لوحة وقصّة: النسر الأسود من بروسيا
بقلم هنادي فيّاض
ما أبطل تلك الأوهام المفبركة التافهة التي يتذرع بها البشر لشنّ الحروب وسفك الدماء. لا تترك الحرب أي آثارٍ للمجد-فقط مناظر شاسعة وصامتة من الخراب. إنها تجتاح الأرض مثل رياحٍ سامّة، تخطف قروناً من الثّقافة، وتقطع الرّوابط البشريّة الهشّة، تُحيل الأحلام الهادئة للحياة العادية إلى كوابيس من رمادٍ وحجارةٍ مكسورة.
تحت رعدية المدفعيّة، وبينما يتصارع أصحاب القرار على الدّمار .. يصبح النّصر سرابًا لا يمكن تمييزه عن الهزيمة، حيث يتمّ شراء كليهما بنفس العملة التي لا يمكن تعويضها: الأرواح البشرية و الارض الحزينة. الحرب هي محرّكٌ للحزن الجماعي..
تجد هذه المأساة تعبيرها الرّمزي في لوحة غوستاف دوري “النّسر الأسود من بروسيا”.
في ظل الاشتباكات المدمّرة للحرب الفرنسيّة البروسيّة، يلتقط دوري اليأس الخانق و الخراب الوطني.
النّسر الأسود من بروسيا-مُتحف داهش للفنون
تخيّل نفسك واقفاً في حقلٍ شاسعٍ مفتوح في منتصف الشّتاء؛ أنت فقط ترى بالأبيض والأسود. الهواء من حولك قارص البرودة، ثقيلٌ بضبابٍ كثيفٍ ورطب، تفوح منه رائحة البارود والحديد المبلّل.
الأرض المهزومة عند قدميك.. يرقد ممدّدًا في وسطها جسدٌ أفقيّ ضخم. هذا الجّسد يمثّل فرنسا، وقد جُسِّدت في صورة إمرأةٍ عظيمةٍ ذات أجنحة.
هي لا تقف بشموخ، بل انهارت تماماً فوق التّراب المتجمّد. منهكةً ومكسورة. أجنحتها التي كان يُفترض أن ترفعها عالياً، تبدو ثقيلة، ملويّة ،متّسخة بالوحل والثّلج الخفيف. لو مررت يديك عليها، لشعرت بالملمس الخشن والقاسي لردائها المغطّى بالطين والدّماء الجّافة.
تتّبع ذراعها لتهتدي إلى يدها؛ أصابعها باردة ومتشنّجة، تقبض بقوةٍ على قطعةٍ من الفولاذ البارد الحادّ. إنّه مقبض سيفٍ مكسور، عديم الفائدة، لكنّها ترفض تركه. في يدها الأخرى تتشبّث بعلم فرنسا ،تحاول رفعه ليرفرف. تأبى أن تراه مكسوراً في ساحة الحرب.
من حولها، ترتفع الأرض وتهبط تلالً غير منتظمة. هذه هي الأجساد الساكنة لجنودها الصرعى.
الآن، أنظر إلى الأعلى. الهواء هنا يتغّير، فثمّة ضغطٍ مرعب يتّجه إلى الأسفل، كأنه غطاء ثقيل يُلقى عليك من السماء.
في غبار السّماء السّوداء نسرٌ أسودٌ ضخمٌ كاسر وهو رمز الإمبراطورية البروسيّة يُحلّق مباشرةً فوق المرأة المنهارة. جَناحه هائل الامتداد، يحجب السّماء تماماً ويلقي بساط الظلام على الجميع. يحاصرها في ظلٍّ عميق ومتجمّد.
مخالب النسر مفتوحةٌ على وسعها، مستعدّة للقبض والتمزيق. يمكنك تقريباً سماع الحفيف الحادّ والمنتظم لريشه الثقيل وهو يهبط. إنه ليس موجوداً في الظلام فحسب، بل وكأنّه يجلب الظلام معه. مكانٌ سُحبت منه كل طاقة الدفء تماماً، ولم يتبقّ فيه سوى الصمت المطبق والمطلق لساحة المعركة بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
لقد استخدم “دوريه” درجات الأبيض الشاحب والشبحيّ لتمثيل الملاك و الثلوج، والأسود الخانق للنسر والظلال.
تُعدّ لوحة غوستاف دوري “النسر الأسود في بروسيا” جزءاً من ثلاثيّة شهيرة من اللّوحات الزيتية الضّخمة التي تمّ إنشاؤها في عام 1871. معاً، تُعرف مجتمعةً بإسم “تذكارات 1870”.
“النسر الأسود من بروسيا”: (L’Aigle Noir de Prusse) وتقيم هذه اللوحة كما دراسةٌ لها في “مُتحف داهش للفنون في نيويورك”.
اللّغز: (L’Enigme)
تقيم حالياً في “متحف أورسي” في باريس.
دفاع باريس: (La Défense de Paris)
والتي تقيم في مركز فرانسيس ليمان لوب للفنون في كلية فاسار، في ولاية نيويورك. (Frances Lehman Loeb Art Center, Vassar)

غوستاف دوري (1832-1883) هو فنّانٌ ورسّامٌ ونحّاتٌ فرنسيّ، عُرف كأحد أعظم رسّامي الكتب في القرن التاسع عشر وأحد الآباء المؤسّسين للقصص المصوّرة printmaking.

غوستاف دوري
كان دوري معجزةً فنيةً عصامية؛ إذ بدأ رسم الكاريكاتير في سنّ الخامسة، وبدأ مسيرته الاحترافية في سنّ الخامسة عشرة بالعمل مع الصّحف الساخرة في باريس دون أن يتلقّى أي تدريبٍ فنيٍّ رسميّ وحصل على عقد ٍمربحٍ للغاية لمدة ثلاث سنوات لإنشاء كاريكاتير لصحيفة Pour Rire..
امتاز دوري بغزارة إنتاجٍ استثنائية بلغت نحو 10,000 عمل بمعدّل 16 رسمة يومياً. وترسّخت شهرته العالمية من خلال توثيقه البصري للكلاسيكيات، وعلى رأسها الكتاب المقدّس (الذي صدر في أكثر من 700 طبعة) وجحيم دانتي، الغنيّ عن التعريف حيث شكّلت رسوماته المظلمة والمشحونة بالتفاصيل، المخيّلة الجماعية الحديثة للجحيم والشيطان. كما وامتدّ أثرها إلى أدب الرّعب وفنون السينما.
على الرغم من أشكاله البشرية الواقعية والمفصّلة للغاية، نادراً ما عمل دوري من نماذج حيّة لقطعه الفنيّة. كان يمتلك ذاكرةً فوتوغرافيةً فطرية وفهماً بديهياً للتشريح البشري. وكان يرسم تصاميمه مباشرة على الكتل الخشبية ليقوم فريقٌ متخصصٌ من 40 نقّاشاً بنحتها للطباعة.
في حين جلبت له رسوماته التصويرية illustrations شهرةً عالمية، أراد دوري بشدّة أن يتمّ الاعتراف به كرسّامٍ ونحات من المجتمع الراقي.
عانى دوري من رفض النّخبة الفنية والأكاديمية في باريس. فقد نظر إليه النقّاد بحسدٍ وازدراء باعتباره “حِرَفياً تجارياً” يفتقر للتعليم الأكاديمي، ووصفوا لوحاته الزيتية الضخمة بأنها مجرّد رسوم توضيحية مكبّرة، فضلاً عن رفضهم أسلوبه الرومانسي والخيالي في وقتٍ كانت فيه باريس تتجه نحو الواقعية والانطباعية. وهو تحيّز قضى حياته كلها في محاربته.
خارج نطاق الفنّ التشكيلي، عاش دوري حياةً شخصيةً حافلة؛ فلم يتزوّج قطّ وعاش طوال حياته مع والدته التي كان مرتبطاً بها بشكلٍ وثيق. كما كان موسوعيّ المواهب؛ يعزف الكمان على مستوى الاحتراف، ويغني الأوبرا، ويمارس البهلوانيات والألعاب الأكروباتية في المناسبات الاجتماعية، بالإضافة إلى شغفه بتسلّق الجبال. تبدّل كل هذا مع اندلاع الحرب الفرنسية البروسية عام 1870، فتجنّد في الحرس الوطني الفرنسي وكرّس فنّه لرفع الروح المعنوية وتوثيق معاناة المحاصرين في باريس، فنال وسام جوقة الشرف.
توفّي غوستاف دوري بنوبةٍ قلبيةٍ مفاجئة عام 1883 عن عمرٍ يناهز ال51 عاماً، بعد عامين فقط من وفاة والدته، بينما كان يعمل على رسومٍ تصويريّة لأعمال شكسبير.
في قماش “النسر الأسوَد من بروسيا” لدوري، لا نرى تاريخاً محدّداً؛ نرى الحقيقة الصارخة والعالمية للعنف. اللوحة ليست فقط كسجلّ لعام 1870، ولكن كتحذيرٍ خالد.
لا تتوّقف الحرب عندما يصمت المدفع الأخير، ولا عندما يجفّ حبرٌ على معاهدة سلام.
بعد فترةٍ طويلة من انقشاع الدّخان من الآفاق الممزّقة، يستمر صراع الطّغات إلى ما لا نهاية عبر الزّمن.
تتبدّل الأسلحة، وتتغيّر ساحات القتال، لكن الحلقة الأساسية مستمرة. الحرب لا تنتهي أبداً؛ إنها تغيّر بشرتها فقط، وتنام بشكلٍ متقطّعٍ داخل قلب الإنسان، وتنتظر إلى الأبد أصغر همسٍ ليوقظها مرّةً أخرى..