نوبل وتجارة الموت

“تاجر الموت قد مات: الدكتور ألفريد نوبل، الذي جنى ثروة هائلة باكتشافه طريقة لقتل أكبر عدد من البشر بأسرع ما يمكن، توفي أمس.”
رغم أنّ هذه النعوة التي نشرتها إحدى الصحف الفرنسية في عام 1888 كانت عن طريق الخطأ، إذ من توفي وقتها كان لودفيغ نوبل، شقيق الفريد، إلاّ أن هذه الكلمات القليلة كانت كافيةً لإحداث إنقلابٍ عظيم في ألفرد وتغيير مجريات وأهداف حياته.
ففي عام 1867, اخترع ألفريد نوبل مادة الديناميت. ورغم أن إختراعه كان يهدف في أساسه الى أغراضٍ مدنيّةٍ وهندسيةٍ ومعماريةٍ، إلّا أنه سرعان ما تحوّل الى أداةٍ عسكرية خطيرة في الصراعات والحروب سافكاً للدماء وحاصداً لملايين الارواح.
شعر نوبل بالندم يحتلّ كيانه بعدما رأى إسهام إختراعه في فظاعة الحروب وهمجيّتها العنيفة، فترك وصيّةً قرّر فيها ترك معظم ممتلكاته وتخصيص ثروته ليتم تحويلها إلى صندوق يتمّ استثماره، على أن يوزّع الدخل من هذه الاستثمارات سنوياً في شكل جوائز لأولئك الذين قدّموا أكبر فائدة للبشرية في مجالات الطب، والفيزياء، والكيمياء، والآداب والسلام.
وها هو الإنسان عبر السنين الماضية يمضي قدماً في حقول التكنولوجيا والفيزياء والطب والأدب وغيرها من تلك العلوم التي أسبغ الله عليه فيها من نعمته لتخفّف عنه وطأة الأمراض والعِلل، وتلطّف عليه صعوبات الحياة عبر التواصل والمواصلات الحديثة، وتزيل همومه عبر جمال الأدب والفنون المسّتمد من جمال الخالق عزّ وجل.
فكم أبدع الإنسان ويبدع في هذه الحقول فاستحقّ في إبداعه جوائز نوبل مثلما تأمّل وأوصى.
ولكن بقي منها جائزةٌ خجولةٌ تستحي كلّما ذُكرت أن تطلّ بعد أن استبدل الإنسان وجهها الإلهي الصبوح بوجهٍ قبيحٍ مشوّه،
وهي جائزة نوبل للسلام!
هذا السلام العصي على بني البشر مذ وجدوا وعبر الأحقاب والآجال؛ يناديه الإنسان فيشيح بوجهه عنه منقلباً الى حلمٍ متبخّرٍ صعب المنال، ولكن ليس ظلماً أو تعسفاً، بل نتيجةً حتميةً لحقيقة نواياه ورغباته. يعظم أمله بتحقيقه عند سماعه الخطابات السياسية الرنّانة والوعود المعسولة ليعود وينكفأ خائباً على وقع أزيز الطائرات والصواريخ ولعلعة مصانع الأسلحة الشاهدة دائماً وأبداً على أطماع البشر وهوس الأقوياء بالاعتداء على الضعفاء والاستيلاء على أرضهم وعرضهم وحرّيتهم.
فيا لها من مضحكاتٍ مبكياتٍ عندما يتنافس ساسةُ هذا الزمن المظلم على نيل هذه الجائزة اليتيمة ويتنغّمون علناً بحب السلام رافعين كأسه بيد، بينما اليد الأخرى على الزناد جاهزة لقتل وذبح وسفك دماء أخوتهم في الإنسانية، ولو كانوا أطفالاً أبرياء، متناسيين أن الإنسان أخو الإنسان، وأنهم جميعاً عائلةٌ إنسانية وروحية واحدة في قلب الله وضميره.
فهل سيأتي ذلك اليوم المجيد الذي تنتهي فيه تجارة الموت وتتنشّق هذه البشرية الحزينة عبير السلام الحقيقي؟
إنه حلمٌ بعيد المنال ولكنّه ليس بمستحيل.
يقول الدكتور داهش: “إِنَّ على سَاسَةِ العالم ، في أربعة أقطار المعمور ، أن يبنوا ( عَالَماً واحداً ) ، إِذا رَغَبُوا فِي أَنْ يَسُودَ السلام العام أرجاء هذهِ الكُرَةِ اللعينة .فالاتفاق العام بينَ زُعَماءِ المَمَالكِ الكُبرى ، ومُلُوكِ الدُّوَلِ القوية ؛ وإجماع الآراء المخلصة ، لا المزيفة ، حول هذا الموضوع البَالِغ في خَطَرِهِ وجَلال قَدْرِهِ وشأنه ؛ وطرح الأطماع جانباً من الجميع ، في سبيل سعادةِ الأسرة الإنسانية ؛ وعَدَمُ التكالب على المادَّةِ بجَشَعِهم الجارف الخطير ؛ وبُنيانهم قانوناً عالميًّا شاملا ، يُدخِلُونَ فيه الدُّولَ الصُّغرى التي تَنقَادُ إلى آرائهم ؛ وتوحيد أهدافهم السامية ومثلهم العليا . هُوَ ما يُؤَدِّي إلى السلام العام”.
نتمنّى أن تترك مقالات ومواضيع هذا العدد أثراً جميلاً في قلوب القرّاء ودافعاً للسير في طريق الخير والمحبّة والسلام.
هيئة التحرير