المشروع الإلهيّ بين الفَصل والوحدة
بقلم الكاتب حسين يونس
الجزء الثاني
وقبل الإنتقال للحديث عن الإرتقاء والعودة الى الأُم الرُّوح، لا بُدَّ من التأمُّل في جدليَّة الألم والدُّعاء والإختبار، حيثُ يتكامل الثالوث المُقدَّس، ومعه يكتمل معنى الوجود. فالألم ليس نقصاً ولا عقاباً، بل جهازُ إنذارٍ كونيّ في ليل الغفلة المادّي، ينطلق من أَعماقِ السيَّالات النُّورانيَّة ليُعلم الكائن بحدوثِ خللٍ في توازنه الرُّوحي، يخبره عن أنَّ إنغماسه في الأهواء واسترساله في الشّر والفساد، يُراكمُ عليه أوشاباً ماديَّةً تزيد من كثافة سيَّالاته، به يلمس أنَّه ليس إلهاً، وأنَّه مهما بلغَ من القوَّة فهناك وهنٌ يختبئُ في طيَّاتِ روحِه. هذا الوجع الإيجابيّ هو الكابح الذي يوقف الإنهيار، والذي يجبره على التوقُّف، التفكير، والإِبتهال. فالسيَّال الذي لا يعرف الألم، لا يعرف معنى الحاجة، وبالتالي قيمة الدُّعاء. وهكذا يكون الألم ضمانةٌ كونيَّة بأنَّ السيَّالَ لن يبقى تائهاً الى الأبد، بل سيظلُّ الجرس الذي يقرع في النَّفس الى حين العودة.
وفي الدُّعاء حكمة، تبدأ بمعرفة الذَّات ومكانتها من الوجود، اعترافٌ ضمنيّ بإعتلالها التردُّديّ، وحاجة الى من لا تنتهي قدرته، يكسر غطرسة الأنا المُنفصلة التي تتوهَّم الإكتفاء، يتجاوز التضرُّع التقليديّ، ليُصبح فعلَ استنارةٍ تقنيّاً يربط السيَّال بمصدره الأزليّ. فإذا كان الأَلم هو جهاز الإِنذار، فإن الدُّعاء هو الإِستجابة الحكيمة الأولى لهذا النداء. وبعيداً عن التَّمنّي والإستجداء العاطفي يبرز كعمليَّة إشعاعيَّة بالغة الدِّقة، ورغبة في العودة الى إيقاع الوحدة، ووظيفة كونيَّة محوريَّة في ميكانيكيَّة الوجود والإرتقاء، من حيث هو محاولة إراديَّة لرفع إهتزازات الكيان ليتوافق مع النُّور، بما يُساعد السيَّال للخروج من ضجيج المادَّة الى رنين الوحدة.
في لحظة الابتهال الصَّادق التي يُقرّر فيها السيَّال الإستغاثة كضرورة إستحضارٍ نورانيّ، يخترق السيَّال الأَقوى جدار المادَّة لتلقيح السيَّالات الضعيفة الملوَّثة بأوشاب المادَّة في عمليَّةِ تفعيلٍ لقانون الجَذب النُّورانيّ لرتق الصدوع، ومعه يبدأ المُبتهل في التشبُّع بالإشعاع، يفقد كثافته ويكتسب شفافيةً تؤهِّله لتلقّي المُساعدة الروحيَّة، فالدعاء لا يغير المشيئة الإلهيَّة التي هي قانون ثابت، بل تتحوّل فيه الذَّات الدَّاعية من مقاومٍ للنُّور الى ثغرة شوقٍ للخلاص، ومعه يُسمح لصوت الضَّمير أن يُسمع بوضوحٍ ليفهم أنَّ آلامه وإِختباراته ليست عبثاً، بل هي أدوات للإرتقاء، بما يتوافق مع النَّاموس الكونيّ.
ولكن في مدرسة الكون الكبرى، لا يوجد فعلٌ بلا ثمن. وعليه، تكون المُساعدة تبادلٌ كونيّ للأحمال. بمعنى آخر، عندما يرفع السيَّال المُساعد تردُّد السيَّال الدَّاعي أو المُحتاج للمساعدة، لا بُدَّ من أن يمتصَّ جزءاً من كثافته أو أوشابه، ليمرِّرها عبر كيانه النُّورانيّ ليطهِّرها بقوَّة إِستحقاقه. فالسيالُ الذي يَمُدُّ يد النُّور لِانتشالِ آخر من دياجيرِ الكثافة، إنَّما يختارُ بِمحض إِرادتِه أنْ يحتمِلَ من أَلم الآخر قسطاً، فيحوّله الى شفافية، والظُّلمة إشعاعاً. لذا، المساعدة هنا هي فعلُ فداءٍ تقني وليست مُجرَّد إرشادٍ إلهاميّ. هذا القانون أساسٌ في توازن الكون، فلو كانت المساعدة مجانيَّة، أي بلا إنعكاسٍ تردُّدي يدفعه المُساعد، لتعطل قانون الاستحقاق.
مع الأخذ بعين الإعتبار، أنَّ هذه المسألة تخضع لقانون العدالة والإستحقاق، وبمدى قوة السيَّال المُساعد، فالحِمْلُ لا ينتقلُ عبثاً ولا يضيعُ سُدى، ولن يكون كاملاً، كيلا يكون فِعلَ إلغاءٍ للمسؤوليَّة الكونيَّة، بل يُوزّع وفق آلية دقيقة تضمنُ بقاء السيَّال المُساعد قادراً على المُساعدة، لئلا ينهار تحت وطأة كثافة لا تخصَّه، وذنبٍ لم يقترفه، وتحفظُ للسيَّال المُساعَد فرصة التعلُّم.
في هذا الجهد فداءٌ عظيمٌ يتجاوزُ منطقَ المادَّة في طبيعته وعُزلته، من حيثُ لا يتحمَّلَ أحدٌ نتيجة خطأ غيره، فهو فعلُ تخلٍّ إراديٍّ وعمليةُ ترميمٍ كونيٍّ يرضى فيها السيَّالُ الفادي باهتزازِ سكينته وانخفاض تردُّدِه، ليمتصَّ بمحض إِرادته ألآم الآخرين وإبتلاءاتهم وصهرِها في ذاته. إنَّ هذا الإِمتصاصَ الواعي للألم والمُعاناة ليس عِبئاً على الهادي الإِلهيّ، بل يرتفعُ إلى رتبةِ الضرورةِ الوجوديَّة الفاعلة. ففي هذا المقام، يتمرّدُ الوجعُ على منطقِ العقوبة أو محنةِ الإِبتلاءِ الشخصيّ، ليتحولَ إلى وظيفةٍ كونيةٍ بالغةِ الدقَّة، ويُصبحَ إمتصاصُ المُعاناةِ ليس ضريبةً لخطأ، بل هو الأداة التقنيَّةَ الوحيدة لإِعادة رتقِ النسيجِ الوجوديّ المُتهالك، ومعراجاً لترميمِ الكون. بهذا المفهوم يفسّر لماذا يتألم الأَنبياء والسيَّالات العلويَّة، فهم لا يتألَّمون لِعجزٍ أو خَطيئة، بل لفرطِ إِيغالِهِم في الرَّحمة. وما نراه من أوجاعٍ ومكابداتٍ ليس إِلا الثمن الِّتقني لتحويل الشرخ الوجوديّ لدى البشر إلى جسر عبور نحو الضياء. وبقدرِ ما ينوءُ السيَّالُ العلويُّ بأَثقالِ الوجود رتقاً لصدوعِ البشريَّة، بقدرِ ما يزدادُ خِفَّةً ونورانيّة ونشوة وجوديَّة تفوق ألم الجسد، وفي هذا ما ِيُثبتَ، أنَّ الفداءَ هو لغةُ الأنبياءِ والمسارُ الأَسمى للإِتحادِ بالأُم الرُّوح، كما هو مِعراجٌ سياليٌّ يمنحُ المُساعَد فرصةً لإلتقاطِ أَنفاسه الروحيَّة ويحميه من السقوط المُدوّي.
في المفاهيم التقليديَّة يُنظر الى الإختبار كأداةٍ لتقييم النتيجة، لقياس مدى الصَّبر أو الثَّبات. وفي هذا ما يَفترض وجود جهلٍ بمآل الأمور. بيدَ أنَّه في مدار هذه الجدليَّة التي نتحدَّثُ عنها، حيثُ ينصهرُ الأَلم لِيستحيل ارتقاءً ويتسامى الدُّعاء ليغدوَ تحقيقاً. يخرج الإِختبارُ عن منطقِ معرفة النتيجة، وهو ما يَتَّسِقُ مع كمالِ المَصدر ليصبحَ عمليَّةً تفعيليَّة لِقوى السيَّالِ الكامنة المُثقَّل بتبعات الأَدوار السَّابقة، يتجلَّى كإِستحقاقٍ كونيٍّ تخرجُ فيه القوةُ من حيِّز الإِمكان إلى حيِّز الفعل؛ فالسيَّال قد يمتلك طاقة نورانيَّة هائلة، لكنَّها تظلُّ خاملة ما لم تصطدم بكثافة المادَّة، وهنا يأتي الألم كإِختبار ليخلق هذا الاحتكاك الضَّروري الذي يوقظ الضَّمير ويوقد شعلة التغيير. ففي لحظة المُعاناة والوجع يتحوَّل أنين المادَّة الى يقين الرُّوح. هنا، يَمتحنُ الإِختبارُ متانةَ الصبرِ ليُحيله من صمتٍ ماديٍّ إلى ثباتٍ نورانيٍّ يُسدِّد خُطى الكائن نحو الحقِّ والنُّور واليقين، بعيداً عن كدرِ التأفُّفِ أو التذمُّر؛ فتشتعلُ نيران المِصهر التطهيري داخل السيَّال، ويُصبحَ الفعل الأسمى الذي يغسلُ آثامَه ويصهر أوشابه ويُعيد تشكيل تردُّده، بَعدَ أنْ استحالَ الألمُ جِسرَ عُبور، وغَدتِ المأساةُ مِعراجاً لِلانتصارِ الأخلاقيِّ.
يقول الدكتور داهش في كتابه “كلمات” ص 139: ” أنا أؤمن بأنَّه توجد عدالة سماويّة ، وأنَّ جميع ما يصيبنا في الحياة الدُّنيا من مُنغصاتٍ وأكدارٍ ان هو الاَّ جزاء وفاق لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من آثام وشرور، ولهذا يجب علينا أن نستقبل كل ما يحلّ بنا من آلام الحياة ومآسيها ، غير متبرّمين ولا متذمّرين ، بل قانعين بعدالة السماء ونظمها السامية.”
في هذه الرؤية الفلسفيَّة العقائديَّة تفسيراً شاملاً لجدليَّة الألم والعدالة، فيه وصفٌ للواقع وكيفيَّة التعاطي معه، بناءً على ميزانِ السيَّالاتِ بأعمالِها عبرَ مَداراتِ إستحقاقها وتقمُّصاتها. ومكمن الإِختبار لا يكمن في وقوع الأَلم ذاته، بل بالقدرة على رؤية الأَلم بوصفه عدالةً لا ظُلماً، وفي رد الفعل التردُّدي للكيان تجاه هذا الألم. الإِختبار هنا هو نقطة التحول التي يختبر فيها الوجود مدى قدرة السيَّال في ممارسة الصَّبر في الحفاظ على المسافة الفاصلة بين التأفف والقناعة رغم ثقل الجزاء الوفاق.
وفي لحظة الإختبار يُحدَّد مصير الكيان من خلال أعلى درجات الإعتراف بالمسؤوليَّة، وذلك بإدراك أنّ هذا الألم هو صدىً لفعلٍ قديم. لكن، عندما يتألم الإنسان ويتذمَّر، فإنَّه يخلق تصادماً بين إِرادته الذاتيَّة وبين العدالة السَّماويَّة، وفي هذا الفعل شعورٌ بالمظلوميَّة. وعليه تكون عبارة ” غير متبرّمين ولا متذمّرين ” إقرارٌ صامت بأنَّ ميزان العدل الإلهيّ لا يظلمُ مِثقال ذرَّة.
أمَّا في فلسفة السيَّالات ومنطق الإرتقاء للعودة الى الرُّوح الأُم، يصبحُ الإِختبار هو المساحة الإجرائيَّة التي يتمُّ فيها تنفيذ العدالة الإلهيَّة. لا بل هو الركيزة التي تُخرج الألم من دائرة العَبَث وتضعه في دائرة العدالة، وتُخرج الكيان من دائرة الضحيَّة وتضعه في دائرة الكائن المسؤول الذي يملك في يده شِفرة خلاصه عبر القبول والارتقاء. لذا، فالهدف ليس النتيجة، بل التطهير الذي يجعل من الألم ثمنَ الإنعتاق. ومعه يكون “الصَّمت والصَّبر ليس كحالة إنتظار بل كقدرة على التحمُّل” فعلاً إيجابيَّاً يُعيد ترميم تردُّد السيَّال الذي تشوَّه، وليس مُجرَّد استسلامٍ للقدر.
معراج الإياب:
لم يكن خروجُ السيَّالاتِ من دوائرِ النُّورِ الإلهيَّةِ قضاءً قسرياً، بل كان انفصالاً بملءِ الإِرادة؛ حيث اختارت السيَّالات الروحيَّة أن تخوض تجربة الأَنا المُنفردة بعيداً عن كُليّةِ المصدر. ومن رحمِ هذا الإِنفصال، وبناءً على المشروع الإلهيّ، كان لا بُدَّ من العودة الى محراب النُّور كضرورةٍ حتميَّة محكومة بقانون الإستحقاق، كمسارِ خلاصٍ وارتقاء بفعل إرادتها.
ولمَّا كان الإرتقاء صعب المنال، لا يكتملُ إِلاَّ بقطعِ تلك الأَواصر الخفيَّة التي تشدُّ روحَنا إلى ظلامِ ماضيها أو دناءةِ أهوائها، وعملٌ يتجاوز مُجرَّد الإرادة الكيانيَّة البسيطة، ليستويَ جهاداً روحيّاً كونيّاً، وصيرورةً وجوديّةً كبرى تكسرُ القيودَ الماديَّة لتُعتقَ جوهر الإِنسان، في خضمِّ صراعٍ ضارٍ يخوضه مع ذواته الصُغرى وسيَّالاته المُبعثرة التي تأبى إِلاَّ أن تجذبه إلى مدارِ سقوطها، تارةً بسطوة الغواية، وطوراً بنزعة الإِنتقام، مُستعينةً بإشعاعاتِها القادمة من دركاتِ الوجود السحيقة.
قد تبدو هذه الرؤية سوداويَّة إذا ما نظرنا إليها كمِحنةٍ أبديَّة تُحاصرُ الكيان، من حيثُ كون الكائن يحمل في كينونته ضعفاً موروثاً مُتراكماً، ما يجعلُ الخلاصَ رهيناً بجهادٍ يفككُ عُقَدَ الماضي ويتحررُ من جاذبية السقوط. لكن في جوهر الفكر الداهشيّ الذي نخوض فيه، لا تُغلق أبواب الخلاص، بل ترفعه ليساوي قيمة الرُّوح الحقيقيَّة، لكنَّه مشروطٌ بالإستحقاق الصَّارم.
ففي عالمٍ يُصرُّ على إختزال الوجود في حيز الكتلة والمنظور، يبدو الإنسانُ غريباً، سجيناً في جسدٍ من طين يوهمه بالإنفصال. لكن حين تُمزَّق حُجب المادَّة، تنجلي الحقيقةُ الكبرى التي نادى بها الفكر الداهشيّ، من حيثُ الإِنسان ليس مجرَّد جسدٍ عابر، بل هو سيَّالٌ ممتد، وخيطٌ كونيٌّ يربطُ بين مقامات النُّور ودركات الظَّلام. من هنا، لا يعود المعراجُ أُسطورةً غابرة، بل ضرورةً وجوديةً راهنةً لكلِّ من أراد استردادَ ذاتِه من شتاتِ العوالم. فالمعراجُ هو صحوةُ الجوهرِ من سُباتِه، يبدأ بتفكيكِ وهمِ المادَّةِ الذي يكبِّلُ الوعيَ، فيُدركُ أن ميولَه وأوجاعَه وتطلُّعاته ليست سوى أصداءِ سيَّالاتِه المُبعثرةِ في فضاءاتٍ متعدِّدة. فالحقيقةُ تكمُن في أنَّنا كياناتٍ عابرة للعوالم، تعمل على جمع ذواتها وتوحيد قِواها الروحيَّة بعد تفتُتِها، في رحلةٍ يتخلَّى فيها السيَّال عن أثقاله ليُصبح أخفَّ وزناً وأكثر نورانيَّة. وفي هذا المِضمار الوجوديّ، لا بُدَّ من الإشارة الى أنَّ السيَّال لا يَتجلّى كفردٍ مَحصورٍ في حدودِ كائنٍ ما، بل كشَبكةٍ ممتدَّةٍ لا تقتصرُ على السيَّال الأساس أو السيَّالات الثانويَّة والطَّارئة منها، والعابرة للأبعاد؛ بل تَتعدَّدُ فيها الذَّواتُ وتَتصارعُ المقاماتُ، حتى داخلَ الكينونةِ الواحدة. وما وراء الأَنا المُنفردة، إمتدادٌ سيَّاليّ لا حدود له.
هنا، لا بُدَّ من إلقاء الضوء على ماهيَّة السيَّال وتجاوز النَّظرة التَّبسيطيَّة للكائن. حيثُ نجدُ أَنَّنا أمامَ بُنيةٍ روحيَّةٍ عميقةٍ تتشظَّى داخل الوحدةِ الظَّاهريَّة. لِفهمِ هذا الانقسامِ إلى ذواتٍ صُغرى، لا بُدَّ من تشريحٍ دقيقٍ يُبيِّن كيف أنَّ عمليَّة التجزّؤ الإشعاعيّ وتعدُّديَّة المكان، تحوَّل السيَّال الواحد الى مجمع من الكينونات المُتفاعلة، تخضع لقوانين كونيَّة دقيقة، وتجعل من الفرد الواحد منظومة، لا مجرَّد وحدة.
وبناءً على مبدأ، أنَّ السيَّال طاقة روحيَّة طليقة، فإنَّه حين يدخل مضمار التجسُّد الماديّ، قد لا يحلُّ بكامله في جسدٍ واحد. حيثُ يتحوّل السيَّال الأُم إلى مجموعة من الذَّوات الجزئيَّة التي تعيش تجارب مختلفة في آنٍ واحد، لكنَّها تظلُّ مرتبطة بإشعاعٍ غير مرئي يجمعها بالمركز النورانيّ الأصليّ. وكما تتجزأ المادَّة الى ما يُعرف بالكوانتا، يُمكنُ للسيَّال الروحيَّ، إذا تجسَّد، أن يتجزَّأ أو يتضاعفَ أَو يتكاثرَ إلى ما لا نهاية في كائناتٍ شتّى، تَجعلُ من الكينونةِ شبكةً من الإمتداداتِ الخفيَّة التي يربطُها طيفٌ روحانيٌّ لا ينفصم، مع الإحتفاظ بتمامِ قوَّتِهِ وهيبتِهِ الإشعاعيَّة مهما تعدَّدَت تجسُّداتُه دون فقدان خصائصه، ذلكَ أنَّ القوَّةَ الإحيائيَّةَ المتجدِّدة التي لا تَعرفُ النُّقصانَ، إنَّما هي جَوهرُ السَّيَّالات الرُّوحيَّة الذي يُوجِّهُ العناصرَ الكيميائيَّةَ ويُنظِّمُ حركتَها في قوالبِ المادَّة.
ومن هذا المُنطلَق، يمتدُّ كُلُّ إنسانٍ عبرَ أطيافٍ خفيَّةٍ في مَلكوتِ المخلوقاتِ الأرضيَّةِ قاطبة، برباطٍ بَاطنيٍّ يَصِلُها بسَيَّالِهِ الرَّئيسيِّ أو سَيَّالاتِهِ الثانويَّة، سواءً كانت موروثةً أو طارئةً. كما قد يكون الجزء نصف سيَّال أو ربع سيَّال أو جزءٌ ضئيل من سيَّال، ما يعني أنَّنا نعيش حيواتٍ متوازية ومُجزَّأة. فقد لا يكون الكائنُ الشاخِصُ أَمام ناظريك سوى شُعاعٍ مُنفردٍ، من حِزمةٍ نورانيَّةٍ ممتدَّةٍ خلفَ حُجُبِ المنظور، يحملُ حقيقة الوعي الوثيق الذي يجمع بين قوَّةِ الإدراك وحجمِ السَّيَّالِ المُتجسِّد. وعليه، لا يَعُودُ الغَباءُ الرُّوحيُّ أو ضَعفُ الإِستبصارِ عجزاً عقليَّاً مَحْضاً، بقدرِ ما هو نتاجُ تجزئَةٍ سيَّاليَّةٍ دقيقة، تضعُ الكائنَ وفقاً لميزانِ استحقاقه الأزليِّ في مرتبةٍ إدراكيَّةٍ محدودة، محصورةٍ في حدود الجزء أو الرُّبع أو النّصف من فيضِ جوهرِهِ الأصليّ. ولأنَّ هذه الإِمتداداتِ تقعُ خارجَ سُلطانِ إرادتِهِ الواعية، ولا تَملكُ حَقَّ الإِرغامِ أو الفَرض، فإنَّ تأثيرَها ينسلُّ إلى كينونتِهِ بوصفِهِ رنيناً جَوْهرياً يتردّدُ صَداهُ بين شظايا السَّيَّالِ النَّازعةِ لإسترداد الشتاتَ الرُّوحِيَّ المَبثوثَ في رِحَابِ المخلوقات، ويربطُهُ بسِرِّ الوجودِ الذي هو جُزءٌ منه.
كما أنَّ إمكانيَّة وجود السيَّال في بشرٍ وشجرٍ وحجر في وقت واحد حسب المفهوم الداهشيّ، تنسف المفاهيم التقليديَّة للتقمُّص، من حيثُ أنَّنا لسنا أرواحاً تنتقل من جسدٍ الى آخر، بل شبكة إحيائيَّة مبثوثة في عدَّةكائناتٍ مُتشابهة أو مُختلفة في طبيعتها وطبائعها، مع بقائه على القوَّة نفسِها في كلٍّ من هذه الكائنات. وهو ما يُفسِّر الإِستهواء الغامض الذي نشعر به تجاه بعض الكائنات أو الأفكار. وهذا ما ليس تعاطفاً فحسب، بل هو إتِّصالٌ سياليٌّ بأجزاءٍ من ذواتنا تعيشُ تجارباً وجوديةً موازية.
والذَّوات على اختلاف أشكالها وأحجامها وأبعادها كمنظومةٍ إشعاعيَّةٍ ممتدَّة، ليست إِلاَّ وحداتِ طاقةٍ نفسيَّة حيَّة تبقى مُنصهرةً في كيانٍ عُضويٍّ واحد يَمنحُ الإنسانَ وَهمَ الثَّبات، تتمايز في كمِّها ورُقيَّها، مع الإحتفاظ بالإرادة والإدراك والنَّزعات والإنفعال في كلٍّ من أجزائها. بيدَ أنَّ قوَّةَ هذه الخصائص النفسيَّة تـتضاءَلُ بنسبةِ تجزُّؤ السيَّال؛ فمَن كان فيه ربعُ سيَّال مثلاً، فإدراكُه ينقصُ إلى رُبعه. ومن سِرِّ العدالة الإلهيَّة أنَّ استقلالَ إرادةِ الجزءِ السيّاليّ لا يَعفيهِ من مسؤوليَّته وتَبِعاتِ خياراته، بل يَجعلُهُ محوراً في ملحمةٍ من العدالةِ الإلهيَّةِ. مسؤوليَّتك إذن لا تقف عند ذاتك، بل عن منظومة كونيَّة أنتَ أحد مقوِّماتها. على سبيل المِثال، إنَّ ارتقاءَ ربع سيَّالٍ في كائنٍ ما ليس فعلاً معزولاً، بل هو نبضٌ يرتدُّ صداه ارتقاءً أو هبوطاً في جوهرِ السيَّال الأُم؛ إذ إنَّ أصغر الشظايا الإشعاعيَّةِ قادرةٌ بأفعالِها على رفعِ أو خفض ميزان الرُّوح القُدسيَّة ضمن منظومةٍ تكافليَّةٍ كونيَّة، تجعلُ من مسؤوليَّةِ الفردِ استحقاقاً مصيريّاً يَمسُّ بكينونته نسيج الوجودِ بأسره.
ومن ملامح العدالة الإلهيَّة نسبيَّة التكليف ومطلقيَّة المسؤوليَّة، من حيثُ الإرادة كثابت والإدراك كمُتغيّر. وهو ما يؤكد أنَّ ماهيَّة نواة الإِرادة تظلُّ ثابتة في الجزء كما هي في الكلّ. ففعل الإختيار في صاحب ربع السيَّال يبقى حرَّاً ومُستقلاًّ ومُخيَّراً ضمن نطاق رؤية أضيق. والمسؤولية لا تسقط بنقص الإِدراك، بل تظلُّ كاملة من حيث المبدأ، لأن الإِرادة هي مَناط الحساب، وهي لا تتجزأ من حيثُ النَّوع وإن تجزأ السيَّال من حيث الكم. فالعدالةُ الإلهيَّةُ لا تُعفي صاحبَ السيَّالِ الجزئيِّ من مسؤوليَّتِهِ، بل تضعُ حريَّة إرادتِه في اختبارٍ أَشدَّ عُمقاً؛ حيثُ يغدو الجهادُ الروحيُّ في ظلِّ انحسار الإِدراكِ ملحمةً إِراديَّةً مَحضة، تُثبتُ أنَّ جوهرَ الرُّوحِ قادرٌ على قهر قيد التَّجزُّؤِ والارتقاءِ بالكلِّ عبرَ ثباتِ الجزء. وهذا تحديداً هو ما يجعل ارتقاءه “إذا تمَّ ” بمثابة ثورةٍ إِشعاعيِّة تهزُّ أَصل السيَّال الأُم وترفع درجته بقوة.
ومن أدقِّ صور العدالة الإلهيَّة في الفكر الداهشيّ هي مسؤوليَّة السيَّال الأُم في توحيد طاقاته المًبعثرة في أجزائه، في عمليَّة إستردادٍ وجوديَّة، تهدف الى صهر الشتات الإِشعاعيّ في الذَّات المحوريَّة الصَّاعدة نحو النُّور، بإتِّباع مسارٍ يجمع بين الوعي الإدراكي والجهاد الرُّوحيّ. وهذا ما لن يتمّ بجمع الأجزاء في حيّزٍ مكانيّ، بل بصهرها في وحدة القصد والإتِّجاه. فعندما تشعر بإنجذابٍ روحيّ نحو شجرةٍ أو حيوانٍ، فكرةٍ سامية أو قصيدة شِعْر، تُحفة فنيَّة أو لوحة زيتيَّة، فأنت في الحقيقة تلمسُ جزءاً من سيَّالك المُتشظّي. وبدلاً من ترك هذا الشعور يَمرُّ كعاطفةٍ عابرة، عليك تأصيله بالوعي؛ أي أَن تُدرك أنَّ هذا الكائن يحمل جزءاً منك. هذا الإدراك يعمل كـمِحرابِ استقطابٍ روحيّ، يُعيدُ توجيهَ أجزاء السيَّال الهائمةِ نحو مَركزِها النورانيّ. ومعه تُلغى الحدود بين الجزء والكلّ، وتتحوّل المسؤوليَّة من فعل شخصيّ الى التزامٍ تضامُنيّ كونيّ. وهكذا تستحيلُ كلُّ نبضةِ إدراكٍ، وكلُّ نزعةٍ وجدانيَّةٍ، وكلُّ فعلٍ إراديٍّ إلى تلبيةٍ لنداءِ النُّور، تنحسرُ المسافاتُ بين الشظايا المَبثوثةِ وتكفُّ عن التبدُّد. حينها، تتحوَّلُ الذَّاتُ المحوريَّةُ من مُجرَّدِ مركزٍ لاستقبالِ التَّبعاتِ إلى مِحركٍ صعوديٍّ يمتصُّ شتاتَ الإِشعاعِ من أغلال الكثافة الماديَّة، ليقذفَ بالكينونةِ قاطبةً نحو معراجِ الرُّقيِّ السَّرمَدِيّ.
وعليه يكون الإنسان في حقيقته ليس فرداً محصوراً في حدود الجسد، بل هو مجمع كونيّ من السيَّالات والذَّوات، تمتدُّ خلف حُجُب المادّة، وأنّ كل جزءٍ منَّا في العوالم الأخرى هو ذاتٌ تستحقُّ الالتفات والجِهاد.
التتمة في العدد المقبل