الميثولوجيا بين الواقع والخيال
الميثولوجيا بين الواقع والخيال
تفسير غوامض الكون والإنسان
بقلم المهندس جوزيف خوجا
(الجزء الرابع)
تمثال اللاؤوكون (Laocoon)

Montorsoli; Laocoon and the three hands straight
إكتشاف اللاؤكوون:
في العام 1506 وبينما كان العمال يشيدون بناءًا عثروا على قطعة من الرخام، وكان ذلك فيما يعرف بمنطقة حمامات الأمبراطور تيطس، وانتشر الخبر سريعًا وكان للبابا صاحب السلطة الروحيّة والزمنيّة أن طلب من النحّات Giuliano di SanGallo أن يكشف على الذي في باطن الأرض، وكان أنجلو برفقته حتى إذا اجتمعا معا أمام المجموعة المطمورة صرخ أنجلو والبعض يقول النحّات جوليانو، هذه هي المجموعة تكلم عنها المؤرخ بلليني في موسوعته Historia Naturalis. إنها اللاؤكوون العظيمة، (وتعني مدبّر الشعب-نقلاً عن ويكيبيديا) وكانت أجزاء من المجموعة مفقودة تحت الأتربة (وهي أذرع الأشخاص الثلاث)…
وكان بلليني مؤرخاً كبيراً نشر في العام 79 ب. م. موسوعته التي تتألف من 37 جزء، وفيها كتب أنه شاهد هذه المجموعة في حديقة طيبيريوس ووصف أنها من أعظم أعمال تاريخ زمانه وذكر أسماء الذين قاموا بهذا العمل أي الذين نحتوه وكانوا أجسندر (Hagesander)، وبليدوروس (Polydorus )، وأثينودوروس (Athenodorus) ، وذكر مكان نحتها جزيرة رودس وقال إنها تتألف من كتلة واحدة من الرخام (قال المؤرخون أن المجموعة تتألف من ثماني قطع من الرخام , وتبلغ 2.42 مترا طولاً وعرضا 1.60 مترًا ويقدر المؤرخون تاريخ عملها ما بين 323 ق.م. إلى 31 ق.م.).
وطلب البابا في مسابقة لتركيب وتثبيت ذراع اللاؤكوون ولأبنائه تتناسب والمجموعة فنيًّا، ولم تتيسر الأمور لأنجلو وفاز فيها النحّات Jacopo Sansovino وأختار أن يجعل ذراع اللاؤكوون منبسطة أي مستقيمة (كما في الصورة المرفقة ونفذها النحّات Montorsoli بينما كان أنجلو يريدها ذراعاً ملتوية مليئة بالحركة والصراع، كما في لوحة يوم الدينونة في كنيسة السستين حيث السيد المسيح يرفع ذراعه ملتوية.)
وفي العام 1906 وجد archeologist Ludwig Pollock في مكان المجموعة ذراع ملتوية وقدمها لمتحف الفاتيكان وبعد خمسة عقود تم تركيبها مجدداً على المجموعة وكانت كما تمنى النحّات مايكل أنجلو، ولوحظ تشابه ما بين هذه الذراع وما يوجد من رسم لقبضة المسيح الملتوية في اللوحة الجداريّة المعروفة بيوم القيامة في كنيسة السستين… مما خلق تساؤلاً كبيراً هل هذه اليد الملتوية قد صنعت ووضعت عمدًا في مكانها وطمرت..
ويعتقد البعض أن المجموعة الأصلية قد تكون صنعت من البرونز واختفت، وإن ما وصلنا يعود لنسخة عن هذا الأصل المفقود.. ويُقدَّر أنها كانت مطليّة وأن الثعبانين كانا يحملان لونًا أخضر فاتحاً وكانت هنالك نقاط من الدماء الحمراء على المذبح من عضتهم.

لوحة للمجموعة الملتوية اليد، مع لوحة السيد المسيح يوم القيامة في السستين لمايكل أنجلو، ويبدو التشابه واضحاً

الثعبان يلتف حول الإبن الأكبر والكاهن تفصيل 1

الثعبان يلتف حول الإبن الأكبر والكاهن، تفصيل 2
حادثة اللاؤكوون بين كتب التاريخ وأساطير اليونان:
يعود تاريخ القصة للقرن السابع ق. م، فالإلياذة، تحكي قصة الحصان كما يلي:
لما عجز اليونان على إقتحام طروادة صنعوا حصاناً خشبياً على يد أوديسيوس ودخل في جوفه عشرات المقاتلين اليونان الأشداء، ثم غادروا في البحر تاركين الحصان كذكرى لحربهم الخاسرة مع طروادة وتركوا على جانبه يونانياً يدعى سينون، ليحتال على الطرواديين، ومما قال لهم أنه شاهد رؤية في صلواته محذراً، ” إن السوء سيحل على كل من يمدّ يده إلى هذا الحصان ويبشره بالخير لكل من يصونه ويرعاه”…
وكان كاهناً ويدعى اللاؤوكون الذي تسمى المجموعة باسمه، نصح أهل بلده بألا يقبلوا الحصان الخشبي هدية منّبهاً، كما يروي فرجيل، أم تظنون أن هنالك أي نفع من عطاياهم (أي اليونانيين)؟… وحاول طعن الحصان بحربته بمحاولة لكشف حيلة اليونانيين ولم ينجح لأن الآلهة كانت قضت بزوال طروادة.
فما كان من الآلهة، آثينا وبوسيدون ممن ساعد اليونانيين في حربهم، إلا أن دفعا بثعبانين عظيمين، قبضا أولاً على ولديه، ولما أبصرهما الكاهن اللاؤوكون حاول إنقاذهما ولم يستطع، وانتهى الأمر بأن طحنتا أجسامهم جميعاً ثم التهماه ولديه، وفسّر الطرواديون مقتلهم دليلاً، أن الحصان كان حقاً شيئاً مقدساً، كما خاطبهم سينون اليوناني المخادع… (يوجد نظرية أخرى تقول أن أبوللو حرّم على الكاهن الزواج والإنجاب ولم يخشع للأمر الإلهي، كما يقال أيضاً إن الكاهن مارس علاقة مع زوجته في الهيكل فكانت العاقبة).
حادثة المجموعة الفنيّة الشخصيات الثلاث للمجموعة:
تتألف المجموعة من شخصيّات ثلاث عارِيَة، الكاهن لاؤكوون وولديه، ويظهر الولدان صغيري الحجم مقارنة بأبيهما مما يزيد من تأثير الشخصيّة المركزيّة وهو الكاهن في صراعه وحركاته، ومعهم صورة ثعبانان ضخمان يلتفان حول أطراف أجسادهم جميعًا في نفس الوقت، وتحاول خنقهما وتعضهما وتنفث سمومها بشكل عنيف، فتساعد على خلق كتلة أكثر تماسُكاً وإحكاماً، وذات قدرة بالغة على النفاذ إلى أعماق المشاهدين لأنها مشبعة “بالشكل” والحركة والدلالات العميقة، وفي الأبعاد الثلاثة، مما يلزمنا أن نتجول حول المجموعة في كل إتجاهاتها، الجانبية والخلفيّة، لكي نتابع تفاصيل الحدث المأساوي…
1- اللاؤكوون
الجسد يلتوي بقوّة ومعه كل الأعضاء ويصارع بكل قدرته ، فيظهر رأس اللاؤكوون منحنياً إلى الخلف، شعر الرأس الكثيف مبعثراً، لحيته ذات الخصلات مُجَدًلة، ، عيونًا غائرة، فماً مفتوحاً يُظهِر الألم واليأس ، ويعكس وَجهاً مُتألماً وحالة تعبيرية كلها مرارة لشخص كأنه يحتضر وفي نهاية وشيكة…
أما قدماه فتخلقان حركات شديدة القوّة إحداهما ترتفع والأخرى تعاكسها في الإتجاه لتضرب الأرض بعزم واليدان تترافقان معهم في الحركات إحداهما ترتفع أيضًا والأخرى نقيضها في الحركة، أما عضلات ذراعيه المفتولين فمشدودة كما على الفخذين من قوّة الحركة وكذلك أوتار العنق والجهد الجسدّي من حركة التوائه، بادِ على عضلات الصدر …
أما قبضات يديه فتضغط لمنع إلتواء الثعبان عليه لخنقه أو لِتَحول من قوّة ضربة أنيابه البادِيّة على جنبه… وتخلق إحساس الحركة الدائبة المتصلة مع حدث المجموعة… وكأننا في ذروة الصراع والتوتر الدرامي للمأساة…
2- الولدان:
أحدهما على يسارنا، وهو الأصغر ، جسده يلتوي وينحني في إتجاه والده وكذلك رأسه ، وقوّته إنهارت أمام ثعبان إلتفَّ حول يديه وآخر يلتف حول قدميه وهما تقاومان بضعفٍ وكأنهما إستسلمتا للنهاية المفجعة وإحدى يديه ممدودة للعلاء من عقدة الثعبان عليها، والتوائها في معصمها يفسر نهايته الحزينة أما اليد الأخرى فتحاول منع رأس الثعبان من عضته وتَلَقي السَم القاتل على جنبه وهي شبه منهارة لضعفها… يظهر كما لو إن الولد يستسلم ليحتضر ويتلاشى نحو النهاية المحتومة…
والشاب الآخر أي الإبن الأكبر يبدو خائفا وينظر لوالده وكأنه يصارع القدر بشدّة ليخلص من الموت المحتم، فإحدى يديه تحاول التخلص من عقدة الثعبان الملتفة على إحدى رجليه المرفوعة بينما الثعبان الآخر يلتف على يده الأخرى من أعلى الذراع ليمنعها من الحركة، أما حركات الأرجل والجسد فهي عنيفة لتظهر عضلات الصدر مشدودة كما أوتار العنق.
وجميع هذه الإيماءات كما يظهر في حركات تكوين الجسد، تَظهَر عليه القدرة على الصراع والبقاء حيًّا،… إذ تذكر رواية يونانيّة واحدة على الأقل أنه يستطيع النجاة والهروب…
أما منظور “التكوين الفني” فقد تناوله الفنّانون بشكل حاذق ليوحي بالمعنى الذي يبغونه والحافل بالمعاني ، فهو الذي جعل لكل شكل أن ينساب في ليونة ويندمج مع الشكل المجاور له، ويحول دون انفصال لأي من الأجزاء ، خاصة في حركة إلتواء الثعبانين على الأجساد الثلاثة… فينزع إلى التعبير الدرامي المرير، إن في تكسر كتله والتواء أجساده وتدفق أشكاله بحيويّة، وليكشف عن ملامح لا تلتقي مع أسلوب الفن الكلاسيكي، بل قريبة من أسلوب فنّي ما يمكن تسميته بالباروك اليوناني Hellenistic Baroque …
البُعد الأخلاقي والإنساني للعمل الفنّي للمجموعة
ربّات الأقدار وسلطة قَضَائِها على البشر والآلهة:
هل هنالك مفاهيم فلسفيّة، أخلاقية أو دينية شاء الفنّانون اليونان أن نتعلمها من هذه المجموعة الفنيّة..!؟ هل هذا العمل الفنيّ مُكلّف رسالة فلسفية كما هي جماليّة…!؟ ماذا يمكن أن نكتب عن المغزى الإنساني الأخلاقي والروحيّ لهذا الإنجاز؟

The three Fates or the Moirai, relief, from the grave of Count Alexander von der Mark created by Johann Gottfried Schadow Berlin
The sculpture represents the three sister Goddesses who determine human destiny: Clotho (Spinner), Lachesis (measurer), and Atropos (cutter)
تقول الأساطير:
“… وأنجب الليل من ذاته ودون معاشرة (ويعرف الليل أيضا بنيكس وهو كائن في الوجود الكوني، قبل زيوس رب الأرباب، وأعظم منه) ربّات القدَر Destinee’s Morai (Fates)) , Clotho, Lachesis, Atropos ) أو القاتلات الآخذات بالثأر، وهنَّ كلوتو (التي تغزل خيط الحياة)، ولاشيزيس (التي تحدد لكل فرد مصيره وطول خيط حياته)، مع أتروبوس (التي تقطع خيط الحياة) وكان ذلك قبل أن يكون زيوس رب الأرباب… يوجد أساطير تقول إن زيوس أوجدهم من طاميس Themis ، إن ربات القَّدر فقط هنّ اللاتي ينسُجن قَدَر كلِّ مخلوق، فأوجدن عقيدة أو نظاماً يعرف بسيادة القدرة الإلهيّة على كل شيء كائن وتعلو حتى على سلطة الآلهة … يعطين أولئك الذين يموتون نصيبهم من الخير والشر، منذ ولادتهم، وهُنَّ اللواتي يتعقبن زلاّت البشر والآلهة أيضًا، وينهين قدر وحياة كل الكائنات ، في عالم سيّده الإلهي ونقصد به زيوس، ليس كُليّ القدرة…
حتى ذهب بعض المفكرين إلى القول: ” إن زيوس لا يستطيع أن يغير من المقدّر شيئاً لأن القدر ينفذ مشيئة الضرورة”

فسيفساء للموراي ربات القدر
هنَّ كلوتو (التي تغزل خيط الحياة)، ولاشيزيس (التي تحدد لكل فرد مصيره وطول خيط حياته)، مع أتروبوس (التي تقطع خيط الحياة)
الخلاصة:
ولما رأى أنياس العظيم الأمير الطروادي، (إبن الأمير الطروادي أنخيس من أفروديت الإلهة)، قساوة الغضب الإلهي بمعاقبة اللاؤكوون وولديه الأبرياء بالموت من الأفاعي التي أرسلتها الآلهة، ومدينته تحترق وتُستباح من قبل اليونانيين وأهله يقتلون، توجّه لمنزله وأبى أن يغادره دون والده…
وكان والده أنخيس شاهد رؤية لجوبيتر العظيم أو زيوس، نورًا عظيماً يتألق فوق رأس حفيده، ففرح واطمأن للبُشرى، فخضع لمشيئة إبنه وارتضى أن يحمله على كتفيه، آخذاً أيضاً ابنه بيده، أما زوجته فقتلت أثناء اللحاق به… وتوجَّه هارباً مع بعض أهله ممن نجوا من عقاب الآلهة، الى الهضاب المحيطة ومن هنالك بنوا مراكب وتركوا تلك الأراضي إلى حيث تريد مشيئة الآلهة…
وفسّر الرومان بناة الميثولوجيا، كما اينياس الأمير الطروادي (إبن الأمير الطروادي أنخيس من عشتروت الفاتنة) الحدث كحتمية القدر ولضرورة سيادة القدرة الإلهية التي قضت بزوال طروادة ولبناء حضارة وأمبراطورية جديدة كائنة في رومة وهو القائل للأميرة الفينيقية، ديدو Dido ، التي أحبها حين إلتقى بها ثم تركها في قرطاجة: ” لا أسعى إلى إيطاليا بمحض إرادتي…”

اللوحة للفنان Pompeo Batoni
(يبدو آنياس حاملا على كتفيه والده آنخيس المُقعد، الذي يحتضن بيديه رماد آبائه، إلى خارج طروادة التي تحترق، ومعه ولده حامِلاً بعناية النار المقدسة من معبد الإلهة فيستا Vesta، وخلفه زوجته Creusa ويفسر بعض المفكرين هذه اللوحة برمزية مراحل حياة الإنسان الثلاث، الكهولة، الشباب والطفولة…
يمكن لمن يريد التعمق أكثر مراجعة تمثال من الرخام للفنان بيرنيني وكذلك لوحة للفنان الإيطالي (Federico Barocci)
المراجع :
اللوحات من موقع ويكيبيديا وغوغيل…
University of Notre Dame think.nd.edu Artwork “Laocoon and His Sons” Who made it? Raclin Murphy Museum of Art.
Karen T Moore author of the research “Laocoon” Georgetown Texas …
قصة الحضارة ويل ديورانت
موسوعة د. ثروت عكاشة الجزء الإغريق ما بين الأسطورة والإبداع
هسيود أنساب الآلهة