان وآلامه ، إلتزامات الإنسان الخلقية ، تفسير إبتلاء البشر بالكوارث، وأيضا علاقة الآلهة بالإنسان الغامضة.
حتى إنها تتضمن نظاماً روحياً صارماً وعدالة ليس فقط للبشر ولزلاّتهم بل لمعاقبة الآلهة إن أخطأوا وأدّوا مثلاً قَسمَاً لا صِحة له ، مما يضفي على هذا الفكر قيمة التعاليم الدينية، لذلك صنف البعض جذور هذه القصص، إلهامًا مشتق من كتب منزلة أو دين سماوي؟ ويقول المفكرون قد يكون مصدر موغل في القدم، قد تكون تبدّلت معالمه أو ربما اندثر وانتهى ليصبح مادة أدبية في فكر الناس.
الإغريق أساطيرهم آلهتهم وديانتهم:
على أن أسس “ديانتهم” هذه كانت ، إذ إنها تخلو من رسل أو مشرعين لقواعد السلوك الديني، وليس لها كتب مقدسة يُرجَع إليها فيما ينبغي اتباعه من مبادىء وأخلاق الذي يميزها عن الديانات السماوية، كما أنها لا تضع حتى قيوداً على سلوك المؤمنين يحدّ من حريتهم وتعاملهم مع أصحاب الديانات الأخرى. (كتاب” الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 22.)
ومن تعاليمهم بأن آلهتهم ليست هي التي خلقت الكون ولا هي أيضاً تملك مصير الإنسان، فهي لا تحيا في كل مكان في وقت واحد ولا تحيط بكل شيء عِلماً، إنما يستطيع الواحد منها أن يقطع مسافات شاسعة في لحظة وأن يرى عن بعد سحيق، وأن يلتقط سمعه تضرعات البشر وابتهالاتهم، إذاً هي ذات قدرات محدودة، لكنهم نور…(كتاب”الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 23.)
حتى ذهب بعض المفكرين إلى: ” إن زيوس لا يستطيع أن يغير من المقدّر شيئاً لأن القدر ينفذ مشيئة الضرورة” وأن ربّات القَّدر هن الذين ينسُجن قدر كل مخلوق وينهين قدره ومعه حياته…(كتاب” الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 29.)
كانت الآلهة في نظر الإغريق ، أحياناً تتخذ صورة البشر حين تتجسّد، وتتحرك بين الناس وتشاركهم أمور دنياهم، حروبهم ومآتمهم.
فقد صاغت”سافو” شاعرة جزيرة ليسبوس، نشيدها لأفروديتي بعد أن تجسدت أمام عينيها.(كتاب” الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 24.)
كما روى بندار، أن أياموس إبن أبوللو حين ابتهل الى بوزيدون، سمع صوت استجابة إبتهالاته.

Sappho Inspired by Love, 1775, Angelica Kauffmann.

وهسيود الشاعر اليوناني الكبير أول من كتب عن الأساطير في القرن الثامن ما قبل الميلاد، في مقدمة كتابه “أنساب الآلهة”، (Theogony) ” التيوغونيا” أو “أنساب الآلهة”، وبعده كتابه الآخر “الأشغال والأيام”، والتي بحق تعد أقدم وثيقة أرّخت للعقائد الدينية في اليونان، ولعلها كذلك السجلّ الجامع لأساطيرهم… إلخ.
أخبرنا في حادثة، ظهور الإلهات التسعة بنات زيوس من الإلهة منيموزين وإلهامهن له بكتابة قصائده هذه، ، تُرى هل رأى رؤية حقيقية ، هل كان هنالك تجلي، لا أحد يدري، إذ قال :
“ألهمتني النشيد
الصُوفيَّ كيما أُنبئُ
بما سيكون وأُخبرُ بما كان في سالف الزمان،… (ص 31)
يُخبِرنَ بما هو كائن،
وبما سيكون وبما كان
في سالَف الزمان…” (ص 32)
وفي هذا النظام من الأساطير كما ذكرنا، قانون لمعاقبة الآلهة أو الذين لا يموتون، إن أدّوا مثلاً، قسماً لا صحة له، فإن إيريس (Iris رسولة الآلهة ) التي تُسابق الريح، كانت تعاقبهم، فيسقط الخاطئ إلى الأرض ليعيش عليها سنة كاملة فلا يستطيع الإقتراب من طعامها السحري الخاص بها والذي يهبانها الخلود، ويسمونه “الأمبروزيا” وشرابها “النكتار” ماء الحياة، حتى يبرأ من مرضه، ليخضع لمحنة جديدة، تأتي بعد الأولى (ص 23)، ومن قدرة طعام الآلهة هذا أنه يتغير طعمه حسب ما تشتهي نفسك، وان شربت او تذوقت منهما قيد انملة لن تستطيع ان تذوق حلاوة أي طعامٍ فانٍ آخر…
طوال تِسع سنوات كاملة يبقى بمنأى عن الآلهة الذين يعيشون إلى الأبد. لا يُسمح له بالإشتراك لا في المشورة ولا في الأعياد، وفي السنة العاشرة يسمح له بأن يعاود الإختلاط بالخالدين، الذين سُكناهم الأولمب…(كتاب “أنساب الآلهة” هسيود صفحة 123)
أعياد الإغريق في الأساطير:
في نظام الأساطير وتقاليدهم الروحيّة، كانت تقام أعياد للآلهة ولأنصاف آلهة، وهم من أبناء وبنات الآلهة ومن البشر الفانون وكذلك للأبطال، من مثل عيد ” السيتريون” الذي كان يقام في دلفي تبجيلاً للإله أبولو، ثم عيد “هراوس” الذي كان يقام تخليداً لذكرى “سيميليه” وهي من أبناء البشر الفانين، إبنة الملك قدموس من زوجته الإلهة (Harmonia ) ” ابنة أفروديت وهاريس” ، وعشيقة الإله زيوس (والذي يعني الضياء) التي أحرقتها صاعقة الإله حينما تجسدّ بقوته الإلهية عليها بمكيدة زوجته هيرا، وعيد تكريماً “للنيف Nymphes ” على رعاية ولدها ديونيسيوس.
ومن أروع هذه الأعياد كان عيد هذا الإله ديونيسيوس وهو الذي أعاد أمه سيميليه من العالم السفلي بعد إحتراقها ومن ثمَّ رفعها إلى مصاف الآلهة لتُعبد تحت إسم “ثووني Thyone”.
Mosaic/Birth of Dionysos Paphos, Archaeological Park, House of
Aion.
ثم عيدا “ثيسموفوريا Thesmophoria” و”إليوسينيا الكبير Elusinia ” وكان يقام كل خمسة أعوام في شهر سبتمبر وهما من أعياد للحدث التاريخي الذي وقع لبيرسيفوني التي اختطفها هاديس رئيس العالم السفلي، وخرجت أمها ديميتر (سيريس) إلهة الخصب تبحث عنها (كتاب”الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 239.)
![]()
Festival dedicated to Demeter and her daughter Persephone
By Francis Millet
تقاليد الأعياد الإغريقية:
تكريمًا لعظمة هذا الفكر “الديني الإغريقي” ، ومنذ العام 776 ق.م. ظهرت الألعاب الأولمبية تقليدًا مهماً ، طيلة خمسة أيام، كانت تتوقف الحروب والمنازعات ولا غفران لمن تحدثه نفسه النيل من هذه الهدنة … (كتاب”الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 52.)
ظلّت هذه الألعاب الأولمبية تقام بانتظام كل أربع سنوات، إلى أن أصدر الأمبراطور ثيودوسيوس الأول مرسوماً بمنع الإحتفالات الوثنية، وكان ذلك عام 393 ميلادية نهاية لهذا التقليد العريق.. (.وكانت أيضا إحتفالات تعرف بال .. Lycaean games)
من تعاليم أساطير الإغريق “الديني”:
الولادة، الموت والتحوّل:
كيف فسّرت الأساطير فكرة الموت، وجود الإنسان وعدالة الحياة. لم يعرف الإغريق الموت كنهاية للكائنات، ولم يكن موجود في فكر الأساطير، ولم يعرفوا في الحياة سوى تحوّل الكائنات من مظهر إلى آخر. لذلك أسموه “الفراق”، فلا يقال عمن نالهم الردّى إنهم ماتوا، بل هم فارقوا أو إنتقلوا إلى حالة أخرى… (كتاب”الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 195.)
هكذا بدأ أوفيد ملحمته الشعرية الخالدة في كتاب “مسخ الكائنات” بالقرن الأول الميلادي، وقبله كان أيضاً هوميروس في الأوديسة:
” ها أنذا آخذ في الحديث عن تحول لكائنات كانت على صورة ثم إذا هي صور أخرى. وإني أبتهل إليكم أيتها الآلهة – وإليكم زمام ما يجري في الكون من تحولات- العون على بلوغ مقصدي بوحي من إلهامكم أقوى به على أن أنسج في قصيدي هذا خيطًا من الشعر لا ينقطع، تنتظم بين طرفيه أحداث الكون منذ بدء الخليقة حتى عصرنا القائم…”
على أن تحول الكائنات التي كانت على صورة ثم إذا هي صور أخرى ، قد تكون ربما إنسانا، حيوانا، أو نباتا أو جمادا، بعث في نفوس اليونانيين إحساساً عميقاً وصلة قويّة بين حياة البشر والوجود الطبيعي من حولهم والذي يضم كل الكائنات من إنسان، حيوان نبات وجماد في وقتٍ واحد…
فالنحّات الملك بيجماليون، والذي لم يكن يثق بالنساء إطلاقًا، نحت من العاج تمثال عذراء ووضع فيه كل أحلامه وقدرته المثاليّة، وأسماه جالاطيا، وخاطب الربّة فينوس أن تحقق له الأمنية أن تجعل فيه اللحم والحياة ككائن… وتتحقق الأمنية ويتزوج الحبيبان وينجبان إبناً .

Pygmalion and Galatea by Anne-Louis Girodet de Roussy-Trioson
أما الشاب الرائع الجمال نرسيس الذي رفض حب الحورية إيكو Echo وبغرور عاملها، فماتت حزناً وتجسدت كالصدى في الفضاء، لذلك عوقب عقاباً غريباً، لما أراد أن ينهل ماءًا من شدة عطشه فنظر وجهه فيه، فظنّه حورية رائعة الجمال حاول عبثًا عناقه ولم يستطع حتى مات حزناً مثل حبيبته إيكو (الصدى) التي إحتقرها ليتحول زهرة ما زالت تحمل إسمه فكانت النرجس. (كتاب” الأساطير اليونانية والرومانية” أمين سلامة ص 102)
![]()
Echo and Narcissus, John William Waterhouse
ودافني الإلهة تتحول إلى شجرة غارٍ حين همّت هاربة من الإله أبوللو، وزيوس رب الأرباب فَلَهُ تجسدات كثيرة تارةً كنسر وأخرى كثور وكبجعة وغير ذلك الكثير… وكان جوبيتر (زيوس) هو الذي أنهى إلى سائر الآلهة بتحوّل أول آدمي إلى حيوان، وهو ليكاوون، Lycaon كانت تلك العقوبة على ما كان له من شرور وآثام فجعله ذئباً…
ووعد أبوللو، ابن ملك اسبرطة الصبي ويدعى هواكنثوس بعد مقتله، في الخلود، فانبثقت من دمائه زهرة السوسن وسميَّت “إيريس” تكريما لربة قوس القزح… (كتاب” الأساطير اليونانية والرومانية” أمين سلامة ص 61).
أما أورفيوس (الموسيقي وكان يعتبر مثل نبي) أبن أبوللو من كاليوبي ربّة الفن بنت الإلهة منيموزين (كتاب “الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 80 ) (بينما يذكر بالأساطير أن والده ملك ووالدته كلوبي) فقد كان يرى أن البدن سجن للنفس وأنه لا بد للنفس من أن تتخلص منه لتتطهّر وتبدأ حياة سعيدة بعد الموت، وازدهرت هذه الفكرة خلال القرن السادس قبل الميلاد وانتشرت لقرون عديدة… (ص 449). وكان أورفيوس شاعراً ساحر الغناء حين يعزف ويغني على قيثارته، يسحر البشر والحيوانات والجمادات فتَسكَن الأشجار وتهدأ الأمواج لتسمع أناشيده … (ص 446).
… ومع الزمن تغيرت نظرة الإغريق إلى آلهتها وإلى الحياة، وأستحدثوا في الفترة ما بين القرن السادس ق.م. والرابع ق.م.، فكرة توارث الصفات وكذلك توارث الخطيئة، وبالرغم من كل ذلك بقي الإنسان صانع مصيره ويتمتع بالقدرة على الإختيار في مصير حياته وتصرفاته… (كتاب “الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع” ص 26).
المراجع:
قصة الحضارة ديورانت الجزئين 7 و 8 حياة اليونان
الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع تإليف ثروت عكاشة
مسخ الكائنات الشاعر أوفيد، ترجمة ثروت عكاشة راجعه عن اللاتينية د. مجدى وهبه
قصيدة الأعمال والأيام لهسيودس دراسة د. محمد سليم سالم
أنساب الآلهة هسيود ترجمة صالح الأشمر منشورات الجمل.
أساطير الحب والجمال عند اليونان تإليف دريني خشبة
مجلة الرسالة العدد 92 دريني خشبة
الأساطير اليونانية والرومانية أمين سلامة
Britannica Sources of myths: literary and archaeological internet
Britannica type of myths in Greek culture
The Eclectic Light Company Gustave Moreau and Symbolism: Jupiter and Semele
Khan Academy Nike
The Laocoon Group: A History of the Artwork by Karen T Moore July 16, 2024
Laocoon Getty Museum article
Laocoon and his Sons. University of Notre Dame. Raclin Murphy Museum of Art, July 6, 2020, Bazzani painting
a