الاضطهاد
بقلم الاستاذ الكاتب سامي واصاف
ليس اضطهاد المصلحين حادثةً عارضة في التاريخ، بل هو بنية متكرّرة، تكاد تُشكّل قانوناً خفياً يحكم علاقة السلطة بالفكرة. فالسلطات، دينيةً كانت او مدنية، لا ترى في الإصلاح اختلافاً قابلاً للاحتواء، بل خلخلةً تهدّد انتظامها الرمزي والمادي معاً.
من هنا، كان الاضطهاد دائماً فعلاً وقائياً، غايته كسر المثال قبل أن يتحوّل إلى عدوى.
لقد تولّت السلطات الدينية والمدنية بتواطؤٍ متكامل مهمة مطاردة المصلحين عبر التاريخ، فالفكر الإصلاحي يُربك و يُهدِّد شرعية البُنى التي تستند إليها السلطة، فيكون الردّ إيذاءً عنيفاً ومنظّماً، يبتغي
التأديب،
و بث الرعب في الرعية،
وردع كل نزعة إلى التفرّد والخروج عن النظام العام.

وفي ذكرى ميلاد ماري حداد، ،”اللبؤة الداهشية” المضطهدة بسبب اعتناقها عقيدة ثورية جديدة وذكرى التنكيل العنيف الذي أصابها على يد السلطتين المدنية المتمثّلة برئيس جمهورية لبنان آنذاك بشارة الخوري وجماعته، والسلطة المدنية المتمثّلة باليسوعيين وأجهزتهم الإعلامية ، يصبح من الضروري وضع تجربتها ضمن سلسلة تاريخية من النماذج الإصلاحية التي ما حملت سيفا بل انتضت القلم وتسلحت بالفكر:
1- الراهب الثائر ساڤانوريلا
الراهب الثائر جيرولامو سافونارولا، قُتل وأُحرِق أمام الجموع عام 1497، بعد إخضاعه لتعذيبٍ منهجي: تكسير العظام، تمزيق العضلات، وتخليع المفاصل على آلة المُخَلِّعة، إحدى أدوات محاكم التفتيش البابوية. الرهيبة.
لم يكن التعذيب هنا عقوبة فحسب، بل رسالة عامة: تحويل الجسد إلى مسرح ردعي، تُعاد من خلاله هيبة المؤسسة.ورغم ذلك، ظلّ سافونارولا صلباً في إيمانه، مستمرّاً في التنديد بفساد أحبار روما وضلالهم، خارج تعاليم الفادي، حتى لحظة الإحراق. لقد أُريد لصوته، ان يصمت فإذا به يتحوّل إلى مشعل منير.
اماً رماد المحرقة فقد ذرّوه كي لا يكون هنالك مزار لمريديه.
٢- الشهيد اسعد الشدياق
يمثّل أسعد الشدياق نموذجاً آخر لاضطهاد الإصلاح حين يتقاطع مع النص المقدّس. فقد رفض تقديس الصليب والصلاة للأيقونات وشفاعة الوسطاء، ودعا إلى الصلاة لله سبحانه دون شريك، وسعى إلى طباعة الكتاب المقدس وجعله مباحاً في أيدي الرعية، لا حكراً على الكهنة.
وكان هذا في منطق السلطة، جريمة مزدوجة: كسر الوساطة، ونزع احتكار النص من أيدي السطة الدينية .
فاتهمته البطريركية المارونية، المدعومة من الأمير بشير الشهابي، بالهرطقة والكفر، واعتبرته زنديقاً، مستحقاً السجن والعذاب حتى الموت.
كان ذلك تحت رئاسة البطريرك بطرس حبيش، الذي وبعد اليأس من ترويض الشدياق وإخضاعه، أُمر بضربه بالعصي، والسجن في أسوأ الظروف، ونكل به شخصياً وعبر رهبانه منذ عام 1826 حتى استُنزفت حياته عام 1830. ثم جرى إخفاء موضع دفنه، خشية أن يتحوّل إلى رمز، لأن الرمز، في منطق السلطة، أخطر من الإنسان الحي.
٣- مي زيادة وكامي كلوديل
في هذا المجال ايضاً تندرج- مع تباين في الحالة – قصة مي زيادة ضحية ابن عمها جوزيف، وشبيهتها النحاتة كامي كلوديل، عشيقة وضحية أوغست رودان، عن النماذج السابقة من حيث البنية لا النتيجة. فكلتاهما لم تُحاربا سلطةً عقائدية أو مؤسسة بسبب أفكار اصلاحية، بل وقعتا ضحية خيانة الحب، وجشع المحيط العائلي، وغدر القريب ولو كان ذلك بمباركة وغطاء السلطة الدينية وتجاهل السلطة المدنية.
ورغم ذلك تبقى قصتاهما من أكثر مآسي الفن إيلاماً، حيث تتقاطع العبقرية مع الخذلان والجنون.
الفارق الجوهري:
وهنا يبرز الفارق الجوهري، فبينما واجه سافونارولا وأسعد الشدياق وماري حداد، الاضطهاد بوصفه امتحاناً عقائدياً غذَّى صمودهم بالبطولة،
واجهته زيادة وكلوديل بوصفه انهياراً داخلياً، بلا رجاء ولا أُفــق خلاص .
ورغم ذلك فان اضطهاد حداد وزيادة يلتقيان عند نقطة واحدة:
مأساة المرأة المبدعة في مجتمع لا يحتمل الاستثناء.
وأخيراً،
ماري حداد والاضطهاد المكتمل
أما في قصة ماري حداد فيكتمل النموذج:
امرأة، مبدعة، ومؤمنة بعقيدة إصلاحية، تواجه السلطة مدنية والسلطة الدينية في تحالف صريح ضد الفرد المختلف.
هنا لا يعود الاضطهاد عرضاً، بل سياسة.
ولا يُسْتطاع الحديث عن الإضطهاد دون المرور باضطهاد الدكتور داهش، وهو ينتمي إلى طبقة أعمق في الصراع،
اذ تعود جذوره إلى الأساطير الأولى، مروراً بفيثاغورس وسقراط والمسيح ومحمد…، ولذلك سيُخصّص لاضطهاده باب مستقل، يُعالَج فيه من زاويتين:
1. الزاوية المادية:
حيث يتجسّد الإضطهاد بالسلطة المدنية في الدولة ورجالها من جانب والسلطة الدينية بمؤسساتها المحرّضة من جانب اخر
٢. الزاوية الروحية:
وفيها يتحول اللاعبون على مسرح الاضطهاد إلى أدوات بل احجار دمى على رقعة الصراع، بين الخير والشر وفق نظام كوني روحي يرتب الاقدار، عبر مدارج الكون وفق التفاعل الأبدي بين النور والعتمة.
ولعل اللآيات اللاحقة تلقي ظلالا على الموضوع،
﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الانعام: 112)
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مُّجْرِمًا﴾ (الفرقان: 31)
فاشهد، أيها التاريخ، أنّ أحداً في لبنان لم ينتصر لقصة اضطهاد الدكتور داهش.
المراجع:
سافنوريلا encyclopedia Brittanica
قصة اسعد الشدياق للمعلم بطرس البستاني ١٨ أيلول ١٨٦٠
(ويكيبيديا العربية – أسعد الشدياق)
زيادة وكلوديل (سلمى حفّار الكزبري، مي زيادة: مأساة البلوغ، 1978)
(واسيني الأعرج، إيزيس كوبيا، 2017)