أدب الدكتور داهش

والتقى النسر بالنمر

 

کان نسراً خشبياً مجنحاً ، رائع المنظر ، فني الصنع ، ضخماً للغاية . فهو بالحجم الطبيعي للنسر الحقيقي ، يقف على قاعدة ضخمة هي جذع شجرة نحتت بصورة فنية يلتذ النظر بمشاهدتها . والنسر يقف على قاعدتـه ، باسطاً جناحيه ، ونظره الحديدي مثبّت بالفضاء ، كان هذا النسر منزوياً في مستودع بالطابق العلوي ، منذ عام ونصف ، وهو ينتظر الفرج . وقد مضّه الانتظار الطويل وهو ملقى في زاوية هذا المستودع . وكان لهذا النسر صديق فارقه منذ عام ونصف ، وصديقه نمرٌ خشبي بالحجم الطبيعي . وقد كانا في متجر صاحبهما الطيواني . وكانا يتسامران معاً في متجر مالكهما . ومنذ عامٍ ونصف قدم رجل اسمه يوسف الى المتجر بنيويورك . وبعد مساومة ابتاع يوسف النمر الخشبي ، وكم كان أسف النسر كبيراً لمفارقة النمر للمتجر.

لقد كان صديقه وسميره قضيا معاً سنوات طويلة ، فاشتدت أواصر الصداقة بينهما ، وأصبح كلّ منهما يود أن يمكث مع صديقه دوماً وأبداً ، وعندما قدمت السيارة ، ووضع النمر بداخلها ، شعر النسر بحزنٍ عميق يتملّكه ، وود أن يبكي لو استطاع ، ولكن أنّى للخشب أن تدمع عيناه . إن هذه معجزة لا يمكن أن تتحقّق الا على أيدي رجال الدين المتخرصين والزاعمين ان صورة مريم العذراء دمعت عيناها ، وأن صورة السيد المسيح تفجرت من عينيه الدموع حزناً على ما يرتكبه الأنام من الشرور . وما زعمهم الاختلاقي هذا الّا لملء جيوبهم بالذهب الوهّاج من البلهاء والأغبياء الذين يصدّقون هذه الأكاذيب الحقيرة التي يشيعها هؤلاء الذئاب المرتدون ثياب الحملان.

وصدق السيد المسيح اذ قال :
بيتي بيت الصلاة ، وقد جعلتموه مغارة للصوص والفاسقين، وبعتم دينكم وآخرتكم في سبيل دنياكم . فالويل لكم من يوم الدين المرعب .

وانطلق يوسف بالنمر تاركاً النسر الحزين وحيداً فريداً في متجر صاحبه الطيواني .

قال النسر : في هذا اليوم الواقع في 1978/4/18 عاد يوسف الى المتجر ، اذ سبق واستهويته يوم ابيتاعه للنمر ، فصمّم على شرائي .

وتمّت المساومة ، ودفع ثمني لمالكي . وتقدم شاب يرافق يوسف وتعاون مع مالكي على حملي بصعوبة كلية ، ووضعاني في المصعد . وكانت الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر . وهبط المصعد ، فأخرجاني الى الرصيف . واذا بفتاة سمراء بمقتبل العمر تتأمّلني فأحببتها . وكان المارّة يقفون ويحدّقون إلي ، معجبين بالفن الذي أسبغه المثال علي . وأُحضرت سيارة كبيرة ، فأُدخلت اليها ، وجلست الفتاة السمراء بقربي ، فسررت لمجاورتها إيّاي ومرافقتها لي . وانطلقت السيارة من نيويورك الى ولايتنا . ولشدة الازدحام وصلنا الى ولايتنا في الساعة السابعة والنصف ، اذ كان السائق ومساعده يقفان ويتفقّداني ، مع أنّهما شدا وثاقي جيدا كي لا أسقط فأتحطم . في تمام الساعة السابعة والنصف وقفت السيارة أمام منزل جميل حديقته غنّاء وأشجاره وارفة. وقرعت السمراء الجذابة الباب ، ففتح ، واذا بصبية فتية عرفت من حديثها مع مرافقتى اللطيفة أنها شقيقتها .

وأدخلوني الى باحة المنزل .

وكنت أقف على قاعدتي بعنفوان وكبرياء ، وأنا باسط جناحي الضخمين .

فتأمّلتني شقيقة السمراء وقالت :

إنّه نسر جميل !

فشعرت بالفخار يغمرني . وقلت : سبحان من أنقذني من سجني الذي كنت أقيم فيه مرغماً على أمري . وعلا صوت فيه رنّة الابتهاج ، مرحّباً بي ، متلهّفاً على لقائي .

إنه النمر الذي فارقني منذ عام ونصف .

كان اللقاء عاطفياً ومثيراً ومدهشاً . إنه لقاء تاريخي .

يا صديقي النسر ، إنها رحمة السماء أسبغتها علي فعدت واجتمعت بك . الشكر للخالق الذي جمعني بك أيها النمر العزيز ، فكم وكم تألّمت لفراقك المرير . وكم وكم أمضيت الأيام والليالي وأنا أتحرق لعودة الاجتماع بك . وها قد تحقّق حلمي الجميل ، فالشكر لخالقنا وخالق البرايا .

وراح كلّ منها يقص على صديقه الأنباء والأخبار والحوادث التي سمعها أو شاهدها طوال أيام غربته عن رفيقه .

وقال النسر للنمر :

منذ شهر زار متجر صاحبي شاب برفقة فتاة ، وكان صاحبي منهمكاً بمخابرة تلفونية ، وكانا يتمتّعان بي وهما قربي . فقال الفتى لرفيقته :

لقد مضّني الانتظار حتى استطعت اليوم الاجتماع بك .

فأجابته :

إنّ قريني يمنعني من الخروج الا اذا كنت برفقته ، والليلة البارحة اتّصلت به شقيقته من كاليفورنيا تعلمه بموت والدته ، فاضطرّ إلى أن يسافر صباح اليوم ، وتمارضتُ كي لا أرافقه ، واتصلت بك فور ذهابه ، وإني أدعوك اليوم أن تكون ضيفي في منزلي الزوجي ، اذ لا رقيب علينا .

وسيتّصل بي تليفونياً يعلمنى متى سيعود الى نيويورك فلنغتنمها فرصة ذهبية لا تعوّض.

وابتاعا بعض الحلى المزيّفة ، ثم غادرا المتجر.

وما كان أشدّ احتقاري لهذه الزوجة الخائنة . وقد شكرت خالقي الذي كوّنني من مادّة الخشب ، ولم يخلقني بشراً سويّاً .

فأجابه النمر :إنها الطبيعة البشرية ، فمنذ أوجد الله أرض البشر ، والشرّ يسود صدور أبنائها كبيرهم وصغيرهم ، شريفهم وحقيرهم .

فهل نسيت ما كنّا نشاهده في المتجر معاً ما كان يجري من روّاده من أمور لو دوّنتها الكتب لكانت لطخة عار على البشر والبشرية حتى يوم يبعثون!

الدكتور داهش

الولايات المتحدة الأمريكية 1978/4/19
من كتاب ” قصص غريبة وأساطير عجيبة”، الجزء الثاني

error: Content is protected !!