أدب الدكتور داهش

يا نفسي

 

لا تدعي غرور الحياة ومباهجها الزائفة ،
وأطايبها السريعة الأفول … تتملّكك ! …

وإذا لم تستطيعي لها ردعاً…
ساعتذاك – إعرضي في مخيّلتك:

كم من ملايين البشر طواهم العدم ،
فأصبحوا في خبرِ كان… لا نعرف عنهم شيئاً !
وذلك منذ عهد السيّد المسيح

كم مِنْ مُلُوكٍ ذَهَبُوا !
كم مِنْ قُوَّادٍ فَنُوا !
كم من عروشٍ قُوّضت !
كم من نجومٍ هَوَتْ !
كم مِنْ حسناءَ ذَوَتْ !
كم من شعوبٍ قد بادت !
كم مِنْ عُصورٍ قد تَوارَتْ !
كم من آجالٍ قد انْقَضَتْ !
وكم منها سيمضي بعد أن يأتي ؟!….

إذن لم هذا العجب بالنفس والغطرسة الكاذبة ؟

ولم تشمخ بأنفك ؟
أيها القائد المُعْجَبُ بجنودك البواسل المتراصّين كالبنيان !

لا تشمخ بأنفك ،
ولا تغترّ بمن سجدوا أمامك ؛
فعمّا قليل ….  تطوى جنودك في ثنايا العدم! …
و تتناسى الأجيال القادمة أعمالك !
ويُصبح اسمك أثراً بعد عين !….
كما عفت آثارُ أسلافكَ مِنْ قَبْلِك !

كلّ ما في الكون :

من اصطخابٍ وحياة ، وضجيجٍ وحركة ،
سيؤولُ إلى السكون التامّ ، والخُنُوع الرهيب !
وسيخلد إلى الهدوء ، والاستكانة الأبديّة !
بعد أن تنتهي أوقاته المحدودة ،
فيذهب إلى غير ما رجعة ! ….

فَوَاللْحَيَاةِ هذه !
ويا للانسان من مسكينٍ جاهل ! .

القدس ۱۹۳۳
من كتاب “أناشيدي”، دار النار والنُّور، بيروت، ص. 25-26.

error: Content is protected !!